نصفي الآخر الجزء الثاني
أغرب الهمسات وشبح الأمس
بقلم سارة العمري
تضاعفت وطأة غياب أحمد في نفس ليلى، لتتحول من مجرد اشتياق حار إلى شعور عميق بالضياع. كانت تشعر بأنها تقف على حافة هاوية، لا ترى فيها سوى الفراغ. ولم يكن هدوء المنزل، الذي كان في السابق مصدر سكينة، سوى صدى لصمت أحمد الذي أصبح يجلجل في أذنيها. كان صوت والدتها، وصوت الخدم، وصوت الأشياء تتحرك حولها، كله يبدو بعيداً، وكأنه يأتي من عالم آخر.
كانت الأيام تتوالى، وكل يوم يحمل معه ثقلاً جديداً. بدأت ليلى تلاحظ كيف أن عمتها زينب لم تعد تأتي بزيارات عابرة، بل أصبحت زياراتها منتظمة، وكأنها تراقب بيضة دجاجة على وشك أن تفقس. كانت كل زيارة تحمل معها حديثاً عن كريم، عن طيبته، عن احتياجه لمن يرعاه، وعن كيف أنه يبدو ضائعاً في هذه المدينة التي لا يعرف فيها أحداً.
في أحد الأيام، وبينما كانت ليلى تساعد والدتها في ترتيب بعض الأغراض القديمة في غرفة التخزين، وجدت صندوقاً قديماً مغلفاً بالجلد. فتحته بحذر، لتجد بداخله رسائل قديمة، وصوراً باهتة. لم تستطع تمالك نفسها، فتساءلت: "أمي، لمن هذه الرسائل؟"
نظرت الأم إلى الصندوق، وبدا على وجهها أثر ذكرى قديمة. "هذه رسائل والدكِ... عندما كان شاباً. كان يكتب لوالدتي الكثير. كان يحب الشعر كثيراً."
فتحت ليلى إحدى الرسائل، وبدأت تقرأ. كانت كلمات عذبة، مليئة بالحب والشوق، ولكنها أيضاً تحمل شيئاً من القلق. في إحدى الرسائل، كتب والدها: "أخاف أن تذهب الأيام بنا، ونحن نتأرجح بين آمالنا ومخاوفنا. عائلتي... لديها توقعات. وأنا، يا حبيبتي، أريد فقط أن أجعلكِ سعيدة."
شعرت ليلى بقرصة في قلبها. هل كانت هناك ظلال لأمس تتكرر في حاضرها؟ هل كانت قصة حب والدها تحمل تشابهاً مع قصتها؟
"عائلته... لديها توقعات." هذه العبارة تركت أثراً عميقاً في نفسها. هل كانت هذه العبارة هي المفتاح الذي يفسر صمت أحمد؟ هل كان هو أيضاً يواجه ضغوطاً عائلية مماثلة؟
في المساء، عندما زارت زينب، كانت ليلى قد اتخذت قراراً. لم تعد تريد البقاء في حالة انتظار، أو في حالة شك. أرادت أن تعرف الحقيقة، مهما كانت مؤلمة.
"خالتي،" قالت ليلى بصوت هادئ، لكنه كان يحمل ثقلاً واضحاً، "هل يمكنكِ أن تخبريني المزيد عن أحمد؟ عن عائلته؟"
نظرت زينب إلى ليلى بعينين فيها شيء من الارتياح، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة. "يا ابنتي، أنا لا أريد لكِ إلا الخير. أحمد شاب طيب، ولكنه... هو ابن لعائلة كبيرة، وله مسؤوليات عائلية. تعرفين كيف تكون هذه العائلات، لديها تقاليدها، وتوقعاتها. وأحمد، ربما، لا يملك كامل الحرية في اتخاذ قراراته."
"ما نوع هذه التوقعات؟" سألت ليلى.
ترددت زينب قليلاً، ثم قالت: "هناك ترتيبات... زواج مرتب. لعائلة أحمد، لديهم رؤية معينة لشريك ابنهم. رؤية تتناسب مع مكانتهم. وأحمد، في بعض الأحيان، يجد صعوبة في مخالفتهم."
شعرت ليلى ببرد يسري في عروقها. زواج مرتب؟ هل كان هذا ما يمنعه من التواصل معها؟ هل كان حبها له مجرد لهو، بينما هو مخطوب لفتاة أخرى؟
"ولكنه... نحن... أحببنا بعضنا،" قالت ليلى بصوت مهتز. "هل يعقل أن يتخلى عن حب ليختار زواجاً مرتباً؟"
"الحب جميل، يا ابنتي،" قالت زينب بحنان مصطنع، "لكنه في بعض الأحيان، لا يكفي لمواجهة واقع الحياة. هناك مسؤوليات، وهناك ما هو أهم من المشاعر الفردية. عائلة أحمد، لديها مصالح، ولديها خطط. قد يكون أحمد مرتبطاً بتلك الخطط أكثر مما تتصورين."
