نصفي الآخر الجزء الثاني
وهج الشوق وغياب الروح
بقلم سارة العمري
كانت رائحة بخور العود تفوح من أركان البيت، تملأ الأرجاء بنفحاتها الشرقية الأصيلة، لكنها لم تعد تخفف من وطأة ما استقر في صدر ليلى من لوعة. كلما حاولت أن تستحضر وجه أحمد، يختفي كسراب في صحراء واسعة، تاركاً وراءه فراغاً لا تسده إلا ذكرى ابتسامته الهادئة، وصوته الذي كان ينساب كالنهر في أذنيها. مرت ثلاثة أيام منذ آخر مرة سمعت صوته. ثلاثة أيام بدت كدُهور، كل ساعة فيها كانت تحمل ثقل العالم.
في غياب أحمد، بدت الحياة كلوحة باهتة الألوان، فقدت بريقها. كانت تجلس لساعات أمام نافذة غرفتها، تراقب الأطفال يلعبون في الحديقة، وتتأمل في نقاء أرواحهم، ثم تعود بذاكرتها إلى تلك الأيام التي بدت قريبة بعيدة، حيث كانت تتقاسم مع أحمد أبسط تفاصيل الحياة، من حديث عابر أثناء تناول القهوة، إلى أحلام مشتركة ينسجانها معاً كعصفورين يبنيان عشهما.
لم تعد تلك الأحاديث المتبادلة عبر الهاتف كافية. كانت روحها تتوق إلى حضوره، إلى دفء يده التي كانت تحتضن يدها برفق، إلى عينيه اللتين كانتا ترويان لها قصصاً لا تُقال بالكلمات. أصبح غيابه أشبه بالإدمان، إدمان على وجوده، على الطمأنينة التي كان يمنحها إياها. والآن، بعد أن انقطع هذا المصدر، شعرت بأنها تفقد القدرة على التنفس.
وفي خضم هذا الانقطاع، بدأت تظهر في حياتها شخصيات لم تكن تتوقع وجودها، أو ربما كانت تتجاهلها لتجنب مواجهة حقيقة مؤلمة. كانت عمّتها، السيدة زينب، تتردد على منزلهم كثيراً هذه الأيام. ابتسامتها الودودة كانت تحمل في طياتها نظرات تقييم، وتساؤلات مبطنة. "كيف حالك يا ابنتي؟" كانت تسأل، وعيناها تجولان في أنحاء الغرفة، ثم تضيف: "أرى أنكِ تشعرين بالوحدة؟"
كانت ليلى تحاول التماسك، تتظاهر بالقوة، لكن نظرات زينب كانت تخترق دفاعاتها الهشة. "أنا بخير يا خالتي، فقط اشتقت إلى أحمد." كانت تلك الكلمات أشبه بالاعتراف العلني بعجزها.
ذات مساء، وبينما كانت تجلس تتناول طعام العشاء مع والدتها، دخلت زينب المنزل، وكان معها شخص لم ترَهُ ليلى من قبل. شاب نحيل، ذو وجه يعلوه قلق دائم، وعينين زائغتين. قدمته زينب بصوت مفعم بالاهتمام: "هذا نجل أختي، كريم. وصل للتو من الخارج، ويحتاج إلى من يؤنسه في هذه الغربة."
شعرت ليلى بانقباض في صدرها. لم تكن بحاجة إلى مزيد من الأشخاص في حياتها الآن، خاصة أولئك الذين بدا أنهم يحملون هموماً لا تخصها. لكنها، مجبرة على المجاملة، ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت: "أهلاً وسهلاً بك."
كان كريم يتحدث كثيراً، يروي قصصاً عن حياته في الخارج، عن صعوبات العمل، وعن وحدته. كانت كلماته تحمل شيئاً من التباهي، وشيئاً آخر من الشكوى. كان يبدو وكأنه يبحث عن مكان له، عن قبول. كانت ليلى تستمع بفتور، وقلبها مشغول بأحمد.
في أحد الأيام، وبعد أن لاحظت زينب شرود ليلى المستمر، وحزنها المتزايد، جلست معها على انفراد. "يا ابنتي،" قالت بصوت أقرب إلى الهمس، "يجب أن تكوني قوية. أحمد شاب طيب، لكنه ربما لا يفهم حجم مسؤولياته. أهله... يضعون عليه ضغوطاً كبيرة. لا تعلمين ما الذي يدور في خلده."
شعرت ليلى بغصة في حلقها. "ماذا تقصدين يا خالتي؟"
تنهدت زينب وقالت: "أقصد أن هذه الحياة ليست سهلة، وأنكِ في سن الزواج، يجب أن تفكري في مستقبلك. أحمد، رغم مكانته، ربما لا يكون الشخص المناسب لكِ على المدى الطويل. لديه عائلته، وربما مسؤوليات أخرى... شخص مثلكِ، بحاجة إلى رجل يكون لديه الوقت والطاقة ليكرسها لكِ."
