نصفي الآخر الجزء الثاني

العاصفة الصامتة خلف الستار

بقلم سارة العمري

عادت هند إلى الداخل، ووجها شاحب، وعيناها تحملان أثر حيرة عميقة. أمسكت بهاتفها، ونظرت إلى اسم سامي الذي كان يضيء الشاشة. "سامي على الهاتف." كانت الكلمتان بمثابة قذائف تسقط على هدوءها الهش. لقد كان لقاؤها بخالد أشبه بصاعقة أضاءت سماء حياتها الملبدة بالغيوم، ولكنها تركت خلفها أثرًا من الدمار.

"هند، حبيبتي؟ أين أنتِ؟" صوت سامي، المعتاد، الواثق، الذي كان يبعث فيها شعورًا بالاستقرار، أصبح الآن يثير فيها قلقًا عميقًا.

"أنا هنا يا سامي." أجابت بصوت متوتر، حاولت أن تجعله يبدو طبيعيًا.

"كنتُ أتصل بكِ منذ فترة. هل كل شيء بخير؟" سأل سامي، وشعرت هند بأنه استشعر شيئًا غير طبيعي في نبرتها.

"نعم، نعم. فقط... كنتُ أتحدث مع جدتي. هل تعلم؟ قابلتُ ابن عمي خالد. لقد عاد من الخارج." قالت هند، تحاول أن تمتص الصدمة، وأن تخبره بالأمر دون أن تخلق ضجة.

"خالد؟ هذا رائع! سمعتُ أنه أسس شركته الخاصة. متى التقيتِ به؟" بدا سامي مهتمًا، ولكن هند كانت تشعر بأنها تخونه، تخونه بحقيقة مشاعرها.

"قبل قليل. كان هنا لزيارة جدته." قالت هند، وهي تتجنب النظر إلى والدتها، السيدة فاطمة، التي كانت تجلس في غرفة المعيشة، وتقرأ مجلة، ولكن هند شعرت بوجودها، وبأنها تراقبها.

"ممتاز. متى يمكنني رؤيته؟ أريد أن أهنئه شخصيًا." قال سامي، وكان كلامه يبدو حميمًا، وكأنه جزء من مستقبل مشترك.

"ربما... في وقت لاحق." أجابت هند، وهي تشعر بأنها تغوص في بئر من الكذب.

"حسنًا. ولكن ما رأيكِ في أن نخرج الليلة؟ لنحتفل بعودته، وربما نقوم بجولة تسوق لشراء بعض المستلزمات للمنزل الجديد. ما رأيكِ؟" اقترح سامي، وكان صوته مليئًا بالحماس.

شعرت هند بأنها تختنق. المنزل الجديد، المستلزمات، المستقبل الذي خططه سامي بكل تفاصيله. كانت تلك التفاصيل تزن عليها كالصخر.

"سامي... في الواقع، أنا متعبة قليلاً اليوم. ربما يمكننا تأجيل الأمر ليوم آخر؟" قالت هند، وهي تشعر بأن عينيها بدأت تدمعان.

"متعبة؟ هل أنتِ مريضة؟" سأل سامي بقلق.

"لا، لا. فقط... أشعر ببعض الإرهاق." حاولت هند أن تخفف عنه، ولكنها شعرت بأنها تفاقم الأمر.

"حسنًا يا حبيبتي. إذا كنتِ متعبة، فلتستريحي. ولكن هل لي أن أراكِ غدًا؟ أريد أن أتحدث معكِ في أمر مهم." قال سامي، وكان صوته الآن يحمل مسحة من القلق.

"بالتأكيد يا سامي." أجابت هند، وهي تشعر بأنها تزداد تورطًا.

أنهت المكالمة، وشعرت بفراغ هائل. نظرت حولها، ورأت والدتها تغلق المجلة بهدوء، وتنظر إليها بعينين تلمعان بالشك.

"من كان يتصل؟" سألت السيدة فاطمة، بصوتها الهادئ الذي كان يخفي دائمًا قوة لا يستهان بها.

"سامي يا أمي." أجابت هند، وهي تحاول أن تبدو طبيعية.

"ولماذا تبدين بهذه الحالة؟ هل هناك مشكلة؟" سألت الأم، وتقربت منها.

"لا شيء يا أمي. فقط... أشعر ببعض الإرهاق." قالت هند، وهي تحاول أن تتجنب نظرات والدتها الثاقبة.

"إرهاق؟ أم أن هناك شيئًا آخر؟ لقد رأيتُ خالدًا عندما غادر. هل كان سببًا في هذا الإرهاق؟" سألت الأم، وعيناها تحدقان في هند.

شعرت هند بأنها مكشوفة، وأن كل أسرارها تقريبًا قد انفضحت. "خالد؟ ما علاقة خالد؟"

"علاقته، أنني رأيتُ كيف كان يتحدث معكِ، وكيف كنتِ تنظرين إليه. تذكرتُ أيام الماضي، هند. أيام الشباب، والأحلام التي لم تتحقق. لا أريدكِ أن تقعي في نفس الأخطاء." قالت الأم، وبدا صوتها فيه تحذير.

"يا أمي، خالد هو ابن عمي. لقد رأيته بعد غياب طويل. لا يوجد شيء أكثر من ذلك." حاولت هند أن تدافع عن نفسها.

