نصفي الآخر الجزء الثاني

صدى الأحلام في أروقة الذكريات

بقلم سارة العمري

في صباحِ اليومِ التالي، استيقظتْ ليلى على وهجِ شمسٍ خجولةٍ تتسللُ من ستائرِ غرفتها. لكنَّ هذا الضوءَ لم يُبددْ الظلامَ الذي استقرَّ في أعماقِ روحها. صورةُ المحاميِّ إبراهيمَ وكلماتهُ الرنانةُ عن عقدِ الزواجِ المدبرِ ما زالتْ تترددُ في أذنيها كصدىً مزعج. ورقةٌ واحدة، ورقةٌ صفراءُ باهتة، استطاعتْ أنْ تُقلبَ حياتها رأسًا على عقب.

جلستْ على حافةِ سريرها، تتأملُ غرفتها الهادئة. جدرانٌ بلونِ السماءِ الصافية، رفوفٌ مليئةٌ بالكتبِ التي كانتْ ملاذها الآمن، وصورةٌ معلقةٌ لوالديها وهما يبتسمانِ بسعادة. لم يبدُ أيٌّ من هذا واقعيًا الآن. كيفَ يمكنُ أنْ تكونَ مخطوبةً لرجلٍ لا تعرفه، وأنْ تكونَ هذهِ الحقيقةُ مخفيةً عنها طوالَ هذهِ السنوات؟

تذكرتْ جدها، عبد الرحمن. لم تعرفهُ قط، لكنَّ والديها كانا يتحدثانِ عنهُ بحبٍّ وحنين. كانتْ تظنُّ أنَّهُ مجردُ شبحٍ من الماضي، رجلٌ ماتَ قبلَ أنْ تلتقيه. الآن، يتضحُ أنَّ هذا الشبحَ لهُ يدانِ تركتا بصمةً عميقةً على حاضرها.

"يا ليلى، ما بكِ؟ تبدينَ شاردةً منذُ الصباح."

جاءَ الصوتُ الحنونُ من والدتها، التي دخلتْ الغرفةَ تحملُ صينيةً عليها كوبُ شايٍ أخضر.

ابتسمتْ ليلى ابتسامةً باهتة. "لا شيء، أمي. مجردُ تفكيرٍ في بعضِ الأمور."

جلستْ والدتها بجانبها، ووضعتْ يدها على جبينها. "ألا تشعرينَ بالحمى؟ وجهكِ شاحب."

"لا، أنا بخير"، أكدتْ ليلى. شعرتْ بالذنبِ وهي تخفي عنها الحقيقة. كيفَ ستقولُ لوالدتها أنَّ جدها الذي لم تعرفه، قدْ دبرَ لها زواجًا؟

"هلْ تحدثَ معكِ المحاميُّ إبراهيم؟" سألتْ والدتها فجأة، بنبرةٍ لم تستطعْ ليلى تفسيرها.

ارتعشَ قلبُ ليلى. هلْ كانتْ والدتها تعلمُ بكلِّ هذا؟ "كيفَ عرفتِ؟"

تنهدتْ والدتها، وبدتْ عليها علاماتُ الحزنِ والأسى. "لقدْ اتصلَ بي بالأمسِ ليُبلغني. كانَ يخشى ردةَ فعلكِ. أنا... أنا آسفةٌ يا ابنتي. كانَ هذا قرارًا صعبًا على والدكِ وعلى جدكِ. أرادوا حمايتكِ."

"حمايتي؟" تساءلتْ ليلى بمرارة. "بأنْ تتركاني أعيشُ في وهمٍ حتى الآن؟ بأنْ تُخفوا عني حقيقةَ زواجٍ مفروضٍ عليَّ؟"

"لم يكنْ مفروضًا يا ليلى"، حاولتْ والدتها تلطيفَ الأمر. "كانَ ترتيبًا. كانَ السيدُ عبد الرحمن والسيدُ المصري، والدُ يوسف، يريدانِ أنْ يكونَ الزواجُ بينَ عائلتيهما. لقدْ كانا صديقينِ حميمين. ثمَّ بعدَ وفاةِ جدكِ، ثمَّ وفاةُ السيدِ المصري، تعقّدتْ الأمور. وكانَ كلٌّ من والدكِ وأنا نرى أنَّ من الأفضلِ تأجيلَ الأمرِ إلى أنْ تصلي إلى سنٍّ مناسبة."

