الفصل 7 / 25

حب الأبرار

ظلال الماضي

بقلم ليلى الأحمد

مع بزوغ فجرٍ جديد، كان المنزل يبدو وكأنه يلفه صمتٌ غريب. ليس صمت الراحة، بل صمتٌ يشبه ترقب عاصفة. أحمد، الذي استيقظ مبكراً، جلس في زاوية الغرفة، وجهه يرتسم عليه مزيجٌ من التصميم والوهن. لم يعد الشحوب الذي كان يغلفه كالسابق، لكن أثراً عميقاً من الحزن والندم كان بادياً في عينيه.

اتخذتُ قراراً. قراراً لم يكن سهلاً، ولكنه كان ضرورياً. لم يكن بإمكاني أن أقف مكتوفة الأيدي أشاهد حياتي وحياة أحمد تنهار. كان عليّ أن أتحرك.

"صباح الخير يا أحمد." قلتها وأنا أدخل الغرفة، محاولةً أن أجعل صوتي قوياً، مطمئناً. "صباح النور يا ليلى." أجاب، ونظر إليّ بعينين تفيضان بالامتنان. "اليوم هو يوم البداية." قلت، وأنا أجلس بجانبه. "بداية رحلتنا نحو الشفاء." "أنا مستعد." قال، بصوتٍ فيه إصرارٌ لم أسمعه منه منذ زمن. "سأفعل كل ما يلزم."

بدأنا يومنا بالتوجه إلى المسجد، لنصلي صلاة الفجر جماعة. كان حضور أحمد للمسجد بانتظامٍ أمراً معتاداً، لكن حضوره اليوم كان يحمل وزناً مختلفاً. كان هناك تركيزٌ خاص، خشوعٌ أعمق، كأنه يقدم عهداً جديداً لله. تذكرتُ حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات"، وكان قلبي يرجو أن تكون نية أحمد صادقةً هذه المرة، نيةً خالصةً لوجه الله.

بعد الصلاة، جلسنا في حديقة المسجد، تحت ظلال الشجر، نتبادل أطراف الحديث. لم يكن حديثاً عابراً، بل كان حديثاً عن الروح، عن النفس، عن كيف يمكن للإنسان أن يقع في شباك الشهوات، وكيف يمكنه أن ينتصر عليها.

"علينا أن نواجه هذا الأمر بصراحة." قلت. "لا يمكننا أن نتظاهر بأنه غير موجود. الإدمان، أي إدمان، هو مرضٌ يصيب الروح والجسد. ويحتاج إلى علاج." "لكنني لم أفكر في العلاج." قال أحمد. "كنتُ أظن أنني قادرٌ على التوقف بنفسي." "الكثيرون يظنون ذلك." قلت. "لكن القوة البشرية وحدها لا تكفي أحياناً." "إلى أين سنذهب؟" سأل، وتلك النظرة المترددة عادت لعينيه. "سنتجه إلى المختصين." قلت. "إلى من لديهم الخبرة في مساعدة الناس على التغلب على هذه المشاكل." "مختصين؟" بدا متردداً. "هل تظنين أن هذا ضروري؟" "بالتأكيد. الأطباء النفسيون، المرشدون الروحيون… إنهم يعرفون كيف يتعاملون مع هذه الحالات." "لكنني أخجل." "الخجل يقتل الأمل يا أحمد. التوبة تجلب الرحمة."

كانت فكرة اللجوء إلى مختصين أمراً صعباً على أحمد. لم يكن معتاداً على مشاركة مشاكله الشخصية مع غرباء. لكنه كان يدرك، في قرارة نفسه، أن الأمر قد تجاوز قدرته.

في طريق العودة إلى المنزل، توقفنا عند مكتبةٍ صغيرة، اشتريت منها كتاباً عن "مواجهة الإدمان في ضوء الإسلام". كان الكتاب يتحدث عن أهمية العودة إلى الله، وعن قوة التوبة، وعن كيفية بناء حياةٍ صحيةٍ متوازنة.

"هذا الكتاب سيكون رفيقك." قلت له. "اقرأه كل يوم. استلهم منه القوة والأمل." "شكراً لكِ يا ليلى." قال، وهو يحتضن الكتاب. "لم أكن أتخيل أنكِ ستكونين بهذه القوة، بهذه الشجاعة." "أنا أحبك يا أحمد." قلتها، بصدقٍ مطلق. "وهذا الحب يجعلني قوية."

في الأيام التالية، بدأت رحلتنا الحقيقية. كان أحمد يلتزم بحضور الجلسات العلاجية، وكانت تلك الجلسات مليئةً بالدموع، بالذكريات المؤلمة، بالصراعات الداخلية. كنتُ أرافقه أحياناً، لأقدم له الدعم، ولأفهم طبيعة المعركة التي يخوضها.

