نصفي الآخر الجزء الثاني
لقاءٌ في عتمةِ الماضي
بقلم سارة العمري
في اليومِ التالي، حملتْ ليلى حقيبتها الصغيرة، وقلبها يدقُّ بدقاتٍ متسارعة. لم يكنْ لديها أدنى فكرةٍ عما يمكنُ أنْ تتوقعهُ عندَ لقاءٍ سريٍّ كهذا. كانَ المحاميُّ إبراهيمُ قدْ حددَ موعدًا لهما في مكتبهِ، قائلًا إنَّ هذا أفضلُ مكانٍ لضمانِ الخصوصيةِ والهدوء.
عندما وصلتْ إلى المبنى الشاهق، شعرتْ بقشعريرةٍ تسري في جسدها. رائحةُ الخشبِ القديمِ والعطورِ الفاخرةِ استقبلتها عندَ دخولِ المكتب. استقبلها المحاميُّ إبراهيمُ بابتسامةٍ ودودة، وقادها إلى غرفةِ الانتظارِ الفخمة.
"السيدُ يوسفُ في الطريقِ الآن"، قالَ وهوَ يشيرُ إلى مقعدٍ مخمليٍّ مريح. "لا تقلقي، هوَ رجلٌ على قدرٍ عالٍ من التهذيبِ والأخلاق."
جلستْ ليلى، وبدأتْ تُقلبُ أوراقَ العقدِ التي أعطاها إياها المحاميُّ أمس. قرأتْ اسمَ يوسفَ المصريَّ مرارًا وتكرارًا، محاولةً بناءَ صورةٍ وهميةٍ لرجلٍ غامضٍ قدْ يُصبحُ جزءًا من حياتها. هلْ سيكونُ طويلًا؟ قصيرًا؟ هلْ سيعجبُ بها؟ هلْ سيفهمُ ترددها؟
مرَّتْ دقائقُ الانتظارِ ثقيلةً كأنها ساعات. ثمَّ سُمعَ صوتُ خطواتٍ ثابتةٍ تقترب. انفتحَ بابُ الغرفةِ ببطء، ودخلَ رجلٌ لم تكنْ ليلى مستعدةً لرؤيته.
لم يكنْ طويلًا بشكلٍ مبالغٍ فيه، لكنَّ قامتهُ كانتْ توحي بالقوةِ والثبات. يرتدي بدلةً سوداءَ أنيقةً تُبرزُ لياقةَ جسده. شعرهُ أسودُ فاحمٌ مصففٌ بعناية، وعيناهُ واسعتانِ بلونِ العسلِ الداكن. فيهما بريقٌ هادئٌ يوحي بالذكاءِ والهدوء. عندما رأتهُ، شعرتْ ليلى بصدىً غريبٍ في قلبها، وكأنَّها تعرفُ هذهِ النظرةَ من قبل، لكنها لم تستطعْ تحديدَ مصدرها.
"آنسة ليلى؟" قالَ بصوتٍ عميقٍ ورخيم، يختلفُ عن صوتِ المحاميِّ كثيرًا. "أنا يوسف."
ابتسمتْ ليلى ابتسامةً خجولة، وشعرتْ بأنَّ كلَّ التوترِ الذي كانَ بداخلها بدأَ يتبددُ قليلًا. "أهلاً بكَ، سيدَ يوسف."
"تفضلي بالجلوسِ"، قالَ المحاميُّ إبراهيم، مشيرًا إلى كرسيٍّ مقابلِ لليلى.
جلسا، وبدا الصمتُ الأوليُّ ثقيلًا بينهما. كانَ يوسفُ ينظرُ إلى ليلى بتمعنٍ، وكأنَّهُ يبحثُ عن شيءٍ في عينيها.
"سمعتُ من المحاميِّ إبراهيمَ أنَّكِ لديكِ بعضُ الاستفساراتِ والتحفظات"، قالَ يوسفُ أخيرًا، بنبرةٍ صادقةٍ وغيرِ متكلفة. "وأنا هنا لأستمعَ لكِ. أريدُ أنْ تفهمي أنَّني لستُ هنا لأفرضَ شيئًا عليكِ."
"شكرًا لكَ"، قالتْ ليلى، وشعرتْ بالراحةِ من لهجته. "الأمرُ كلهُ مفاجئٌ جدًا بالنسبةِ لي. لم أكنْ أعلمُ بهذا الترتيبِ أبدًا."
