نصفي الآخر الجزء الثاني
دوامة الوهم وخطر محيط
بقلم سارة العمري
لم تستطع ليلى أن تتجاهل الرسالة. برغم كل ما سمعته، وبرغم كل ما شكّت فيه، بقيت نواة من الحب والاهتمام تدفعها للقلق على أحمد. هل كانت تلك مجرد بقايا مشاعر، أم كانت دليلاً على صدقها؟ لم تكن تدري، لكن الهاجس الذي تولد داخلها كان أقوى من أي شك. "أحمد في مشكلة. عاجل."
اتصلت على رقم أحمد، لكنه لم يجب. كررت المحاولة، ثم أخرى، ثم أخرى. كان هاتفه مغلقاً، أو ربما خارج نطاق الخدمة. زاد قلقها، وتشابكت المخاوف في رأسها. هل كانت الرسالة حقيقية؟ وهل كانت المشكلة متعلقة بعائلته، أم بشيء آخر؟
في هذه الأثناء، كانت عمتها زينب تتابعها عن كثب. لاحظت شرودها، وقلقها الظاهر، فأسرعت لزيارتها. "ما بكِ يا ابنتي؟ أرى أنكِ مرهقة."
حاولت ليلى أن تخفي قلقها، لكن عينيها كانت تفضحانها. "لا شيء يا خالتي، فقط... أفكر."
"تفكرين بمن؟" سألت زينب بابتسامة خفيفة، وهي تعلم جيداً الإجابة. "أحمد؟ لا أدري لماذا تظلمين نفسكِ يا ليلى. لقد أخبرتكِ، لا يوجد مستقبل لهذا الارتباط."
"ولكن... رأيت شيئاً،" قالت ليلى بتردد، "شيئاً جعله... ربما يخفي عني أموراً."
"وما هو هذا الشيء؟" سألت زينب، وعيناها تلتمع بفضول.
"ملاحظة على هاتفه،" قالت ليلى، "تمنعه من الاتصال بي عندما تكون عائلته حاضرة."
نظرت زينب إلى ليلى للحظة، ثم قالت بحزن مصطنع: "رأيتِ؟ هذا ما كنتُ أحاول أن أقوله لكِ. إنه يعيش حياة مزدوجة. وهو بالتأكيد... مرتبط بأخرى. ربما هذا هو السبب الذي يجعله يتجنب إيذاء مشاعركِ."
كلمات زينب هذه المرة لم تعد مجرد شك، بل أصبحت تأكيداً قاطعاً. شعرت ليلى بأنها تسقط من أعلى قمة، لتجد نفسها في أعماق بحر مظلم. كيف يمكن أن يكون أحمد قد فعل هذا؟ كيف يمكن أن يكون قد لعب بمشاعرها بهذه الطريقة؟
"ولكن... كيف... كيف أعرف؟" سألت ليلى بصوت مرتعش، وبدأ اليأس يتسرب إلى كلماتها.
"يجب أن تتأكدي، يا عزيزتي،" قالت زينب، "هناك دائماً طريقة. ولكن الأهم هو أن تتقبلي الواقع. وأن تبدئي في بناء مستقبل لكِ. ومستقبل مشرق ينتظركِ مع كريم."
في تلك اللحظة، شعرت ليلى بمدى الظلمة التي تحيط بها. لم يكن الأمر مجرد حب مفقود، بل كان خدعة، وخيانة.
في مساء اليوم نفسه، وبينما كانت ليلى تغفو وهي تشعر بالإرهاق الشديد، سمعت صوت جرس الباب. ذهبت لتفتح، لتجد أمامها شاباً لا تعرفه، يحمل وجهاً قلقاً. "هل أنتِ ليلى؟" سأل.
"نعم،" أجابت ليلى بتردد.
"لقد أرسلت لي أحمد رسالة،" قال الشاب، "يطلب مني أن أبلغكِ شيئاً. إنه في خطر. يريد منكِ أن تذهبي إلى... عنوان معين. هنا." أعطاها ورقة مطوية.
فتحت ليلى الورقة، ووجدت عليها عنواناً في منطقة بعيدة، مع عبارة بخط أحمد: "لا تخبري أحداً. أرجوكِ."