لقد اكتشفنا، من خلال هذه الجلسات، أن جزءاً من مشكلة أحمد كان يعود إلى صدماتٍ قديمة، وإلى شعوره بالذنب الذي كان يحمله منذ وفاة والده. كان يشعر بأنه لم يكن ابناً كافياً، وأنه لم يقم بما يكفي ليرضي والده. هذه المشاعر، التي كان يكبتها لسنوات، بدأت تتفجر على شكل سلوكياتٍ هدامة.

"لقد كنتُ أبني جداراً حول نفسي." قال لي ذات يوم، بعد جلسةٍ علاجيةٍ شاقة. "جداراً من الوهم، لأخفي ضعفي. لكن هذا الجدار بدأ يتصدع، وأنا الآن أرى ما بداخله." "هذا جيد يا أحمد. رؤية ما بداخله هي الخطوة الأولى نحو إصلاحه."

في المقابل، كانت هناك قوى أخرى تعمل في الخفاء. لم تكن مجرد معركةٍ داخلية، بل كانت هناك أيضاً ضغوطٌ خارجية.

كانت فاطمة، أخت أحمد، تبدو قلقةً للغاية. كانت تعلم أن أحمد يمر بظروفٍ صعبة، لكنها لم تكن تعرف التفاصيل. في إحدى زياراتها، سألتني بحذر: "هل كل شيءٍ على ما يرام بينكما يا ليلى؟ أشعر بأن أحمد ليس على طبيعته." حاولت أن أكون دبلوماسية. "أحمد يمر ببعض الضغوط، لكننا نتعامل مع الأمر." "ما هي هذه الضغوط؟" أصرت. "مجرد ضغوط عمل." قلت، وتجنبت النظر في عينيها. لم أكن أرغب في مشاركة هذا السر، حتى مع عائلته. كان أحمد قد طلب مني ذلك.

لكن، كانت هناك أيضاً تداعياتٌ مالية. لقد أدت الأزمة التي مر بها أحمد إلى بعض القرارات الخاطئة في عمله. فقد بعض الصفقات، وبدأت ديونه تتراكم. لم يخبرني بذلك في البداية، كان يحاول أن يخفي الأمر، لكنني بدأت ألاحظ بعض القلق على وجهه عند استلام فواتير البريد.

"أحمد، هل هناك أي مشاكل مالية؟" سألته ذات مساء. تنهد. "ليس كثيراً. مجرد بعض التأخيرات." "لكننا يمكننا أن نتشارك في الأمر. أنت لست وحدك." "لا، لا يمكنكِ المساعدة في هذا." قال، ثم بدأ يبتعد.

في تلك اللحظة، شعرت بأن سحابةً جديدة بدأت تتشكل فوق حياتنا. لم تكن سحابة الإدمان فقط، بل كانت سحابةٌ من الديون، ومن السرية. شعرت بأن أحمد، رغم محاولاته للإقلاع، لا يزال يحمل أعباءً ثقيلة.

وفي غمرة هذه المعركة، تذكرتُ شيئاً آخر. تلك المكالمات الهاتفية الغامضة التي كان يتلقاها. لم يكن الأمر متعلقاً بالمحتوى الذي كان يشاهده، بل كان هناك شخصٌ ما، طرفٌ آخر، قد يكون له دورٌ في تعقيد الأمور.

"من هؤلاء الأشخاص الذين كنت تتحدث معهم؟" سألته ذات يوم، بعد أن رأيته يتحدث على الهاتف بصوتٍ منخفض، وبنبرةٍ تحمل قلقاً واضحاً. "لا أحد. مجرد… مجرد أشخاص يعرفون بعض الأشياء." "أي أشياء؟" "لا يهم." "يهمني يا أحمد. هل هناك من يبتزك؟" ساد صمتٌ طويل. نظرت إليه، ورأيت في عينيه خوفاً عميقاً. "لا. ليس ابتزازاً." قال أخيراً. "لكن… هناك من يعرف ما حدث. ويعتقد أنني مدينٌ له بشيء." "مدينٌ له بماذا؟" "بشيءٍ من الماضي." "أي ماضٍ؟" "ماضٍ… ماضٍ لم أخبرك به."

تجمّدتُ في مكاني. كلما تعمقنا في محاولة شفاء أحمد، كلما اكتشفنا المزيد من الظلال، المزيد من الأسرار. شعرت بأن هذه المعركة أكبر مما كنت أتوقع. لم يكن الأمر مجرد إدمان، بل كان هناك شبحٌ من الماضي يلوح في الأفق، يهدد بإعادة كل شيءٍ إلى نقطة الصفر.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%