الفصل 5 / 25

حب الأبرار

وساوس الظلام

بقلم ليلى الأحمد

كانت سماء المدينة في ليلتها هذه تكتسي بوشاح أسود مطرز بالنجوم، كأنها لوحة الفنان التي استنفد فيها ألوانه ليعود إلى البساطة المرهبة. في قلب هذا السكون، كان جسد أحمد يرتعش، ليس من برد يلسع، بل من حرارة داخلية تأبى الانطفاء. جلستُ، أنا، ليلى، في غرفتي، أتقلب على فراشي، وقلبي يخفق كطائر جريح. لم يكن ذاك الخفقان نتيجة شوقٍ عذب، بل كان قلقاً غائراً، شعوراً بالخطر يلوح في الأفق، كصخرةٍ عاتيةٍ تهدد بابتلاع سفينةٍ هادئة.

قبل ساعات، خرج أحمد إلى المسجد لأداء صلاة العشاء، تاركاً وراءه وعداً بالعودة السريعة. لكن الساعات تململت، طالت، وتحولت إلى انتظارٍ قاتل. الهاتف صامت، والصمت المطبق أصبح أشد وطأة من أي خبرٍ سيء. بدأت الأفكار السوداء تتسلل إلى عقلي، كحشراتٍ زاحفةٍ تترك أثراً ساماً. هل حدث له مكروه؟ هل هو بخير؟ أم أن وساوس الشياطين بدأت تغتال هدوء حياتنا؟

أذكر جيداً كيف تعرفت على أحمد. كان نوراً في حياتي، ابتسامةٌ تشرق كشمسٍ صباحية، وكلامٌ كبلسمٍ يشفي الجروح. رأيت فيه الزوج الصالح، والأب الحنون، والحبيب الوفي. كان كل شيءٍ واضحاً، كالماء الذي يجري في الجدول الصافي. لكن شيئاً ما بدأ يتغير، شيئاً خفياً، دقيقاً، كالسرطان الذي يتفشى في الجسد دون أن يشعر به صاحبه.

كان أحمد في الآونة الأخيرة يبدو شارد الذهن. تتسلل إليه لحظاتٌ من الغضب المفاجئ، ثم يعود كالطيف، يعتذر بكلماتٍ بالكاد تصل إلى مسامعي. كان يقضي ساعاتٍ طويلةٍ على هاتفه، يتصفح، يكتب، يبتسم بتلك الابتسامة الغامضة التي لم أعد أتقن فك رموزها. حاولت أن أسأله، بلطفٍ، عن سر هذا التغير، لكن إجاباته كانت دوماً مراوغة، تحمل في طياتها ثقلاً لا أفهمه. "مجرد عمل يا ليلى، ضغوطٌ تتزايد." أو "أصدقاءٌ قدامى، نتذاكر أيام الشباب."

لكن قلبي لم يطمئن. لم يكن هذا أحمد الذي أعرفه. أحمد الذي أحببته كان يشاركني كل شيء، صغيرةً كانت أو كبيرة. كان يرى في عينيّ مرآةً تعكس روحه. الآن، أصبح هناك حجابٌ بيننا، حاجزٌ شفافٌ لكنه صلب، يعزلنا عن بعضنا البعض.

الآن، وأحمد غائب، بدأت الذكريات تتدافع كأمواجٍ عاتية. أتذكر لقاءنا الأول في مكتبة والدي. كان يبحث عن كتابٍ نادر، وتطورت محادثتنا إلى ما هو أبعد من مجرد استعارة كتاب. رأيت فيه تقوىً وورعاً، وعقلاً نيراً، وروحاً طيبة. كان حلمه أن يجمع بين طلب العلم وخدمة المجتمع، وأن يؤسس عملاً خيرياً يخدم الفقراء والمحتاجين.

وقد بدأ فعلاً. فتح محلاً صغيراً لبيع الكتب المستعملة، وأسس صفحةً على الإنترنت يجمع فيها تبرعاتٍ بسيطة لتعليم الأطفال اليتامى. كنت فخورةً به، أدعمه، وأشاركه أحلامه. لكن هذا العمل، الذي بدأ بقلبٍ نقي، بدا وكأنه قد انحرف عن مساره.

الليل يزداد ظلمة، وقلقي يزداد عمقاً. هل سقط أحمد في فخٍ نصبته له الحياة؟ هل استسلم لضعفٍ بشري؟ ما هو هذا الشيء الذي يسحبه بعيداً عني، بعيداً عن حياتنا الهادئة؟

تذكرت أخيراً تلك المكالمة الهاتفية التي استيقظت عليها ذات ليلة. كان صوته مرتبكاً، يتحدث بصوتٍ خافت، يتجنب النظر إليّ. "من كان يتصل يا حبيبي؟" سألته، ابتسامةٌ زائفةٌ تعلو وجهي، بينما قلبي يتجمد. "لا أحد مهم، مجرد شخصٍ يطلب المساعدة." قال، ثم عاد إلى نومه، تاركاً وراءه سؤالاً يحرقني.

