نصفي الآخر الجزء الثاني

همسةٌ من الماضي في عاصفة الحاضر

بقلم سارة العمري

كانت الرياح العاتية تعوي خارج نوافذ المكتب، محاولةً اقتحام جدران الزجاج الصلبة التي تفصلها عن صخب المدينة. لكن عاصفةً أشدَّ ضراوةً كانت تتلاطم في صدرِ ليلى، رياحٌ لا ترحم، تعصفُ بمرساها الوحيد، وتُقلبُ سفينةَ حياتها الهادئة رأسًا على عقب. كانت تملكُ بين يديها ورقةً صفراء باهتة، تكادُ تتفتتُ بين أصابعها الراجفة. ورقةٌ حملتْ بين طياتها سرًا قديمًا، اسمًا نسِيَتْه إلا من وميضٍ باهتٍ في ذاكرةِ الطفولة، ورابطًا واهِيًا بمصيرٍ كان يُفترضُ أن يكونَ قد طُويَ إلى الأبد.

"السيدُ أحمد السعيد؟" سألَ الصوتُ الرتيبُ خلفَ مكتبِ الاستقبال، قاطعًا سكونَ تأملها.

نهضتْ ليلى، وقلبها يقرعُ طبولَ الخوفِ والترقب. كلُّ خطوةٍ كانتْ أثقلَ من سابقتها، كأنَّ أرضيةَ المكتبِ تتحولُ إلى رمالٍ متحركة. دخلتْ الغرفةَ المجهزةَ بالخشبِ الداكنِ والكتبِ الفاخرة، لتجدَ رجلًا مسنًّا يجلسُ خلفَ مكتبٍ فخم، وجههُ محفورٌ بتجاعيدِ السنينِ وخبرتها. كانَ يرتدي ثوبًا أنيقًا، وعلى عينيهِ نظارةٌ ذهبيةٌ تعكسُ ضوءَ المصباحِ الخافت.

"تفضلي بالجلوسِ يا آنسة ليلى"، قالَ الرجلُ بصوتٍ هادئٍ وعميق، مشيرًا إلى الكرسيِّ المقابلِ له. "أتيتِ بناءً على رسالتي، أليسَ كذلك؟"

أومأتْ ليلى برأسها، وعيناها لم تفارقْ وجهَ الرجل. كانتْ تشعرُ بشعورٍ غريب، مزيجٍ من الفضولِ والقلقِ الذي لم تفهمْ مصدره.

"أنا المحاميُ إبراهيم، مستشارُ المرحومِ السيدِ عبد الرحمن. وأظنُّ أنَّكِ تعرفينَ الاسم."

ارتعشَ جسدُ ليلى بلمحِ البرق. عبد الرحمن. الاسمُ الذي طالما استدعى منها شعورًا بالدفءِ الممزوجِ بالحزنِ المبهم. كانَ جدَّها، أو هكذا أخبرها والداها دائمًا. جدٌ لم تعرفهُ قط، ماتَ قبلَ أنْ تولد.

"نعم، أعرفُ الاسم"، أجابتْ ليلى بصوتٍ بالكادِ يُسمع.

"ورثتِ عنه، يا آنسة ليلى. ورثتِ عنه أكثرَ مما تتخيلين."

شحبَ وجهُ ليلى. ورثت؟ لم يكنْ لديها علمٌ بأيِّ ممتلكاتٍ أو ثروةٍ تنتظرها. كانتْ تعيشُ حياةً بسيطةً مع والديها، بعيدةً عن أيِّ رفاهية.

"لا أفهمُ تمامًا"، قالتْ مترددة.

"المرحومُ السيدُ عبد الرحمن كانَ رجلًا كريمًا، رحيمًا، وكانَ يحملُ في قلبهِ حبًّا كبيرًا لعائلته. لكنَّ الظروفَ حالتْ بينهُ وبينَ الكثيرِ من الأمور. عندما علِمَ بوجودِ حفيدتهِ، أرادَ أنْ يضمنَ لكِ مستقبلًا مشرقًا، بعيدًا عن أيِّ ضيق."

أخرجَ المحاميُ إبراهيمَ ظرفًا سميكًا من درجِ مكتبهِ. "هذا عقدٌ. عقدٌ لزواجٍ تمَّ ترتيبهُ قبلَ وفاته بسنوات."

