حب الأبطال الجزء الثاني

رياح الماضي وصوت الأذان

بقلم مريم الحسن

كانت عيناه، اللتان اعتادتا على اختراق سكون الصحراء في لحظات الشدة، ترقبان بصبرٍ خارقٍ الأفق البعيد. لم يكن ذلك الصبر ضعفًا، بل قوةٌ كامنةٌ، مستودعُ حزمٍ وطولِ بالٍ، يورثهما رجلٌ قضى شبابه بين رمالٍ لا تعرف الكلل، وبين واجباتٍ لا تعرف الهوينة. كان "نور الدين"، الشاب الثلاثيني الذي اعتلى عرش سمعةٍ طيبةٍ في قبيلته، واقفًا على شفا تلةٍ صخريةٍ تطل على وادي "العين الصافية"، حيث امتدت خيام عائلته البيضاء كزهرةٍ نديةٍ في صحراءٍ جرداء.

الهواء كان يحمل معه همساتٍ خفيفةً، تعلو وتنخفض مع اهتزازات السعف النخيلي القريب. الشمس، وهي تودع السماء بلونٍ ذهبيٍّ مائلٍ للحمرة، ألقت بظلالٍ طويلةٍ على الرمال، يرسمها شخوصٌ عائدون من مراعي الإبل، ونساءٌ يملأن قرب الماء. في تلك اللحظة، لم يكن نور الدين يتأمل الغروب بقدر ما كان يستشعر ثقل المسؤولية الملقاة على عاتقه. كانت روحه تتوق إلى هدوءٍ بعد عاصفةٍ كادت أن تقتلع جذور استقراره، عاصفةٍ تركت ندوبًا لا تراها العين، لكنها تسري في عروق القلب.

جاء الصوت الخافت ليعلن نهاية النهار، ثم ارتفع شيئًا فشيئًا، متوغلًا في الأرجاء، متجاوزًا التلال والحصى، ليصدح بـ "الله أكبر" الذي كان يرن في أذنيه كأنه لحنٌ مقدسٌ قادمٌ من السماء. أغمض عينيه للحظة، مستسلمًا لسكينةٍ غمرت كيانه. ذلك الصوت، صوت الأذان، كان يذكره دائمًا بالصراط المستقيم، بالثوابت التي لا تتغير، باليقين الذي لا يتزعزع.

فتح نور الدين عينيه، ليجد أمامه "فاطمة"، أخته الصغرى، تقف على بعد خطواتٍ قليلة، بملابسها البسيطة المطرزة بخيوطٍ فضيةٍ رقيقة، وشعرها الأسود الداكن المنسدل على كتفيها كليلٍ حالك. كانت تحمل بين يديها إبريقًا نحاسيًا فضيًا، وعليه آثارُ يدٍ ماهرةٍ اعتنت به.

"أخي نور الدين، لقد تأخرت. الطعام قد برد." قالت بصوتٍ هادئٍ، خالٍ من أي عتاب، بل يحمل بين طياته قلقًا أبويًا.

ابتسم نور الدين، ابتسامةً خجولةً لكنها صادقة، كشفت عن لمعةٍ في عينيه الداكنتين. "لا تقلقي يا أختي، لم أغب بعيدًا. كنتُ أتأملُ خيولنا الأصيلة، وهي تتجه نحو سربها."

اقتربت فاطمة، ووضعت الإبريق بلطفٍ على الأرض. "والدنا ينتظر. وقد سألت عنك مرارًا. يقول إن غيابك يترك فراغًا في مجلسه."

تنهد نور الدين، واستقام في وقفته. "حقًا. دعيني أغتسل. وسأكون عنده حالًا."

اتجه نحو خيمته، حيث استقبله "الشيخ سالم"، والده، بوجهه الذي رسمت عليه التجاعيد قصة عمرٍ طويلٍ مليءٍ بالعطاء والحكمة. كان الشيخ سالم، رغم تقدمه في السن، لا يزال يحمل في عينيه بريق الشباب، وروحًا لا تعرف الهرم.

"أهلاً بك يا بني. كنتُ أخشى أن تكون قد ضلت الطريق في هذه الظلال الممتدة." قال الشيخ سالم بصوته العميق، الذي كان يحمل معه دفء الشمس وخشونة الرمال.

جلس نور الدين قرب والده، وبدأ يصب الماء على يديه ووجهه. "الحمد لله، لم أضلل الطريق يا والدي. كنتُ فقط أستنشق هواءً نقيًا، وأستمع إلى أصوات الطبيعة."

