حب الأبرار
خيوط متشابكة
بقلم ليلى الأحمد
تلاشت الابتسامة التي ارتسمت على وجهي مع آخر كلمةٍ قالها أحمد. "ماضٍ لم أخبرك به." شعرت ببرودةٍ تسري في عروقي، بضيقٍ مفاجئ في التنفس. كلما اعتقدت أنني قد فهمت الصورة، كلما اكتشفت طبقةً جديدة من الغموض، طبقةً أشد تعقيداً.
"أي ماضٍ يا أحمد؟" سألت، وصوتي كان بالكاد مسموعاً. "ما الذي تخفيه عني؟" نظر إلى الأرض، يديه ترتعشان قليلاً. "لم أرد أن أثقل عليكِ. لم أرد أن أزعجكِ." "أحمد، أنت لا تزعجني. أنت تجعلني أشعر بأنني غريبةٌ في حياتك." "لا. لا تقولي ذلك." قال، وهو يرفع رأسه ببطء. "أنتِ كل شيءٍ لي." "لكن ليس لديّ فكرةٌ كاملةٌ عن كل شيءٍ في حياتك." "هناك… هناك شيءٌ حدث في الماضي. قبل أن نلتقي. شيءٌ يتعلق بعملي." "عملك؟" "نعم. في بداية مشروعي، كنتُ أبحث عن مستثمرين. وجدت شخصاً… شخصاً ساعدني. لكن المساعدة لم تكن مجانية." "ماذا تقصد؟" "لقد… لقد استغل بعض الظروف. وبسبب بعض الأخطاء التي ارتكبتها، وجدت نفسي مديناً له. ديونٌ لم تكن ماليةً فقط." "دينٌ غير مالي؟ ماذا يعني هذا؟" "يعني… يعني أنه كان لديه بعض المعلومات عني. معلوماتٌ قد تضر بسمعتي." "هل كان يبتزك؟" سألت مجدداً، وهذه المرة بصوتٍ أقوى. "لا… لم يكن ابتزازاً بالمعنى المباشر. لكنه كان يستخدم هذه المعلومات ليحصل على ما يريد. وكان الأمر يتعلق بنوعٍ من… نوعٍ من الشراكة غير الرسمية." "شراكة غير رسمية؟" تكررت الكلمات في ذهني، تحمل ألف معنىً. "هل تقصد أنه كان يورطك في أمورٍ مشبوهة؟" "لم يكن الأمر بهذه الخطورة." قال، وارتعش صوته. "لكنه كان… كان يتطلب مني القيام ببعض الأشياء. أشياءٌ لم أكن مرتاحاً لها. ولكنني كنت أشعر بأنني مضطر." "ولماذا لم تخبرني بهذا؟" "لأنني كنت أشعر بالعار. ولأنني كنت أخشى أن تخسريني."
شعرتُ بخيبة أملٍ عميقة، ولكن أيضاً بتعاطفٍ غريب. أحمد، الذي لطالما رأيته كرمزٍ للنقاء والنزاهة، كان قد تورط في شبكةٍ معقدةٍ من العلاقات المشبوهة. كان الأمر يفوق مجرد إدمان، كان يتعلق بفشلٍ أخلاقي، وتورطٍ في أمورٍ تجاريةٍ مشبوهة.
"من هو هذا الشخص؟" سألت. "اسمه… اسمه خالد." "هل ما زلت على اتصالٍ به؟" "لا. لقد حاولت أن أتخلص من هذه العلاقة منذ فترة. لكنه… إنه يظهر من وقتٍ لآخر. ويذكرني بما لديه." "وما الذي يمتلكه؟" "بعض… بعض الملفات. التي تتعلق بعملي في بدايته. بعض الأخطاء في الإجراءات. أشياءٌ بسيطة، لكنها كافيةٌ ليسبب لي المتاعب." "وماذا يريد منك الآن؟" "إنه يريد… يريد أن أساعده في استعادة بعض الأموال التي يعتقد أنني خسرتها بسبب تراجع أعمالي." "أي أموال؟" "أموالٌ يعتقد أنها يجب أن تعود له، كجزءٍ من الأرباح التي كان يشاركني إياها." "هل هذه الأموال حقيقية؟" "ليست بهذه الصورة. إنها مجرد… ذريعة. هو يريد أن يستغل ضعفي الحالي."
