حب الأبرار
سجن الوهم
بقلم ليلى الأحمد
كان الصمت الذي خيّم على الغرفة أثقل من أي كلام. صمتٌ مشبعٌ بالأسئلة التي لم تُطرح، والإجابات التي لم تُمنح. وقفتُ أمام أحمد، قلبي يكاد ينفطر، والعينان تترقرق فيهما دموعٌ لم تجرؤ على الخروج. كان جسده واقفاً، لكن روحه كانت غائبة، سجيناً في عالمٍ لا أفهمه، عالمٍ بني بخرقةٍ ووهن.
"تحدث يا أحمد." قلتها بصوتٍ يرتعش، كمن يقف على حافة هاوية. "قل لي ما الذي يزعجك. قل لي ما الذي تفعله." رفع رأسه ببطء، عيناه تائهتان، كمن يبحث عن نجمٍ هادئ في سماءٍ ملبدةٍ بالغيوم. "لا أعرف كيف أبدأ يا ليلى." "ابدأ من البداية." "البداية… البداية كانت بسيطة." قال، ثم بدأ يتحدث، وصوته كأنه يأتي من بعيد. "كنتُ أشعر بضغوطٍ هائلة. العمل، المسؤوليات، مخاوفي من الفشل… ثم بدأت أتذكر تلك الأيام الصعبة التي مررت بها في شبابي. فقدان والدي، تلك الوحدة القاسية التي أحسست بها… كل تلك الذكريات بدأت تتسلل إليّ في الليل، كظلالٍ سوداء."
تنفستُ بعمق. كنت أعرف تلك الفترة جيداً. فقدان والده المفاجئ كان نقطة تحولٍ قاسية في حياة أحمد. لقد كانا قريبين جداً، وكان أحمد لا يزال شاباً. كان هذا الحزن عميقاً، ولكنه كان يتجاوزه، يتشبث بإيمانه وقوة روحه.
"ثم؟" شجعته، محاولةً أن أبقى هادئة، قوية. "ثم، في أحد الأيام، بينما كنت أتصفح الإنترنت، بحثاً عن أي شيءٍ يشتت انتباهي، وجدت… وجدت بعض المواقع." "أي مواقع؟" "مواقع… مواقع للكبار." قالها بصوتٍ خافت، يكاد لا يُسمع. شعرتُ بأن الأرض انشقت وابتلعتني. مواقع للكبار؟ أحمد؟ لم أستطع استيعاب الأمر. ذاك الرجل الذي كان يتحدث عن الطهارة، عن العفة، عن الارتباط الشرعي… كيف يمكن أن يصل به الحال إلى هذا؟
"هل تتحدث عن… عن المحتوى المخل بالآداب؟" سألت، وأنا أخاف من الإجابة. أومأ برأسه، عيناه مغطاتان بالخجل. "لماذا يا أحمد؟" سألت، والدموع بدأت تتساقط على خدي. "لماذا تفعل ذلك؟" "كنتُ أريد أن أنسى." قال، ودموعه بدأت تتساقط أيضاً. "كنتُ أشعر بالضيق، وبالوحدة. كان الأمر يبدو وكأنه مخرجٌ مؤقت." "مخرجٌ مؤقت؟" قلت بمرارة. "هل هذا هو المخرج يا أحمد؟ هل هذه هي السعادة التي كنت تبحث عنها؟" "لا. بالتأكيد لا." قال، وارتعش صوته. "لقد أصبح الأمر… أصبح إدماناً. شيئاً يصعب التخلص منه." "إدماناً؟" تكررت الكلمة في أذني، كصوتٍ باردٍ ينذر بالهلاك. "هل أنت مدمن يا أحمد؟" لم يرد، فقط هز رأسه، وعيناه تفيضان بالألم.
