نصفي الآخر الجزء الثاني

لقاء القدر في ظلال الماضي

بقلم سارة العمري

حملت نسمات المساء العليل عبق الياسمين الممزوج برائحة التراب المبلل بعد مطر خفيف، وزينت نجوم السماء القماش المخملي لليل، بينما كانت شرفات المنزل العريق في حي الأندلس تنبض بالحياة. جلست هند، ابنة الخال الثري، تحدق في صفحة كتاب مغلق، وقلبها يعصف بما لم يستطع عقله احتواءه. كانت قد أعدت نفسها للقاء، للقاء الذي طال انتظاره، لقاء قد يغير مجرى حياتها، بل قد يعيد رسم خريطتها العاطفية بالكامل.

قبل بضعة أسابيع، وبينما كانت تتصفح صورًا قديمة في ألبوم عائلي، وقع بصرها على صورة تجمعها بخالد، ابن عمها الذي لم تره منذ سنوات الدراسة الجامعية. كانت الصورة في إحدى رحلاتهم مع العائلة، وقتها كان خالد يبتسم بتلقائية، وعيناه تلمعان ببريق خاص، بريق لم تنتبه له هند وقتها. أعادت الصورة إلى ذاكرتها تلك الأيام، أيام الصداقة البريئة، والمحادثات الممتدة، والنظرات التي ربما كانت تحمل أكثر مما عبرت عنه الكلمات.

لكن سرعان ما تبدد حلم الأمس أمام واقع اليوم. كانت هند مخطوبة لسامي، رجل الأعمال الطموح الذي فرضته والدتها، السيدة فاطمة، كشريك مثالي لابنتها. كان سامي يملك المال والجاه، ولكنه كان يفتقر إلى تلك الروح المتوهجة التي رأتها في عيني خالد. بدأت هند تشعر بعبء هذه الخطوبة، بضيق في صدرها كلما تحدثت مع سامي عن المستقبل، عن بيتهم، عن أطفالهم. لم تجد فيه ذلك الملهم، ذلك الشريك الذي تتشاركه الأحلام، بل وجدت فيه مجرد رجل أعمال آخر يخطط لمستقبل مادي بحت.

فجأة، انفتح باب الشرفة بخفة، ودخل منه رجل طويل القامة، يهب من حوله هالة من الوقار والأناقة. لم يكن ساميًا. كان خالد.

ارتعش قلب هند، واختلطت مشاعرها بين المفاجأة والفرح. خالد! حقًا خالد. لم يكن لقاءً مرتبًا، بل جاء خالد لزيارة جدته، والدة والدتها، التي تعيش في نفس الحي. كان قد اتصل بوالدته ليعلمها بوصوله، ولم تدل والدته إلا بأن هند تقيم في منزل عمها، وأنها ستكون هناك.

"هند؟" نطق باسمها بصوت عميق، يشبه نغمات موسيقية قديمة.

"خالد! أنت حقًا هنا؟" لم تستطع هند إلا أن تبتسم، ابتسامة صادقة كشفت عن حيرة وارتياح في آن.

تقدم خالد بخطوات واثقة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة. "نعم، ها أنا ذا. كيف حالك يا ابنة العم؟ لقد كبرتِ كثيرًا، وأزددتِ جمالًا."

كانت الكلمات عادية، ولكن طريقة نطقه بها، ونظرته التي لم تفارق وجهها، جعلت قلب هند يدق بعنف. لم يعد خالد الشاب الذي تعرفه، بل أصبح رجلاً ناضجًا، تعكس عيناه تجارب الحياة، وقوة الشخصية.

"بخير، الحمد لله. وأنت؟ ما الذي أتى بك إلى هنا؟" سألت هند، محاولة استعادة رباطة جأشها.

"زيارة جدتي، كما تعلمين. ولعلمي بأنك هنا، أردت أن ألتقيكِ، للاطمئنان عليكِ. ألم أعد لكِ في الجامعة؟" كان يمزح، لكن نبرته حملت شيئًا من الشجن.

جلسا في زاوية هادئة من الشرفة، وبدأت الأحاديث تتساقط كحبات المطر. استعادا ذكريات الماضي، أيام الدراسة، الرحلات، الأصدقاء المشتركين. كانت هند تشعر بأنها تعود إلى زمن كانت فيه أبسط وأكثر راحة. خالد كان يستمع إليها باهتمام شديد، وعيناه لا تفارق عينيها. كان يبدو وكأنه يقرأ ما يدور في عقلها، ما تخفيه عن الجميع.

"أتذكرين يوم أضعتِ حقيبتكِ في المكتبة؟" سأل خالد، وعيناه تلمعان بذكريات.

"آه، نعم! كدتُ أبكي. ولم تجدها إلا أنت. لقد كنتِ دائمًا المنقذ يا خالد." ردت هند، مبتسمة.

"لقد كنتُ أحرص على ذلك. كنتُ دائمًا أريد أن أكون قريبًا منكِ." قال خالد، فجأة، وبجرأة لم تتوقعها هند.

