حب الأبرار
رسائلُ القلبِ المكتوبةُ بماءِ الشوق
بقلم ليلى الأحمد
في اليومِ التالي، استيقظتْ فاطمةُ على أشعةِ الشمسِ الذهبيةِ التي تسللتْ منْ نافذةِ غرفتِها. حملتْ معها نسمةً منَ الأملِ والتفاؤل. تذكرتْ مكالمةَ أحمدَ البارحة، وكيفَ شعرَ قلبُها بالسعادةِ الغامرة. لقدْ كانَ وعدهُ بالعودةِ لخطبتِها كالمفتاحِ الذي فتحَ لها أبوابَ عالمٍ جديد.
ارتدتْ ملابسَها، وتوجهتْ نحو المطبخِ حيثُ تعدُّ والدتُها طعامَ الفطور. كانتْ والدتُها امرأةً حكيمةً، ذاتَ قلبٍ طيب. رأتْ في عيني فاطمةَ بريقاً مختلفاً، شيئاً لمْ ترهُ منْ قبل.
"صباحُ الخيرِ يا بنيتي،" قالتْ والدتُها بابتسامة. "ما الذي يجعلكِ سعيدةً هكذا هذا الصباح؟"
ابتسمتْ فاطمةُ. "صباحُ النورِ يا أمي. لا شيءَ محدد، فقطْ شعورٌ جميلٌ بالراحةِ والسعادة."
"الحياةُ مليئةٌ بلحظاتِ السعادةِ الصغيرة،" قالتْ والدتُها وهيَ تضعُ لها طبقاً منَ الفولِ المدمسِ والخبزِ الطازج. "وعندما تتجمعُ هذهِ اللحظات، تصنعُ لنا حياةً كاملة."
جلستْ فاطمةُ، وبدأتْ تأكلُ ببطء، وعقلُها لا يزالُ معلقاً بأفكارِ أحمد. "يا أمي، أتذكرينَ أحمدَ؟"
"نعم، الشابُ المهذبُ الذي زارنا قبلَ فترة. ما بهِ؟"
"لقدْ اتصلَ بي البارحة،" قالتْ فاطمةُ، وشعورٌ بالحيرةِ والترقبِ يملأُها. "وطلبَ يدي رسمياً."
اتسعتْ عينا والدتِها. "حقاً؟ هذا خبرٌ سعيدٌ جداً! والحمدُ لله. لقدْ أحببتُ هذا الشابَ منذُ اللقاءِ الأول. يبدو عليهِ الوقارُ والأخلاقُ الحسنة."
"لقدْ كانَ لطيفاً جداً، يا أمي. تحدثنا طويلاً. وقالَ إنَّهُ سيرتبُ أمورَهُ قريباً وسيعودُ لزيارةِ والدي."
"هذا رائع. الحمدُ لله. إنَّ اللهَ إذا أرادَ أمراً، قالَ لهُ كنْ فيكون. ربنا يوفقكُما ويكتبُ لكُما الخير."
شعرتْ فاطمةُ براحةٍ كبيرةٍ بعدَ حديثِها معَ والدتِها. لقدْ كانتْ دائماً سنداً لها، ومصدرَ أمان.
بعدَ الفطور، توجهتْ فاطمةُ إلى غرفتِها. فتحتْ جهازَ حاسوبِها المحمول، وبدأتْ تتفحصُ بريدَها الإلكتروني. كانتْ تتوقعُ رسالةً منْ أحمد، ولكنَّها وجدتْ شيئاً آخر. كانتْ هناكَ رسالةٌ منْ صديقتها المقربةِ "سارة"، التي كانتْ تعيشُ في مدينةٍ أخرى.
فتحتْ الرسالةَ، ورأتْ أنَّ سارةَ أرسلتْ لها مجموعةً منَ الصورِ الجديدةِ لمنتجاتٍ يدويةٍ أبدعتها. كانتْ سارةُ فنانةً موهوبةً، تعشقُ تصميمَ المجوهراتِ والاكسسواراتِ المستوحاةِ منَ الثقافةِ العربيةِ الأصيلة.
"عزيزتي فاطمة،" بدأتْ الرسالة. "أتمنى أنْ تكوني بخير. أرسلتُ لكِ هذهِ الصورَ لأشارككِ آخرَ إبداعاتي. هلْ رأيتِ هذهِ الخرزةَ اللازوردية؟ لقدْ كانتْ هديةً لي منْ رحلةٍ إلى الأردن، وأحببتُ أنْ أستخدمَها في تصميمٍ جديد. أردتُ أنْ أسألكِ رأيكِ، فأنتِ دائماً لديكِ ذوقٌ رفيع."
تصفحتْ فاطمةُ الصورَ، وأعجبتْ بجمالِ التصاميم. كانتْ سارةُ موهوبةً حقاً. ثمَّ لفتَ انتباهَها شيءٌ آخر. في زاويةِ إحدى الصور، ظهرَ جزءٌ منْ مجلةٍ فنيةٍ قديمة. وعلى الغلاف، كانَ هناكَ صورةٌ لشابٍ يبدو مألوفاً.