تسمّرتْ ليلى في مكانها، عاجزةً عن الكلام. زواج؟ كيفَ يمكنُ أنْ يكونَ هناكَ عقدُ زواجٍ باسمها وهي لم تتزوجْ قط؟

"المرحومُ عبد الرحمن، في سعيهِ لضمانِ استقرارِ حياتكِ، قامَ بترتيبِ زواجٍ لكِ من رجلٍ اختارهُ بعناية. شابٌ تقيٌّ، صاحبُ أخلاقٍ رفيعة، وغنيٌّ. كانَ يرى فيهِ الرجلَ المناسبَ لكِ. لقدْ توفيَ قبلَ أنْ تتمَّ مراسمُ الزواجِ الرسمية، لكنَّ العقدَ لا يزالُ ساريَ المفعول."

فتحتْ ليلى الظرفَ بيدينِ ترتجفانِ بشدة. في الداخلِ، وجدتْ ورقةً رسميةً تحملُ ختمَ المحكمةِ واسمَ رجلٍ غريبٍ عليها. "يوسف المصري".

"يوسف المصري؟" همستْ بالاسمِ، دونَ وعي.

"نعم، السيدُ يوسف المصري. شابٌ من عائلةٍ مرموقة، تاجرٌ ناجحٌ وذو سمعةٍ طيبة. هوَ الآخرُ كانَ ينتظرُ هذا الزواج. والدُه، صديقُ المرحومِ عبد الرحمن، اتفقا على هذا الأمرِ منذُ زمنٍ طويل."

شعرتْ ليلى بالدوار. كلُّ هذا كانَ صدمةً كبيرة. زواجٌ مدبرٌ باسمها، باسمِ رجلٍ لا تعرفهُ، ولأسبابٍ لم تفهمها قط.

"لكن... لماذا؟" سألتْ بصوتٍ ضعيف. "لماذا لم يُخبرني والداي؟"

تنهدَ المحاميُ إبراهيم. "لأسبابٍ عائليةٍ معقدة، يا آنسة ليلى. ربما خشوا أنْ تُثقلي كاهلَ والدتكِ، أو ربما ظنوا أنَّ الأمرَ لنْ يتمَّ أبدًا بعدَ وفاةِ السيدِ عبد الرحمن. المهمُّ الآنَ هوَ أنَّ هذا العقدَ موجودٌ، والسيدُ يوسف المصري ينتظرُ استكمالَ الإجراءات."

"وهل... هل أُجبرُ على هذا الزواج؟" سألتْ ليلى، والأملُ يراودها بأنَّ هناكَ متنفسًا.

"العقدُ ملزمٌ قانونيًا، يا آنسة ليلى. ولكنَّ السيدَ يوسفَ رجلٌ طيبٌ، وأنا واثقٌ من أنَّه سيُقدرُ وضعكِ. أنا أدعوكِ لمقابلتهِ. لتروا بعضكم البعض، لِتتحدثوا. ربما تتوصلانِ إلى تفاهمٍ مرضٍ للطرفين."

شعرتْ ليلى بأنَّها تقفُ على حافةِ هاوية. حياتها التي كانتْ تعرفها، هادئةٌ وبسيطة، بدأتْ تتفككُ أمامَ عينيها. لم يكنْ لديها خيارٌ آخر. العاصفةُ لم تهدأ، بل اشتدتْ، حاملةً معها رياحَ قدرٍ غريبٍ لم تخترهُ.

"سأفكرُ في الأمر"، قالتْ ليلى، وحاولتْ جاهدةً أنْ تُبقي صوتها ثابتًا.

"هذا هوَ الأفضل"، قالَ المحاميُ إبراهيمُ بابتسامةٍ خفيفة. "هذا هوَ الرقمُ الخاصُّ بي. لا تترددي في الاتصالِ بي إنْ كانَ لديكِ أيُّ أسئلة. والأمرُ يتطلبُ قرارًا قريبًا، فالوقتُ لا ينتظر."

تركتْ ليلى مكتبَ المحاميِّ وهي تشعرُ بضبابٍ كثيفٍ يحيطُ بها. الشوارعُ التي كانتْ تألفها بدتْ غريبةً وموحشة. كلُّ ما كانتْ تعرفُه عن نفسها، عن ماضيها، وعن مستقبلها، بدأَ يتغيرُ بصورةٍ دراماتيكية. كانَ عليها أنْ تقررَ مصيرها، مصيرَ زواجٍ لم ترغبْ فيه، مصيرَ رجلٍ لم تعرفهُ. كانَ عليها أنْ تواجهَ العاصفة، أو تغرقَ فيها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%