ارتعشت يدها. هل كان هذا فخاً؟ أم أن أحمد كان حقاً في خطر، ويريد مساعدتها؟
في هذه اللحظة، تذكرت كلمات والدتها عن ضغوط عائلة أحمد. هل كانت هذه المشكلة متعلقة بها؟
نظرت إلى زينب، التي كانت تقف في زاوية الغرفة، تراقبها بعينين تحملان مزيجاً من الشفقة والحذر. هل كانت تعلم زينب شيئاً عن هذه الرسالة؟
"ماذا حدث؟" سألت ليلى الشاب.
"لا أدري تماماً،" أجاب. "لكنه بدا خائفاً جداً في رسالته. كان يتحدث عن مشكلة كبيرة، وعن حاجته للمساعدة."
شعرت ليلى بدفعة من الشجاعة. إذا كان أحمد حقاً في خطر، فإنها لن تقف مكتوفة الأيدي. حتى لو كان ذلك يعني المخاطرة بنفسها.
"سأذهب،" قالت ليلى للشاب، "أخبر أحمد أنني قادمة."
بعد أن غادر الشاب، عادت ليلى إلى زينب. "خالتي،" قالت، "أحمد في خطر. احتاج أن أذهب لمساعدته."
نظرت زينب إليها بجدية. "هل أنتِ متأكدة يا ليلى؟ هذا المكان بعيد، وقد يكون خطيراً."
"نعم، أنا متأكدة،" قالت ليلى بعزم. "لا أستطيع أن أتركه وحده."
"حسناً،" قالت زينب، "لكن عليكِ أن تكوني حذرة. وإذا احتجتِ شيئاً، فاتصلي بي."
في تلك الليلة، لم تنم ليلى. جهزت نفسها، وحزمت بعض الأغراض الأساسية. كانت تشعر بمزيج من الخوف والأمل. خوف من المجهول، وأمل في أن تتمكن من مساعدة أحمد، وأن تفهم ما يحدث حقاً.
قبل شروق الشمس، غادرت ليلى المنزل، تاركة وراءها والدتها التي لم تستطع إقناعها بالبقاء. كانت في طريقها إلى المجهول، بحثاً عن الحقيقة، بحثاً عن أحمد.
عندما وصلت إلى العنوان، وجدت نفسها في منطقة نائية، مهجورة. بدت المنازل قديمة، والأسواق شبه خالية. شعرت بقلق متزايد. هل كان هذا المكان حقاً المكان الذي فيه أحمد؟
تجولت في الشوارع، تسأل بعض المارة المترددين، لكن لا أحد يعرف أحمد. كان المكان يبدو وكأنه يبتلعها.
ثم، وبينما كانت تسير، لمحت شخصاً يقف في الظل، يراقبها. عندما اقتربت، اكتشفت أنه كريم.
"ماذا تفعل هنا؟" سألت ليلى باستغراب.
"كنت أتتبعكِ،" قال كريم ببساطة. "لا أريدكِ أن تذهبي وحدكِ إلى مكان كهذا."
نظرت ليلى إليه، وشعرت بالامتنان. ربما كانت زينب على حق. ربما كان كريم هو الشخص الذي يمكن الاعتماد عليه.
"لكن... كيف عرفت أنني سآتي إلى هنا؟" سألت.
"عمتي زينب،" أجاب كريم. "قالت لي أنكِ قلقة على أحمد. وأنكِ تريدين الذهاب لمساعدته. ولكنها نصحتني بأن أرافقكِ، وأن أتأكد من سلامتكِ."
شعرت ليلى بدوار خفيف. زينب؟ لقد علمت زينب بكل شيء؟
"وماذا عن أحمد؟" سألت ليلى. "هل أنتَ تعرف أين هو؟"
"أعتقد أنني أعرف،" قال كريم، ووجهه يعكس قلقاً حقيقياً. "لكن علينا أن نكون حذرين جداً."
نظرت ليلى إلى كريم، ثم إلى المكان الموحش حولها. شعرت بأنها محاطة بمجموعة من الألغاز، وأن كل خطوة تخطوها تقودها أعمق إلى دوامة من الوهم والخطر. لم تعد تعرف ما الذي تصدقه، ومن تثق به.