هل هو مدمن؟ هذا الفكر لم يخطر ببالي قط، بل كان مستحيلاً في عالمي. أحمد، صاحب الابتسامة الهادئة، والكلمات الرزينة، والإيمان القوي؟ كيف يمكن أن يكون قد وقع في هذا المستنقع؟ لكن الأفكار السوداء، عندما تتسلل، لا ترحم. بدأت أبحث عن أدلة، عن إشارات. هزاله الملحوظ، شحوب وجهه أحياناً، تزايد انفاقه المالي دون سببٍ واضح، سرية هاتفه… كل تلك الأمور التي اعتبرتها سابقاً تفاصيل عابرة، بدأت تتجمع في صورةٍ مشوهة، صورةٍ لم أكن أرغب في رؤيتها أبداً.

تنهدتُ بعمق، أحاول أن أتنفس هواءً نقياً يطرد غبار الخوف. لا. لا يمكن أن يكون أحمد قد وصل إلى هذا الحد. لا بد أن هناك تفسيراً آخر. ربما هو ضغط العمل، ربما هو مرضٌ ألمّ به ولم يخبرني به. نعم، هذا هو التفسير الأكثر منطقية.

لكن صوت الحقيقة كان يهمس في أذني، صوتٌ خبيثٌ يغذي الشكوك. "ماذا لو كنتِ مخطئة؟ ماذا لو كان هذا هو السر الذي يخفيه عنك؟"

بدأت أستعيد محادثةً سابقة مع أخت أحمد، فاطمة. كانت فاطمة، في إحدى زياراتها، تبدو قلقةً على أخيها. "أحمد يتغير يا ليلى. أشعر بذلك. لا أعرف ما الذي يؤرقه." قلت لها وقتها إنها تبالغ، إن الرجال كثيراً ما يمرون بفتراتٍ عصيبة. لكن كلماتها الآن رجعت إلى ذهني، تحمل وزناً جديداً.

ما هو هذا الثقل الذي يضغط على صدر أحمد؟ ما هي هذه الظلمة التي بدأت تخيم على روحه؟

فجأة، سمعت صوت مفتاحٍ يدخل القفل. قلبي قفز. فتح الباب، ودخل أحمد. كان يبدو منهكاً، وجهه شاحب، وعيناه تحملان لمعةً غريبة، مزيجاً من الإرهاق والخجل.

"أحمد؟" ناديت بصوتٍ مرتجف، حاولت أن أجعله طبيعياً، هادئاً. لم يرد. ظل واقفاً عند الباب، كمن يبحث عن مخرجٍ وهمي. "أين كنت؟" سألت، بصوتٍ فيه المزيد من القلق. رفع رأسه ببطء، نظر إليّ، وفي عينيه لمحةٌ سريعة من الألم، ثم تنهد. "كنتُ… كنتُ أتحدث مع بعض الأصدقاء." "الأصدقاء؟ في هذا الوقت المتأخر؟" "نعم. لقد طال الحديث." "هل أنت بخير؟" "أنا بخير يا ليلى." قالها بنبرةٍ تخلو من أي قناعة. "فقط متعبٌ قليلاً."

اقترب مني، حاول أن يعانقني، لكن حركته كانت باردة، آلية. شعرت بقشعريرةٍ تسري في جسدي. لم يكن هذا أحمد. لم يكن ذلك الدفء الذي أعرفه، تلك اللهفة التي كانت تعطيني الأمان. "أحمد، ما الذي يحدث؟" قلتها بصوتٍ أضعف مما أردت. تجنب النظر في عينيّ. "لا شيء، فقط… فقط بعض المشاكل في العمل." "مشاكل العمل لا تجعل منك شخصاً غريباً." صمت. ظل صامتاً، كأن الكلمات قد نفذت منه، أو أنه لا يملك الكلمات المناسبة. "أحمد، أنا زوجتك. أحبك. أريد أن أعرف." رفع رأسه أخيراً، وفي عينيه لمعةٌ غريبة، مزيجٌ من الأسف والحيرة. "لا يمكنكِ أن تفهمي يا ليلى." "جربيني." "الأمر معقدٌ جداً." "ما هو المعقد؟" "هو… هو شيءٌ بدأت به منذ فترة." "ماذا بدأت به؟" "شيءٌ… شيءٌ كنت أظن أنه سيساعدني." "يساعدك على ماذا؟" "على… على نسيان بعض الأشياء." "أي أشياء؟" "أشياءٌ مزعجة. ذكرياتٌ مؤلمة." "وهل وجدت فيه الراحة؟" نظر إلى الأرض، ولم يرد. فهمت. في تلك اللحظة، مع صمت أحمد، ومع تلك اللمعة الغريبة في عينيه، أدركت أن مخاوفي، تلك الوساوس السوداء، لم تكن مجرد خيالات. لقد وصل الظلام حقاً إلى حياة أحمد، ولم أكن أعرف كيف أضيئه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%