"سنٌّ مناسبة؟ أمي، أنا الآنَ في سنِّ الرشد. وما زلتُ لا أفهمُ لماذا لم تُخبروني."

"كانَ هناكَ تفاصيلٌ دقيقةٌ لم نكنْ نريدُ أنْ نُثقلكِ بها. وكانَ السيدُ يوسفُ نفسه مترددًا في البداية، ولم يكنْ يريدُ فرضَ نفسه عليكِ. لكنَّ العقدَ كانَ موجودًا. والآنَ، بعدَ وفاتهم جميعًا، أصبحَ الأمرُ مسؤوليتنا. أنْ نُبلِغَكِ، وأنْ نُساعدكِ في القرار."

"قرار؟ هلْ أملكُ قرارًا حقًا؟" سألتْ ليلى، وشعرتْ بدموعٍ تتجمعُ في عينيها.

"أنتِ أملكينَ قراركِ، يا ابنتي. لكنَّ هذا العقدَ لهُ تبعاتٌ قانونية. والمحاميُّ إبراهيمُ وعدَ السيدَ يوسفَ بأنَّ الأمورَ ستُسوى. ربما... ربما يكونُ هذا الرجلُ خيرًا لكِ. والدُه كانَ رجلاً صالحًا، ووالدُكِ وثقَ فيهِ. ربما يكونُ يوسفُ على نفسِ خُطاه."

"لكنني لا أعرفهُ!" صاحتْ ليلى، ولم تستطعْ كبتَ انفعالها. "أمي، أنا أريدُ أنْ أختارَ شريكي بنفسي. أريدُ أنْ أحبَّ وأُحبَّ. لا أنْ أُزفَّ إلى رجلٍ لم أرهُ قط!"

احتضنتْ والدتها ليلى بحنان. "أعلمُ يا ابنتي. وأتفهمُ مشاعركِ. لكنَّ الحياةَ ليستْ دائمًا كما نتمنى. وأحيانًا، يأتي الخيرُ من حيثُ لا نحتسب. أنا فقط أريدُ لكِ السعادةَ والأمان. والسيدُ يوسفُ يبدو أنَّهُ يملكُ هذينِ الشيئين."

"وهل الأمانُ والسعادةُ يأتيانِ عبرَ عقدٍ ورقيٍّ؟" قالتْ ليلى، وشعرتْ بمرارةٍ في صوتها.

"الأمرُ أعقدُ من ذلكَ يا ليلى. هناكَ روابطٌ عائليةٌ قديمة، وعهودٌ بينَ أجيال. هذهِ ليستْ مجردَ ورقة، بل هيَ جزءٌ من تاريخِ عائلتنا."

جلستْ ليلى بصمتٍ، وهي تشعرُ بثقلِ المسؤوليةِ التي أُلقيتْ على عاتقها. ماضي جدها، وعهودُ أجدادها، وحاضرها الذي أصبحَ معقدًا، ومستقبلها المجهول.

"ماذا يجبُ عليَّ أنْ أفعلَ الآن؟" سألتْ بصوتٍ خافت.

"قابليهِ يا ابنتي. اذهبي إلى مكتبِ المحاميِّ إبراهيمَ غدًا. قابليهِ، تحدثي معهُ. أظهري لهُ أنَّكِ لستِ مجردَ ورقةٍ في عقد. أظهري لهُ ما بداخلكِ. ثمَّ قرري. أنا معكِ مهما كانَ قراركِ."

خرجتْ والدتها، وتركتْ ليلى وحدها مع أفكارها المتضاربة. لم يكنْ لديها خيارٌ سوى المواجهة. مواجهةُ الماضي، ومواجهةُ المستقبلِ الذي لم تتخيله. صمتُ الغرفةِ كانَ ممتلئًا بأسئلةٍ بلا إجابات، وباحتمالاتٍ مرعبة. كانَ عليها أنْ تخطوَ خطوتها الأولى نحو المجهول، بخطواتٍ مرتعشة، لكنَّها خطواتٌ نحو الحقيقة، مهما كانتْ مؤلمة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%