نصفي الآخر الجزء الثاني
الأسرار المكشوفة والمواجهة الحاسمة
بقلم سارة العمري
كان الجو في مكتب أحمد متوتراً. الأوراق تتناثر على المكتب، وحبات العرق تتصبب على جبينه. خالد، صديقه ومحاميه، كان يجلس أمامه، يحمل في يده ملفاً يبدو ثقيلاً.
"لقد وجدت شيئاً خطيراً يا أحمد،" قال خالد بصوتٍ منخفض، "شيءٌ قد يغير كل شيء."
"ما هو؟" سأل أحمد، وشعر ببرودةٍ تسري في عروقه.
"تذكر عائلة آل سليمان؟"
تجمد أحمد في مكانه. "نعم، ماذا عنها؟"
"لقد وجدتُ دليلاً قاطعاً على أن منصور، ابن عمك، كان على اتصالٍ وثيقٍ بهم قبل سنوات. يبدو أن الصفقة التي قوضها والده من قبل، والتي كانت ستمنح عائلته استقراراً مالياً كبيراً، كانت بتعاونٍ سريٍ مع منصور وعائلة آل سليمان. إنهم كانوا يخططون للاستيلاء على حصةٍ كبيرةٍ من الشركة، وإقصاء والدك من الصورة."
"هذا مستحيل! والدي لم يكن ليثق بمنصور أبداً."
"يبدو أن الثقة لم تكن متبادلة، بل كانت استغلالاً. والدي والدك كان رجلاً كريماً، وكان منصور يستغل طيبته. والآن، يبدو أن آل سليمان قد عادوا، ومنصور يسعى لإكمال ما بدأه."
شعر أحمد بالغضب الشديد. لقد كان يظن أن صراعه مع منصور هو مجرد صراعٌ على الديون القديمة، لكنه الآن يدرك أن الأمر أعمق من ذلك بكثير. إنه صراعٌ على إرث والده، وعلى سمعة عائلته.
"علينا أن نحصل على هذه المستندات،" قال أحمد بحزم. "وأن نكشف كل شيء."
"لقد حصلتُ على نسخةٍ منها. ولكن، أخشى أن يكون هذا الكشف خطيراً. آل سليمان ليسوا مجرد رجال أعمال، بل لديهم نفوذٌ كبير، وعلاقاتٌ مشبوهة."
"لا يهمني. لن أسمح لهم بتدمير ما بناه والدي. ولن أسمح لـ منصور بالنجاح في خططه."
في الوقت نفسه، كانت نور في لقاءٍ مع الداعمين لمشروع الروضة. كانت الأمور تسير على ما يرام، والمشروع يتقدم بخطواتٍ ثابتة. ولكن، وبينما كانت تتحدث مع أحد الداعمين، لاحظت وجود شخصٍ غريبٍ في زاوية القاعة، يراقبها بعينين حادتين. كان رجلاً يبدو في منتصف العمر، وملابسه فاخرة، ولكن وجهه يحمل علاماتٍ من التجهم.
"من هذا الرجل؟" سألت نور بهدوء.
"لا أعرف،" أجاب الداعم. "لم أره من قبل."
بعد انتهاء الاجتماع، حاولت نور تجاهل شعورها بعدم الارتياح. ولكن، بينما كانت تستعد للمغادرة، اقترب منها الرجل.
"آنسة نور؟" قال بصوتٍ أجش. "هل أنتِ ابنة السيد سعد؟"
شعرت نور بالارتباك. "نعم، أنا. هل لي أن أعرف من أنت؟"
"أنا سليمان. سليمان بن سليمان."
تجمدت نور في مكانها. عائلة آل سليمان. إنهم هنا.
"لقد سمعتُ عن اهتمامكِ بالمشاريع الخيرية،" تابع سليمان بنبرةٍ فيها تهديدٌ مبطن. "هذا أمرٌ جيد. ولكن، عليكِ أن تعلمي أن بعض الأمور ليست كما تبدو. وأن هناك قوىً تعمل في الظل، لا يمكنكِ فهمها."
"لا أعرف ما تقصده،" قالت نور بحذر.
"أقصد أن بعض الأشخاص الذين تتعاملين معهم، ربما ليسوا الأفضل لكِ. خاصةً عندما يتعلق الأمر بـ أحمد. لقد كان لديه علاقاتٌ قديمة، ولن تكون هذه العلاقات خيراً لكِ."
"أحمد رجلٌ شريف،" قالت نور بشدة. "وهو يواجه صعوباتٍ، ولكنه لا يستسلم."
ضحك سليمان ضحكةً قصيرةً ومتكلفة. "الشباب، والطموح، أحياناً يعمي الأبصار. تذكري كلامي يا آنسة نور. بعض الطرق، تؤدي إلى نهايةٍ مظلمة."
غادر سليمان، تاركاً وراءه شعوراً بالخوف والارتباك في قلب نور. هل كان أحمد في خطر؟ وهل كانت علاقتها به ستسبب لها مشاكل؟
عادت نور إلى منزلها، وقلبها يمتلئ بالقلق. لم تستطع إقناع نفسها بأن لقاءها بسليمان كان مجرد صدفة. شعرت بأن هناك شيئاً ما يحدث، شيئاً يتعلق بأحمد، وبماضي لم تكن تعرف عنه شيئاً.
اتصلت بأحمد، وقلبها يخفق بعنف. "أحمد؟ هل أنت بخير؟"
"نعم، أنا بخير، أستاذة نور. لماذا تسألين؟"
"لقد قابلتُ اليوم رجلاً اسمه سليمان. سليمان بن سليمان. وتحدث معي عنك، وعن علاقاتك القديمة. وبدا لي أنه يهددني."
"سليمان؟" قال أحمد بصوتٍ فيه دهشة وغضب. "ماذا يريد منك؟"
"لا أعرف تماماً. لكنه بدا وكأنه يحذرني من الارتباط بك."
شعر أحمد بأن الخيوط تتشابك. لقد بدأت خطة منصور وعائلة آل سليمان تتضح. إنهم لا يريدون فقط تدميره، بل يريدون إبعاده عن كل من يهتم به.
"لا تقلقي، أستاذة نور،" قال أحمد بصوتٍ هادئ. "لن يسمحوا لكِ بإيذائك. وأنا لن أسمح بذلك. ولكن، علينا أن نكون حذرين جداً."
"هل هناك ما يمكنني فعله؟"
"الأمر يتعلق بصراعاتٍ قديمة، صراعاتٍ بين عائلتي وعائلاتٍ أخرى. ولكن، سأتولى الأمر. فقط ابقي قوية، ولا تخافي."
بعد المكالمة، شعر أحمد بأن الوقت قد حان. يجب أن يواجه هذا الأمر وجهاً لوجه. استدعى خالد، وقرر أن يبدأ بالكشف عن حقائق الماضي.
"منصور وعائلة آل سليمان،" قال أحمد، "لقد كانوا يتآمرون ضد والدي منذ سنوات. والآن، يريدون أن يكملوا مخططهم. ولكن، لن أسمح لهم بذلك."
"وما هي خطتك؟"
"سنكشف كل شيء. سنقدم الأدلة إلى الجهات المعنية، وسنحاربهم بكل قوة."
شعر أحمد بأن المعركة قد بدأت فعلاً. وأنها معركةٌ ليست سهلة، ولكنها معركةٌ حاسمة. معركةٌ ستحدد مصير شركته، ومصير عائلته، وربما، مصير علاقته بنور.