صمتت هند للحظة، وشعرت بوجنتيها تتوردان. هل سمعت صحيحًا؟ "ماذا تقصد؟" سألت بصوت خافت.

اقترب خالد قليلاً، ونظر إليها بعمق. "أقصد أنني، منذ زمن طويل، كنتُ أكن لكِ مشاعر أعمق من مجرد صداقة. ولكن الظروف، والمسافات، والزواج الذي لم يتم، جعل كل شيء معقدًا."

كان الاعتراف صادمًا، ولكنه لم يكن مفاجئًا تمامًا. هند كانت تشعر بتلك الشرارة، بتلك الجاذبية غير المرئية التي ربطت بينهما. لكنها لم تجرؤ على التصريح بها، ولم تسمح لنفسها بالتفكير فيها.

"ولكن... أنا مخطوبة الآن يا خالد." قالت هند، وصوتها يرتجف قليلاً.

تنهد خالد، وتغيرت ملامح وجهه قليلاً، من الفرحة إلى الحزن. "أعلم. والدتي أخبرتني. سامي، أليس كذلك؟"

أومأت هند برأسها، وشعرت بثقل الجملة.

"كنتُ أتمنى لو أنني عرفتُ هذا قبل سنوات. ربما لو أنني تقدمتُ حينها..." توقف خالد، ولم يكمل.

"ظروف الحياة يا خالد، لا يمكننا دائمًا التحكم فيها. ربما لم يكن الوقت مناسبًا." قالت هند، تشعر بأنهما يغوصان في بحر من "لو" و"ربما".

"أنا الآن عدتُ. وقد فتحتُ شركتي الخاصة هنا. ربما... ربما يمكننا أن نلتقي مجددًا؟ ليس كأبناء عم، ولكن كـ..." بدأ خالد، ولكن توقف مرة أخرى، كأن الكلمات تخونه.

"كـ ماذا يا خالد؟" سألت هند، بقلب يرتجف.

"كـ شخصين... يحملان في قلبيهما شيئًا مشتركًا، شيئًا لم يُعطَ فرصة للظهور." قال خالد، وعيناه مليئتان بالشوق.

شعرت هند ببريق في عيني خالد، بريق لم تكن قد رأته إلا في أحلامها. كانت في مفترق طرق. سامي، رجل المستقبل المخطط له، والذي تفرضه العادات والتقاليد. وخالد، رجل الماضي الذي يحمل في قلبه أملًا جديدًا.

"أنا... لا أعرف ماذا أقول يا خالد." اعترفت هند بصدق.

"لا تقولي شيئًا الآن. فقط... فكري. فكري في ما شعرتِ به وأنتِ معي الآن. وفكري في ما تشعرين به مع خطيبك. خذي وقتكِ. ولكن اعلمي، أنني هنا، وأنني لم أنسَ أبدًا." قال خالد، ووقف.

قبل أن تمنعه هند، وضع يده على قلبها بلطف، كأنه يودع شيئًا ثمينًا. "إلى اللقاء يا هند. سأتصل بكِ."

ثم غادر، تاركًا هند وحدها على الشرفة، تحت ضوء القمر، وقلبها يدق كطبول الحرب، وعقلها يدور في دوامة من المشاعر المتضاربة. لقد فتح خالد أبوابًا كانت هند قد أغلقتها بإحكام. لقد أعاد إلى حياتها صدى صوت الماضي، وجعلها تتساءل عن مستقبل كانت قد ظنت أنها رسمته بالفعل. هل كان القدر يبتسم لها، أم كان يلقي بها في اختبار صعب؟

ارتعشت هند، وشعرت بالبرد يتسلل إلى عظامها، رغم دفء المساء. لقاء القدر، أم لقاء الضياع؟ لم تكن تدري. كل ما كانت تعرفه هو أن عالمها قد اهتز، وأن الإجابات التي كانت تبحث عنها أصبحت أكثر غموضًا.

فجأة، سمعت صوت والدتها يناديها من الداخل: "هند! سامي على الهاتف."

رفعت هند هاتفها، ونظرت إلى اسم سامي الذي يضيء الشاشة. ثم نظرت إلى الباب الذي دخل منه خالد. كان عليها أن تتخذ قرارًا، قرارًا قد يغير كل شيء. ولكن كيف؟ وكيف ستواجه والدتها؟ وكيف ستتعامل مع مشاعرها المتضاربة؟

أمسكت بهاتفها، وأخذت نفسًا عميقًا. كان لابد لها أن تخبر سامي، ولكن بأي كلمات؟ وبأي طريقة؟ كانت تعلم أن حياتها على وشك أن تدخل منعطفًا جديدًا، منعطفًا لم تكن مستعدة له تمامًا. ولكنها لم تعد تستطيع التراجع. لقد لمحت بريق الأمل في عيني خالد، ولم تستطع تجاهله.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%