نصفي الآخر الجزء الثاني
خيوط الماضي المتشابكة وعقدة الحاضر
بقلم سارة العمري
قاد كريم ليلى عبر أزقة المدينة القديمة، حيث كانت البيوت متقاربة، وشوارعها ضيقة، تفوح منها رائحة التاريخ المتكتم. كانت هناك همسات غريبة تتسلل إلى مسامعهم، أصوات غير مفهومة، كأن الأشباح تتحدث. كل زاوية كانت تخفي وراءها قصة، وكل حجر يحمل ذكرى.
"هل أنت متأكد أن أحمد هنا؟" سألت ليلى، صوتها يرتجف قليلاً.
"نعم،" أجاب كريم، "آخر رسالة أرسلها إليّ، قبل أن يختفي هاتفه، كانت تشير إلى هذا المكان. كان يتحدث عن مشكلة كبيرة، وعن شخص يحاول توريطه."
"من هذا الشخص؟" سألت ليلى، وشعرت بأن دماءها تتجمد في عروقها.
"لا أعرف،" قال كريم. "لكنه وصفه بأنه شخص ماكر، ومؤذٍ. وكان يشعر بأنه مراقب."
راقب كريم ليلى بنظرة متفحصة. "لماذا أحمد يرسل لكِ رسائل، وليس لي؟ ولماذا تريد عمتي أن أرافقكِ؟ يبدو أن هناك أمراً أكثر من مجرد صداقة بينكما."
ابتسمت ليلى ابتسامة باهتة. "علاقتنا معقدة، يا كريم. لن أخبركِ الآن."
"لكن ربما يجب أن أخبركِ،" قال كريم بجدية. "عمتي زينب... لديها اهتمامات خاصة. رأيتُ كيف كانت تروج لي. وهي تريد أن ترى فيكِ زوجة لي، وأن تنهي هذه القصة مع أحمد."
صعقت ليلى. "ماذا؟ كيف؟"
"إنها تعتقد أن أحمد ليس مناسباً لكِ،" أوضح كريم. "وتعتقد أنكِ ستكونين سعيدة معي. لكنني... لم أكن مقتنعاً تماماً. حتى الآن. لقد رأيتُ إصراركِ على أحمد، ورأيتُ كيف أنكِ على استعداد لمواجهة الخطر من أجله. هذا يثير تساؤلات في ذهني."
"عمتي زينب،" قالت ليلى بمرارة، "بدأت تزعزع ثقتي في أحمد، وتزرع الشك في قلبي. لقد أخبرتني عن زواج مرتبط، وعن ضغوط عائلته. وشككتُ في أحمد."
"يبدو أن زينب تلعب لعبة مزدوجة،" قال كريم. "ربما تريد أن تتخلص من أحمد، وفي نفس الوقت، أن تربطكِ بي. لكنني لا أحب أن ألعب دوراً في خطط الآخرين."
كانت هذه الكلمات بمثابة صدمة جديدة لليلى. لقد شعرت بأنها قد وقعت في فخ، وأن هناك من يخطط لمستقبلها دون علمها.
واصلا سيرهما، حتى وصلا إلى منزل قديم، يبدو مهجوراً. كان الباب موارباً، وتسلل منه ضوء خافت.
"هنا،" قال كريم. "هذا هو العنوان."
تنفست ليلى بعمق، وقرعت الباب. لم يرد أحد. دفعت الباب، ففتحت بسهولة. دخلت ليلى وكريم، ليجدا نفسيهما في غرفة مظلمة، لا يضيئها سوى مصباح قديم.
في وسط الغرفة، كان يجلس رجل، يبدو منهكاً، ومتألماً. كان أحمد.
"أحمد!" صرخت ليلى، وهرعت نحوه.
"ليلى!" قال أحمد بصوت ضعيف. "كنت أتوقع أن تأتي."
"ماذا حدث؟" سألت ليلى، وهي تفحص جروحه.
"لقد وقعت في فخ،" قال أحمد. "كان هناك شخص ما، أعتقد أنه أحد رجال أعمال عائلتي، يحاول أن يفبرك جريمة ضدي. لقد اتهموني بالاحتيال، وألقوا بي هنا. لكنني عرفت أن لديكِ أوراقاً مهمة، وثائق تثبت براءتي. ولذلك، أرسلت لكِ تلك الرسالة."