"ابن العم الذي كانت بينكما قصة في الجامعة، أليس كذلك؟ قصة كنتُ أعرفها جيدًا، ولكنني لم أتحدث فيها احترامًا لرغبتكِ في التركيز على دراستكِ." قالت الأم، وكانت كلماتها تضرب هند كالصواعق.

"ماذا... ماذا تعرفين؟" سألت هند، بصدمة.

"كنتُ ذكية يا هند، وما زلتُ. رأيتُ كيف كان خالد ينظر إليكِ، وكيف كنتِ تتفاعلين معه. كنتُ أعلم أن هناك شيئًا، ولكني تركتُ الأمر. كنتُ أظن أنكِ قد نسيتِ، وأنكِ سعيدة بخطوبتكِ من سامي." قالت الأم، وعيناها بدأت تلمعان بالحزن.

"ولكنني... ولكنني لستُ سعيدة يا أمي." اعترفت هند، والكلمات خرجت منها بصعوبة.

"لستِ سعيدة؟ ولكن لماذا؟ سامي رجل ممتاز، وهو يحبكِ، وسيوفر لكِ حياة كريمة." قالت الأم، وكأنها لا تفهم.

"ولكنه ليس هو يا أمي. ليس هو الشخص الذي أحلم به. ليس هو الشخص الذي أستطيع أن أشاركه كل شيء." قالت هند، وبدأت الدموع تنهمر على خديها.

"وماذا تريدين؟ هل تريدين أن تعودي إلى تلك الذكريات؟ إلى خالد؟ هل تعتقدين أن هذا ممكن؟" سألت الأم، وعيناها بدأت تلتمع بشيء من القسوة.

"لا أعرف ماذا أريد يا أمي. كل ما أعرفه هو أنني أشعر بضيق شديد. أشعر بأنني أسير في طريق لا أريده." قالت هند، وهي تحتضن نفسها.

"هند، افهمي. لقد فات الأوان. سامي رجل أعمال ناجح، وعائلته كبيرة. زواجكِ منه سيحقق لنا كل ما نتمناه. لا تدعي مشاعر عابرة، أو ذكريات قديمة، تدمر مستقبلكِ." قالت الأم، وبدت كلماتها تحمل وعدًا وتهديدًا في آن.

"ولكن يا أمي، هل السعادة تباع وتشترى؟ هل الثروة والجاه تعوضان عن راحة القلب؟" سألت هند، بمرارة.

"راحة القلب تأتي مع الاستقرار يا هند. والاستقرار يأتي مع الزواج الصحيح، مع رجل يضمن لكِ الحياة الكريمة." قالت الأم، وكأنها تلقي عليها محاضرة.

"ولكن سامي لا يفهم روحي يا أمي. خالد... خالد كان يفهمها." قالت هند، بصوت مكسور.

"خالد؟ هل نسيتِ أن علاقتكما لم تكتمل؟ هل نسيتِ لماذا لم تتزوجا؟ هل نسيتِ أن سامي كان دائمًا موجودًا، ينتظر؟" سألت الأم، بنبرة توبيخ.

"لقد كان سامي موجودًا، ولكنه لم يكن هو الأمل. خالد كان الأمل." قالت هند، بصوت خفيض، وكأنها تعترف بذنوبها.

"الأمل؟ ما هو الأمل الذي تتحدثين عنه؟ هل هو الأمل في حياة مليئة بالتقلبات، لا تضمن لكِ شيئًا؟ هل هو الأمل في أن يعود خالد، ويتخلى عن كل شيء؟" سألت الأم، بلهجة تهكمية.

"لا أعرف يا أمي. أنا فقط... أشعر بأنني ضائعة. أشعر بأنني في دوامة من المشاعر، ولا أرى مخرجًا." قالت هند، وهي تبكي بحرقة.

نظرت الأم إلى ابنتها، ورأت الدموع تنهمر على وجهها. ربما رأت في عيني ابنتها صدقًا، أو يأسًا. قربت الأم يدها، ومسحت دموع هند.

"يا ابنتي، أعرف أنكِ تمرّين بلحظات صعبة. ولكن أرجوكِ، فكري جيدًا. مستقبلنا يعتمد عليكِ. لا تدعي شيئًا يعترض طريقكِ. سامي رجل مناسب، وهذا هو المهم." قالت الأم، وبدا صوتها الآن يحمل بعض اللين.

"ولكن يا أمي، هل يمكن أن أحب سامي؟" سألت هند، ببراءة.

"الحب يأتي مع الوقت يا هند. ومع العشرة. ومع الاحترام. سامي يحترمكِ، ويقدركِ. هذا يكفي." قالت الأم، وأدارت ظهرها، متجهة إلى غرفتها.

تركت هند وحدها، في قلب العاصفة الصامتة. لقد تحدثت مع والدتها، ولكن لم تشعر بأنها وصلت إلى أي حل. لقد كشفت عن جزء من حقيقتها، ولكنها لم تستطع أن تصارحها بالكامل. كانت تعلم أن الأمر لن يكون سهلاً. لقد فتح خالد صندوق ذكريات دفينة، وأيقظ مشاعر دفنتها السنين. والآن، كانت عليها أن تواجه حياتها، وأن تتخذ قرارًا. قرارًا لن يكون سهلاً على الإطلاق.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%