"متى بدأ كل هذا؟" سألت، محاولةً أن أجمع خيوط الحقيقة المتناثرة. "منذ حوالي عام. ربما أكثر بقليل." عام؟ عامٌ كاملٌ وأنا أعيش مع رجلٍ لم يكن لي؟ عامٌ كاملٌ وأنا أشعر بوجود شرخٍ في علاقتنا، وأنا أظن أنه مجرد ضغوط عمل؟ "وهل أخبرت أحداً؟" "لا. كيف لي أن أخبر؟ هذا عارٌ. هذا فشلٌ كبير." "لكن هذا يؤثر علينا يا أحمد. يؤثر عليّ. يؤثر على حياتنا." "أعلم. وأنا آسف." قال، ثم مد يده ليحتضنني، لكنني تراجعت قليلاً. لم أكن مستعدةً للاحتضان. لم أكن مستعدةً للتظاهر بأن كل شيءٍ على ما يرام. "أحمد، أنت تؤذيني. أنت تؤذي نفسك." "أحاول التوقف." قال، وصوته يكاد يكون مسموعاً. "لكن الأمر صعبٌ جداً." "لماذا؟ لماذا هو صعب؟" "لأنني عندما أكون وحيداً، عندما أشعر بالضيق، يذهب عقلي تلقائياً إلى هناك." "لكن لديك أنا يا أحمد." قلت، والدموع تبلل صوتي. "لديك زوجتك. لديك عائلتك. لماذا لا تلجأ إلينا؟" "لأنني أخجل." قال، وضم وجهه بيديه. "لأنني أعتقد أنني قد خسرت كل شيء."
نظرت إليه، ورأيت فيه رجلاً خائفاً، ضائعاً، محاصراً في سجنٍ بناه هو بنفسه. سجنٌ من الوهم، من الخجل، من اليأس. "لا يا أحمد. لم تخسر كل شيء." قلت، وتقدمت نحوه، ووضعت يدي على كتفه. "ما زال لديك إيمانك، وما زلت لديك أنا." "كيف؟ كيف يمكن أن أبقى معك بعد هذا؟" "بالتوبة. بالتغيير. بالصدق." "لكنني لم أستطع التوقف." "سنفعل ذلك معاً. سنتغلب على هذا معاً." "لكن… كيف؟" "سنتجه إلى الله. سنطلب منه العون. وسنتحدث. سنتحدث عن كل شيء. عن مخاوفك، عن ضعفك. لن أبقى وحدي في هذا، ولن تبقى وحدك."
كانت تلك الكلمات، كلمات البحث عن العون الإلهي، هي الشيء الوحيد الذي استطاع أن يثير بصيص أملٍ في عينيه. "هل تعتقدين حقاً أننا نستطيع؟" سأل، وصوته يحمل بعض الرجاء. "أنا واثقة. ما دمنا معاً، وما دام الله معنا." "لكن… أنا أخاف." "وأنا معك."
في تلك الليلة، لم ننم. جلسنا نتحدث، عن كل شيء. عن ماضيه، عن مخاوفه، عن ضعفه. لقد كانت ليلةً شاقة، مليئةً بالألم، ولكنها كانت مليئةً أيضاً بالشجاعة، والصدق. لقد كان هذا هو الفصل الأول من معركةٍ طويلة. معركةٌ ضد الوهم، ضد الإدمان، ضد ما يهدد بتدمير حبنا.
شعرتُ بمسؤوليةٍ ثقيلةٍ تلقى على عاتقي. لم يعد الأمر مجرد علاقةٍ زوجية، بل أصبح مسؤوليةً عن إنقاذ روحٍ عزيزة. تذكرتُ حديث جدي، حين كان يخبرنا عن صعوبة مقاومة النفس الأمارة بالسوء. لقد كان على حق. الإدمان، أي إدمان، هو حربٌ دائمة، تتطلب إيماناً قوياً، وعزيمةً لا تلين، ودعماً لا ينقطع.
"علينا أن نبدأ من الغد." قلت، وأنا أنظر إلى الأفق الذي بدأ يشقّ طريقه بالضوء. "ماذا سنفعل؟" "سنبدأ من جديد. سنتغلب على هذا. سنتذكر ما هو حب الأبرار. حبٌ يعتمد على الطاعة، على العفة، على السمو بالروح." "هل يمكن أن تعودي لحبي، ليلى؟" سأل، وعيناه مليئتان بالأسف. "سأفعل. لكن بشرط واحد." "ما هو؟" "أن تكون أنت صادقاً معي، وأن تسعى بقلبك كله لتكون الرجل الذي أحببته." "أعدك." قال، ثم أمسك بيدي، وضغط عليها بقوة. كانت تلك مجرد بداية. بداية رحلةٍ طويلة، مليئةٌ بالعقبات، ولكنها رحلةٌ نحو الشفاء، ونحو حبٍ أقوى، حبٍ يعكس معنى "حب الأبرار".