ثم أضافت، وقد وضعت يدها على يد ليلى: "ولهذا السبب، أنا أرى أن كريم هو الأفضل لكِ. شاب بلا قيود، بلا ضغوط عائلية. يريد فقط أن يبدأ حياته، وأن يبني أسرة. ولديه تقدير كبير لكِ، ويرى فيكِ الزوجة المثالية."
ابتعدت ليلى بيدها ببطء. شعرت بأنها محاصرة. كلمات زينب، التي كانت تبدو في البداية مجرد شفقة، بدأت تتكشف على حقيقتها: محاولة لفرض واقع آخر عليها.
"خالتي،" قالت ليلى بصرامة، "أحمد لم يقل لي شيئاً من هذا. ولم أرَ منه أي دليل على أنه مرتبط بزواج آخر."
"ربما لم يشأ أن يؤذيكِ،" قالت زينب. "ربما كان ينتظر الوقت المناسب، أو ربما... كان يحاول أن يجد حلاً."
لكن ليلى لم تعد تؤمن بالحلول. كان الشك ينهش قلبها. هل كان أحمد يكذب عليها؟ هل كان يلعب بمشاعرها؟
في تلك الليلة، شعرت ليلى بأثقل عبء. لم يكن غياب أحمد هو ما يؤلمها، بل الشك في صدقه. هل كان حبها كله مبنياً على وهم؟ هل كانت تضحياتها، وترقبها، كلها بلا معنى؟
في تلك اللحظة، شعرت بأنها بحاجة إلى أن تعرف كل شيء. حتى لو اضطرت إلى مواجهة أحمد مباشرة. لكن كيف؟ كيف تجد أحداً لا يريد أن يُوجد؟
جلست في غرفتها، تنظر إلى هاتفها. الرسائل القديمة، الصور، كلها بدت كأشباح من الماضي، تذكرها بما كان، وتؤكد لها ما قد لا يكون.
ثم، بينما كانت تتصفح هاتفه، لاحظت شيئاً لم تنتبه إليه من قبل. في قائمة جهات الاتصال، تحت اسم "أحمد"، كانت هناك ملاحظة صغيرة مكتوبة بخط يده: "لا تتصل عندما تكون عائلتي موجودة."
تجمدت ليلى. هذه الملاحظة كانت أشد تأكيداً من أي كلمة قالتها زينب. لقد كان أحمد يخشى عائلته، وكان يخفي علاقتهما عنها. هذا يعني أن ما قالته زينب كان صحيحاً. لقد كان لديه التزامات، ربما زواج مرتب.
شعرت ليلى بغضب شديد، ولكنه كان غضباً ممزوجاً بالحزن. كيف يمكن لشخص أن يفعل هذا؟ أن يبني حلماً مع شخص، ثم يتركه ينهار دون تفسير؟
في تلك اللحظة، كان شبح الماضي، والدها الذي كان يواجه ضغوطاً عائلية، يلوح في الأفق. هل كانت نفس القصة تتكرر؟
نظرت إلى صورتها مع أحمد، التي كانت خلفية هاتفها. ابتسمت ابتسامة حزينة، ثم قامت بتغييرها. لم تعد قادرة على رؤية وجهه المبتسم.
أغمضت عينيها، وبدأت تتنفس بعمق. لقد كانت هذه الأيام، وخاصة تلك الشكوك التي زرعتها زينب، قد كشفت لها حقيقة قاسية. لم يكن ضعف أحمد هو المشكلة، بل كان خضوعه لرغبات عائلته، وخوفه من اتخاذ قراراته بنفسه.
لكن، حتى مع هذه الحقيقة المرة، لم تستطع ليلى أن تتخلى عن حبها بسهولة. لقد كان شيئاً عميقاً، شيئاً نسجته في روحها. لكنها عرفت الآن أن عليها أن تبدأ في بناء جدران جديدة، جدران تحميها من هذا الألم.
في تلك الليلة، وبينما كانت السماء قد اكتست بسواد دامس، تلقت ليلى رسالة نصية. لم تكن من أحمد. كانت من رقم مجهول. فتحتها بتردد. كانت الرسالة قصيرة جداً: "أحمد في مشكلة. عاجل."
تجمدت ليلى. مشكلة؟ ما نوع المشكلة؟ هل كانت متعلقة بعائلته؟ هل كان هذا إنذاراً؟
نظرت إلى الشاشة، وقلبها يدق بعنف. هل يجب أن تصدق هذه الرسالة؟ أم أنها مجرد خدعة أخرى؟
لكن، في أعماقها، شعرت بأن هناك شيئاً ما. شيئاً يدعوها للقلق. شيئاً يتطلب منها التصرف.