"وثائق؟" سألت ليلى. "أي وثائق؟"
"وثائق تتعلق بالصفقة التي كانوا يحاولون تمريرها،" أوضح أحمد. "إنها صفقة مشبوهة، وتحمل توقيعي بشكل مزور. لقد كان لديّ بعض الأدلة، وأخفيتها قبل أن يمسكوني."
"من فعل هذا؟" سأل كريم، ووجهه يعبر عن الغضب.
"لا أعرف بالضبط،" قال أحمد. "لكنني أعتقد أنه شخص ذو نفوذ في عائلتي. شخص لا يريد أن تكشف الحقيقة."
"ولماذا لم تتصل بي؟" سألت ليلى. "ولماذا لم تتصل بكريم؟"
"كان هاتفي مراقباً،" قال أحمد. "ولذلك، لم أستطع الاتصال إلا برسالة سريعة لرقم كريم، ولهذا السبب، أردتُ أن تأتي أنتِ وحدكِ، لأنكِ الوحيدة التي تثقين بها، والتي يمكن أن تساعديني دون أن تثيري الشبهات."
"ولكن... عمتي زينب،" قالت ليلى. "لقد أخبرتني أشياء كثيرة عنك."
نظر أحمد إلى ليلى بتفاجؤ. "زينب؟ ماذا قالت لكِ؟"
"قالت إن لديكِ زواجاً مرتباً، وأنك تخفي عني أموراً. وأنك تخاف من عائلتك، وأنك تعيش حياة مزدوجة."
تنهد أحمد بعمق. "هذا كلّه كذب. زينب... كانت دائماً تحاول أن تفصلني عنكِ. لقد حاولت أن تتلاعب بمشاعركِ. وأما بخصوص زواج مرتب، فهذا غير صحيح. أنا أحبكِ أنتِ، وليلى، ولا أريد أحداً سواكِ."
شعر أحمد بأن كل ما حدث قد جعله يدرك قيمة ليلى. "عندما كنتُ هنا، وحيداً، كنتُ أفكر فيكِ فقط. كنتُ أفكر كيف أنني قد أضيعكِ بسبب هذه المشاكل."
"ولكن،" قالت ليلى، "ماذا عن كريم؟ وما علاقة زينب به؟"
"زينب هي عمتي،" قال كريم. "ولكنها تحاول دائماً أن تتحكم في حياة الآخرين. لقد حاولت أن تقنعني بأن أتزوج ليلى، لتبعدها عنك."
"وهذا ما فعلته،" قال أحمد. "لقد أخبرتني زينب أن ليلى قد بدأت تبتعد عني، وأنها تفكر في شخص آخر."
"هل هذا صحيح؟" سأل أحمد، وعيناه تبحثان عن إجابة في عيني ليلى.
"لا،" قالت ليلى. "لم أكن أفكر في أحد سواك. لكنني كنتُ مصدقة لكلامها. لقد جعلتني أشك فيك."
"إذاً، كل هذه المشاكل، كانت بسبب زينب،" قال كريم. "هي التي خططت لكل هذا."
"تقريباً،" قال أحمد. "ولكن لا يزال هناك الشخص الذي يوجهها، والذي يريد أن يفبرك الجريمة ضدي."
"يجب أن نخرج من هنا،" قالت ليلى. "ونكشف كل شيء."
"نعم،" قال أحمد. "ولديّ خطة."
في هذه اللحظة، بدأ صوت خطوات تقترب. "يبدو أنهم قادمون،" قال كريم. "يجب أن نتحرك بسرعة."
نظر أحمد إلى ليلى، وابتسامة خفيفة ارتسمت على وجهه. "أنا آسف، يا ليلى. آسف لأنني تركتكِ تشكين بي. لكنني الآن، أريد أن أبني معكِ مستقبلاً لا يكون فيه خوف، ولا شك."
"وأنا أيضاً،" قالت ليلى، وشعرت بأن قلبيها قد عاد نبضهما كقلب واحد.