تحدّثت كلمات زينب في صدر ليلى كسهام باردة. لم تفهم لماذا تحاول خالتها زرع الشكوك في قلبها. هل كان ذلك بدافع الشفقة، أم كان وراءه شيء آخر؟ "لكنني أحبه يا خالتي،" قالت ليلى بصوت مرتجف، "وأنا واثقة من مشاعره."
"الحب وحده لا يبني بيتاً، يا عزيزتي،" أجابت زينب، "القوة، الاستقرار، والفهم المتبادل هي الأساس. وقد رأيت في كريم ما يمكن أن يكون سنداً لكِ. شاب يحتاج إلى من ترشده، ومن تعطيه الأمل. وهو يرى فيكِ هذه الروح الطيبة التي قد تعينهُ على تجاوز صعاب الحياة."
شعرت ليلى بالدوار. ما الذي تقوله زينب؟ هل كانت تقارن بين أحمد، الرجل الذي أحبته بصدق، وهذا الغريب الذي لا تعرف عنه سوى ما قاله في جلسات قليلة؟ كان هذا طرحاً صادماً، غريباً.
في تلك الليلة، لم تستطع ليلى النوم. كانت كلمات زينب تتردد في رأسها، تتشابك مع صور أحمد. هل كانت على حق؟ هل كانت هناك جوانب في حياة أحمد لا تعرفها؟ هل كانت هذه الوحدة التي تعيشها الآن، وهي تفتقده، علامة على أن هذا الحب لن يكتمل؟
تذكرت كيف كان أحمد أحياناً يبدو شارد الذهن، وكيف كان يتهرب من بعض الأسئلة المتعلقة بعائلته. هل كانت تلك علامات؟ هل كانت تلك أسباباً لضعفه، أو لعدم قدرته على الالتزام الكامل؟
جلست على حافة سريرها، وفتحت هاتفها، لعلها تجد رسالة جديدة منه، اتصالاً، أي شيء. لكن لا شيء. كان صندوق الوارد فارغاً، تماماً كما شعرت بأن روحها فارغة.
وفي هذه اللحظة من الضعف، ومع تزايد الشكوك التي زرعتها زينب، بدأت ليلى تشعر بحاجة غريزية للتأكد. الحاجة إلى أن تعرف، حتى لو كان ما تعرفه سيؤلمها. بدأت تتساءل إذا ما كانت هناك حقائق أخرى، حقائق لم يظهرها لها أحمد، حقائق قد تفسر هذا الصمت الطويل.
ارتدت ملابسها، وخطت خطوات مترددة نحو غرفة والدتها. وجدتها تقرأ القرآن. جلست بجانبها، وقالت بصوت بالكاد مسموع: "أمي، هل حدث شيء بين أحمد وعائلته؟ هل هو تحت ضغط؟"
نظرت الأم إلى ابنتها بعينين مليئتين بالحزن. "يا ابنتي، الدنيا ليست كلها أفراح. أحمد شاب صالح، لكنه في مواجهة مع ظروف قد لا تكون سهلة. عائلته... لديها متطلبات، وقد تكون متطلبات كبيرة."
لم تمنحها الأم تفاصيل، لكن كلماتها كانت كافية. كانت تؤكد ما لمحته زينب. شعرت ليلى بأن العالم ينهار من حولها. لم يكن الصراع مجرد غياب أحمد، بل كان صراعاً مع الشك، ومع المخاوف التي بدأت تتسلل إلى قلبها. وإذا كان أحمد يواجه مشكلة أكبر، فهل يعني ذلك أنه لن يستطيع أن يكون لها؟
في تلك الليلة، وفي عز صراعها مع الشك، ومع إدمانها لغياب أحمد، شعرت بأن هناك قوة أخرى بدأت تتسرب إلى حياتها. قوة لم تكن تدرك وجودها، قوة يمكن أن تتقاطع مع حياتها بطرق لم تتخيلها. هل كانت زينب تحاول إنقاذها، أم كانت تحاول توجيهها نحو مسار آخر؟
اختارت ليلى أن تنظر إلى هاتفها مرة أخرى. لم تعد تبحث عن رسالة من أحمد، بل عن شيء يريحها، أو يمنحها سبباً ليقينها. وبدون قصد، وقعت عينها على صورة قديمة لأحمد، كان قد أرسلها لها في بداية علاقتهما، صورة له مبتسماً. ابتسمت بحزن، ثم وضعت الهاتف جانباً، وأغمضت عينيها، تحاول أن تجد في ظلام الغرفة راحة، أو ربما دليلاً. لكن لم تجد سوى صدى صوت زينب، وصورة أحمد المشوشة، ووهج الشوق الذي بدأ يحرق روحها.