"الطبيعة تخبرنا أحيانًا بما لا ندركه نحن." قال الشيخ سالم، ثم أشار إلى صحنٍ كبيرٍ من التمر والخبز. "تفضل. فما من قصةٍ أجمل من قصةٍ تبدأ بلقاء الأهل."

تناول نور الدين تمرة، وارتشف منها حلاوةً طبيعيةً. "والدي، هل من أخبارٍ جديدةٍ من بعيد؟"

نظر الشيخ سالم إليه، وأدرك أن الابن لا يزال يعيش في دوامة القلق. "الأخبار تدور كما تدور رحى الطاحونة يا بني. بعضها يطحن خيرًا، وبعضها الآخر يطحن شرًا. لا تقلق. كل ما هو آتٍ، فهو من عند الله."

"لكن يا والدي، ما حدث مع تجار "وادي السباع" لم يكن مجرد قدرٍ. كان هناك أيادٍ خبيثةٌ سعت لتدميرهم، وبالتالي، سعت لزعزعة استقرارنا." قال نور الدين، وعلامات الاستياء تعلو وجهه.

"ونحن، بفضل الله، ثم بفضل حكمتك وشجاعتك، لم ندع لهم سبيلًا." رد الشيخ سالم، ونظر إليه بفخرٍ كبير. "لقد أثبتت يا نور الدين أنك خير سلفٍ لخير خلف. لقد أظهرت لهم أن أرضنا ليست لقمةً سائغةً لمن يتجرأ على الاعتداء على أهلها."

كان الشيخ سالم يعلم جيدًا ما تعرض له نور الدين قبل أشهر. غزوٌ مسلحٌ نظمته عصابةٌ من "وادي السباع" هدفه نهب قافلةٍ ثمينةٍ كانت عائدةً من "سوق الحرير"، وكانت تحمل بضائع ثمينةً لأهل القبيلة. لقد كان نور الدين، رغم قلّة عدده، في طليعة من تصدوا للمعتدين، وبتخطيطٍ استراتيجيٍّ عالٍ، وبشجاعةٍ أسطوريةٍ، تمكن من إحباط الهجوم، وأسر زعيمهم، بل ودفعه للاعتراف بمن كان وراءه.

"لم يكن ذلك بجهدي وحدي يا والدي. كان بفضل إيماننا، وبركة الله." قال نور الدين بتواضعٍ. "ولكن، القلق يكمن في أن من يقف خلفهم لم يظهر بعد. يريدون أن يلعبوا لعبةً خفيةً."

"واللعب الخفي، يا بني، يتطلب عينًا يقظةً، وعقلًا متيقظًا. وهذا ما تمتلكه أنت." قال الشيخ سالم، ثم وضع يده على كتف ابنه. "تذكر، يا نور الدين، أن كل تحدٍّ نواجهه، هو فرصةٌ لنا لنزداد قوةً وإيمانًا. وما حدث لم يكن نهاية الطريق، بل ربما بدايةً لشيءٍ أكبر."

رفع نور الدين رأسه، وابتسم ابتسامةً تحمل بين طياتها تصميمًا جديدًا. "أعلم يا والدي. ولذلك، يجب أن نكون مستعدين. ليس فقط لصد الهجمات، بل لاستباقها."

"وهل لديك خطةٌ ما؟" سأل الشيخ سالم، وعيناه تلمعان بترقب.

"نعم يا والدي." قال نور الدين، وصوته أصبح أكثر حزمًا. "الليلة، سأعدّ فريقًا صغيرًا من خيرة رجالنا، وسنتوجه إلى "عين القطران". سمعتُ أن بعض الأشخاص المشبوهين قد لوحظوا هناك مؤخرًا. هم ليسوا من أهل المنطقة، ولا نعرف غايتهم. ولكن، وجودهم قرب منابع الماء، قد يعني شيئًا."

"عين القطران؟" استعاد الشيخ سالم. "إنها منطقةٌ وعرةٌ، وصعبةُ المسالك. لا أنصح بالذهاب إليها في الظلام."

"الظلام يا والدي، قد يكون أفضل حليفٍ لنا. سيخفي تحركاتنا، ويجعلنا أقرب إلى المفاجأة." قال نور الدين، وبدأ ينهض. "أرجو أن تعذرني. يجب أن أجهز نفسي."