"وأنا كذلكَ يا آنسة ليلى. لقدْ تركَ والدي، رحمهُ الله، هذا الأمرَ في عهدتي. كنتُ أرى في العقدِ واجبًا عليَّ تجاهَ والدي، لكنَّني كنتُ دائمًا أفكرُ في أنَّ هذا الارتباطَ يجبُ أنْ يكونَ قائمًا على القبولِ المتبادل."
"وهلْ تقبلُ بي؟" سألتْ ليلى بجرأةٍ غيرِ متوقعة.
نظرَ يوسفُ إليها مباشرةً، وعيناهُ تعكسانِ صدقًا. "أنا لا أعرفكِ يا آنسة ليلى. وكيفَ يمكنُ لي أنْ أقبلَ بشخصٍ لا أعرفهُ؟ لكني أؤمنُ بأنَّ لكلِّ شيءٍ سببًا. وأنَّ والدَكِ ووالدي لم يكونا ليرتبا شيئًا إلا وفيهِ خيرٌ لنا. أنا مستعدٌ لأنْ أتعرفَ عليكِ. وأنْ نرى ما إذا كانَ بيننا انسجامٌ. وإذا لم يكنْ، فسنجدُ حلًا."
شعرتْ ليلى بتفاؤلٍ نادرٍ ينمو في قلبها. كانتْ كلماته تحملُ وعدًا بالأمل. "والدي... والدي لم يكنْ يعلمُ بهذا العقد. إنَّها مسؤوليةُ جدي، السيدِ عبد الرحمن."
"نعم، المحاميُّ إبراهيمُ أوضحَ لي ذلك. كانَ جدي والسيدُ عبد الرحمن صديقينِ مقربينِ جدًا. وكانَ لديهما أحلامٌ مشتركةٌ لعائلتيهما. ربما كانتْ هذهِ إحدى تلكَ الأحلام."
"أنا فقط... أريدُ أنْ أعرفَ المزيدَ عن جدي." قالتْ ليلى، وشعرتْ برغبةٍ قويةٍ في فهمِ دوافعِ هذا الرجلِ الذي تركَ إرثًا كهذا.
"المرحومُ عبد الرحمن كانَ رجلًا ذا رؤيةٍ عميقةٍ وفهمٍ واسعٍ للحياة. كانَ يحملُ قلبًا كبيرًا، وكانَ يحبُّ عائلتهُ بشدة. والدُي كانَ دائمًا ما يتحدثُ عنهُ بالتقديرِ والاحترام. لقدْ تركَ بصمةً في حياةِ الكثيرين."
بدآ يتحدثانِ لساعات. تحدثتْ ليلى عن شغفها بالقراءة، وعن أحلامها البسيطة. وتحدثَ يوسفُ عن عملهِ، وعن حبهِ لعائلته، وعن قيمهِ الإسلاميةِ التي يُبنى عليها حياته. كانَ حديثهما مريحًا، خاليًا من أيِّ تكلف. كانتْ ليلى تفاجئُ نفسها بأنَّها تشعرُ بنوعٍ من الألفةِ تجاهَ هذا الرجلِ الغريب.
عندما انتهى اللقاء، خرجتْ ليلى من المكتبِ وهي تشعرُ بخفةٍ لم تعهدها منذُ أمس. لم تكنْ الأمورُ قدْ حُسمتْ بعد، لكنَّ بابًا جديدًا قدْ فُتح. بابٌ لم يكنْ مليئًا بالخوفِ والغموض، بل كانَ يحملُ وعدًا بإمكانيةِ فهمٍ وتفاهم.
"إذًا؟" سألَ المحاميُّ إبراهيمُ عندما خرجتْ ليلى.
ابتسمتْ ليلى. "سأتحدثُ معهُ مرةً أخرى. وأعتقدُ أنَّ هناكَ أملًا."
"هذا خبرٌ جيدٌ جدًا"، قالَ المحاميُّ بابتسامةٍ مشرقة. "أنا واثقٌ من أنَّ الخيرَ سيأتي من هذا اللقاء."
عندما ركبتْ ليلى سيارتها، شعرتْ بأنَّ العاصفةَ التي هبتْ في حياتها بدأتْ تهدأ قليلًا. لم تختفِ تمامًا، لكنَّها لم تعدْ تبدو بنفسِ الشدة. كانَ هناكَ شعاعٌ من ضوءٍ يخترقُ غيومَ المجهول.