فهمت. خالد، الرجل الذي كان له دورٌ في بدايات مشروع أحمد، كان يحاول الآن استغلال وضعه الجديد. كان يعلم عن إدمان أحمد، وكان يعلم عن الضغط الذي يعيشه. هذا لم يكن مجرد خلافٍ تجاري، بل كان استغلالاً بشعاً.
"علينا أن نواجه هذا." قلت. "كيف؟" سأل أحمد، وهو يشعر باليأس. "إنه شخصٌ خطير." "نحن لسنا وحدنا." قلت. "لدينا الحق، ولدينا الله." "لكن… هل سيصدقنا أحد؟" "سنذهب إلى الشرطة. سنخبرهم بكل شيء." "لكن… ملفات العمل." "سنقدم لهم كل ما لدينا. وسنوضح لهم أننا كنا ضحايا."
في الأيام التالية، بدأنا نجمع الأدلة. أحمد، بتشجيعٍ مني، استعاد بعض الرسائل الإلكترونية، وبعض التسجيلات الصوتية التي كانت لديه. كانت صعبةً عليه، لأنها أعادت له ذكرياتٍ مؤلمة، لكنه كان يعلم أنها ضرورية.
في هذه الأثناء، كنتُ أقوم ببعض البحث الخاص بي. تحدثتُ مع المحامي الخاص بالعائلة، الأستاذ رضوان، رجلٌ حكيمٌ وذو خبرة. شرحت له الموقف، مع بعض التحفظات، وطلبت مشورته. "إذا كان هناك تلاعبٌ أو استغلال، فلا يجب السكوت عنه." قال الأستاذ رضوان. "لكننا نحتاج إلى أدلةٍ قوية."
كانت علاقتنا مع خالد، وعلاقة أحمد به، معقدةً بشكلٍ يثير القلق. لم تكن مجرد قضيةً مالية، بل كانت تمسّ سمعة أحمد، وسمعة عائلته، بل وحتى سمعة مشروعه الذي بدأه بنوايا حسنة.
في أحد الأيام، وبينما كنتُ في السوق، صادفتُ فاطمة. بدت أكثر قلقاً من ذي قبل. "ليلى، لقد بدأت أشعر بأن هناك شيئاً يخفيه أحمد. لقد أصبح انطوائياً أكثر، ومنعزلاً. هل هناك ما يحدث؟" نظرتُ إليها، ورأيتُ فيها القلق الصادق. لم أستطع أن أكذب عليها، لكنني لم أستطع أيضاً أن أكشف كل شيء. "فاطمة، أحمد يمر بفترةٍ صعبة. لقد كان يعاني من بعض المشاكل التي تتعلق بعمله. لكننا نعمل على حلها." "ما هي هذه المشاكل؟" "مشاكل تجارية. لكنها بدأت تتحسن." "هل له علاقة بذلك الشخص الذي كان يتحدث عنه ذات مرة؟ خالد؟" فوجئت بسؤالها. "كيف عرفتِ عن خالد؟" "سمعتُ والدي يتحدث عنه. قال إنه شخصٌ انتهازي. لقد كان والدي قلقاً عليه منذ فترة." "والدي؟" "نعم. أبي كان يعرف بعض التفاصيل عن بدايات مشروع أحمد. وكان يعرف أن خالد قد يكون له تأثيرٌ سلبي." "وهل أخبركم أبي بشيءٍ محدد؟" "قال فقط إنه يأمل أن يتجنب أحمد أي متاعب تتعلق بهذا الشخص."
كان ذلك بمثابة إشارة. إذا كان والدي أحمد، الرجل الحكيم الذي رحل، قد كان قلقاً على هذه العلاقة، فهذا يعني أنها كانت فعلاً تمثل خطراً حقيقياً.
"فاطمة، الأمر أكثر تعقيداً مما تتخيلين." قلت، وقد قررت أن أشاركها جزءاً من الحقيقة. "خالد يحاول استغلال أحمد. ليس فقط مالياً، بل بطرقٍ أخرى أيضاً." "ما هي الطرق الأخرى؟" "أحمد لديه بعض الأسرار. وأنا أخشى أن يستخدمها ضده." "أسرار؟" "نعم. أسرارٌ تتعلق بماضيه."
في تلك اللحظة، فهمت أن هذه المعركة لن تكون سهلة. لم يكن الأمر مجرد علاجٍ لإدمان، بل كان استعادةً للحق، وتطهيراً للماضي، واستعادةً للنزاهة. شعرت بأنني في مفترق طرق، وأن القرارات التي سنتخذها الآن ستحدد مصيرنا.