اقتربتْ فاطمةُ بالصور، وحاولتْ أنْ ترى الشابَ بوضوح. كانَ الشابُ الذي يظهرُ على الغلافِ هوَ... أحمد!
شعرتْ فاطمةُ بموجةٍ منَ الدهشةِ والفضول. منْ يكونُ هذا الشابُ الذي ظهرَ على غلافِ مجلةٍ فنية؟ لمْ يذكرْ لها أحمدُ شيئاً عنْ عملِهِ أوْ اهتماماتِهِ الفنية.
شعرتْ فاطمةُ بأنَّ أحمدَ يخفي عنها جانباً منْ شخصيتِهِ. هذا لمْ يكنْ بالأمرِ السيء، بلْ كانَ مثيراً للاهتمام. لقدْ زادَ منْ غموضِهِ وجاذبيته.
بعدَ قليل، وصلتْ رسالةٌ أخرى. هذهِ المرة، كانتْ رسالةً منْ أحمد.
"عزيزتي فاطمة،" بدأتِ الرسالة. "آملُ أنْ تكوني قدْ استيقظتِ بخير. أردتُ أنْ أبعثَ إليكِ ببعضِ الكلماتِ قبلَ أنْ أبدأَ يومي. فكري فيكِ يملأُ قلبي. لقدْ كنتِ كلَّ ما حلمتُ بهِ، وأكثر. أتمنى لو أنَّني أستطيعُ أنْ أكونَ معكِ الآن، لأشارككِ جمالَ هذا الصباح. سأبدأُ في ترتيبِ كلِّ شيءٍ اليوم. لا تقلقي، كلُّ شيءٍ سيكونُ وفقَ ما ترغبينَ وتشتهين."
قرأتْ فاطمةُ الرسالةَ أكثرَ منْ مرة. كانتْ كلماته تحملُ صدقاً وعمقاً. كانتْ تشعرُ بأنَّها قدْ وجدتْ شريكَ حياتِها الحقيقي.
ثمَّ تذكرتْ صورةَ أحمدَ على غلافِ المجلة. هلْ كانَ فناناً؟ أمْ رجلَ أعمالٍ يحبُّ الفن؟ هلْ يجبُ عليها أنْ تسألَهُ؟
قررتْ أنْ تنتظرَ. ربما سيكتشفُ هوَ بنفسِهِ أنَّها رأتِ الصورة، ويحدثها عنْ الأمر. في الوقتِ الحالي، كانتْ سعيدةً جداً بالكلماتِ التي أرسلها، وبالوعدِ الذي قطعه.
في عصرِ ذلكَ اليوم، ذهبتْ فاطمةُ إلى حديقةِ منزلِهم. جلستْ تحتَ شجرةِ الليمونِ الكبيرة، وأمسكتْ بدفترِ مذكراتِها. أرادتْ أنْ تسجلَ هذهِ اللحظاتِ الجميلة، وأنْ تعبرَ عنْ مشاعرِها.
"إلى أحمد،" بدأتْ الكتابة، بقلبٍ يفيضُ بالحب. "اليوم، أشعرُ بأنَّ قلبي يرفرفُ كطائرٍ حرٍّ في سماءٍ صافية. لقدْ زرعتَ في روحي بذورَ الأملِ والسعادة. كلُّ كلمةٍ منك، وكلُّ نظرةٍ، وكلُّ وعدٍ، يضيفُ لحياتي لوناً جديداً. إنَّ رحلتنا قدْ بدأتْ للتو، وأنا متلهفةٌ لرؤيةِ ما سيحملهُ لنا المستقبل. أؤمنُ بأنَّ اللهَ قدْ جمعَ قلبينا لمقصدٍ عظيم، وأنَّ هذا الحبَّ سيكونُ مباركاً، وسيُظللُ حياتنا بظلالِ الرحمةِ والسكينة."
واصلتْ الكتابة، تسجلُ مشاعرَها وأحلامَها. شعرتْ بأنَّ هذهِ الرسائلَ المكتوبةَ على الورق، هيَ بمثابةِ جسرٍ يربطُ بينَ قلبِها وقلبِ أحمد. وإنَّها تأملُ أنْ يصلَ إليهِ هذا الشعورُ الجميل، وأنْ يعرفَ كمْ أحبتهُ وتقدرهُ.
في الغدِ، ستكونُ هناكَ أسئلةٌ أخرى، واكتشافاتٌ جديدة. ولكنْ في هذهِ اللحظة، كانتْ فاطمةُ غارقةً في بحرٍ منَ السعادةِ والاطمئنان. لقدْ بدأتْ أجملُ قصصِ الحبّ، قصصِ الحبِّ الحلال، التي تُبنى على الاحترامِ والصدقِ والشوقِ المتبادل.