نظر الشيخ سالم إلى ابنه، ورأى فيه الشعلة التي لم تنطفئ. "اذهب يا بني. والله معك. وأخبرني ما تجده. ولا تنسَ وصيتي: القوة في الحق، والحكمة في الصبر."

خرج نور الدين من خيمته، ونظر إلى السماء التي بدأت تغرق في سواد الليل، وتزينها ملايين النجوم كحبات ماسٍ متناثرة. تذكر كلمات والده، وكلمات جدته قبل وفاتها، عن أهمية الحفاظ على الشرف، وعلى الأرض، وعلى العائلة. كان يحمل في قلبه حبًا عميقًا لعائلته، ولمجتمعه، حبًا جعله مستعدًا للتضحية بكل شيءٍ في سبيله.

كانت "العين الصافية" بلدةً صغيرةً، تعيش على خيراتها، وتمتد بيوتها الطينية المتواضعة جنبًا إلى جنب مع نخيلها الباسق. مجتمعٌ بسيطٌ، لكنه كريمٌ، متماسكٌ، يعرف قيمة الجار، ويقدر الضيف. نور الدين، بصفته الابن الأكبر والمسؤول عن إدارة أملاك والده، كان يمثل حجر الزاوية في هذا المجتمع.

بينما كان يخطو نحو خيمته، مرت به "ليلى". ليلى، ابنة خاله، والتي كانت تشاركه أجمل ذكرياته، وتتشارك معه أحلامه، وإن لم يفصح لها عن الكثير. كانت تقف عند باب خيمتها، وعيناها تراقبان خطواته. عندما لمحته، ابتسمت ابتسامةً خفيفةً، وكأنها تقول: "أنت دائمًا في بالي."

أومأ لها نور الدين برأسه، وتابع طريقه، لكنه شعر بقلبه يتسارع قليلاً. ليلى، كانت دائمًا تمثل له شيئًا خاصًا. مزيجًا من الذكريات الجميلة، والأمل في مستقبلٍ مشرقٍ. كانت تشبه نغمًا هادئًا في صخب حياته، ونسيمًا عليلًا يلطف حرارة أيامه.

وصل نور الدين إلى خيمته، وبدأ يجهز نفسه. جمع حقيبةً صغيرةً تحتوي على بعض المؤن، وسكينًا حادًا، وحبلًا قويًا. ثم نادى على "جابر"، رفيقه المخلص، والذي كان بمثابة أخٍ له.

"جابر! تعال إليّ حالًا."

جاء جابر، شابٌ وسيمٌ، قوي البنية، مخلصٌ لوجه الله، ولنور الدين. "أمرك يا سيدي."

"لدينا مهمةٌ الليلة يا جابر. مهمةٌ تتطلب منا الذهاب إلى عين القطران. هل أنت معي؟"

لم يتردد جابر لحظة. "أينما ذهبت يا سيدي، أكون معك. عين القطران؟ وهل هناك خطر؟"

"لا نعلم بعد. ولكن، وجود أناسٍ غرباء قرب منابع الماء، لا يبشر بخير. أريدك أن تجمع لي خمسةً من خيرة رجالنا، ممن يثقون بنا، ويتقنون فنون الصيد والتخفي."

"سأفعل يا سيدي. ومن تختار؟"

"خالد، وصالح، وحمزة، وعبدالله، وعمر. هم الأقوى والأكثر خبرةً."

"فهمت. سأجمعهم خلال نصف ساعة." قال جابر، وانطلق مسرعًا.

وقف نور الدين في الظلام، يستمع إلى صوت صراصير الليل، وصوت الرياح وهي تداعب أوراق الشجر. كان يعلم أن الطريق إلى عين القطران لن يكون سهلًا. لكنه كان مستعدًا. مستعدًا لكل ما سيواجهه، من أجل أهله، ومن أجل أرضه. كانت تلك الرمال، وتلك الجبال، وتلك السماء، هي وطنه. وكان حبه لها، ووعده بحمايتها، هو ما يدفعه للأمام، دومًا وأبدًا.

تحركت الشعلة الخافتة في قلبه، تلتهب مع كل ذكرى، ومع كل واجب. لم يكن نور الدين مجرد رجلٍ عادي، بل كان بطلاً، يسعى دائمًا لإحقاق الحق، ودفع الظلم. والآن، كانت مغامرته القادمة على وشك أن تبدأ. مغامرةٌ قد تكشف له عن أسرارٍ دفينةٍ، وقد تقوده إلى منعطفٍ لا يتوقعه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%