حب الأبطال الجزء الثاني

غيمةٌ تظلل سماء الأمل

بقلم مريم الحسن

جلستْ نور على أريكة الديوان، تعبث بأصابعها المتشابكة. ضوء شمس الأصيل ينساب من النوافذ العالية، راسماً بقعاً ذهبية على السجاد العجمي الفاخر. كانت الغرفة هادئة، إلا من صوت دقات قلبها المتسارعة، وشعور غامض بالوحشة بدأ يتسرب إلى روحها. منذ الأمس، وكلما أغمضت عينيها، رأت وجه يزيد، وجهه الذي كان يوماً رمزاً للأمان والطمأنينة، أصبح الآن مصدر قلقٍ دفين.

تنهدتْ بعمق، ونظرت إلى والدتها التي كانت مشغولة بترتيب بعض المقتنيات القديمة في صندوق خشبي منحوت. "أمّاه، هل أنتِ متأكدة أن كل شيء سيكون على ما يرام؟" سألت بصوتٍ خافت، يكاد يضيع في سكون المكان.

ابتسمتْ السيدة فاطمة ابتسامة حانية، ووضعت يدها على كتف ابنتها. "يا ابنتي، هل تنسين أن الله معنا؟ لطالما تجاوزنا الصعاب بفضل منه وكرمه. هذه مجرد فتنة عابرة، وستنجلين بإذن الله."

"لكنّي أخشى يا أمّاه. أخشى أن تكون العواقب أكبر مما نتخيل. حديث يزيد بالأمس تركني قلقةً جداً. شعرتُ بأن خلف كلماته المستعذبة شيئاً يخفيه، شيئاً قد يضر بنا جميعاً."

"وما الذي جعلكِ تشعرين بذلك؟" سألت السيدة فاطمة، وهي تترك الصندوق وتجلس بجوار ابنتها. "يزيد رجلٌ طيبٌ، وقد أثبتَ ذلك مراراً وتكراراً. ربما تشعرين بالقلق لمجرد أن الأمور بدأت تهدأ بعد تلك الأزمة التي مررنا بها."

"لا يا أمّاه، الأمر أعمق من ذلك. لقد رأيتُ في عينيه بريقاً مختلفاً، بريقاً لم أعهده من قبل. بدا وكأنه يحمل ثقلاً لا يستطيع البوح به. والهم الذي اعتلى وجهه... إنّه همٌّ لا يتعلق بنا وحدنا، بل يبدو أكبر."

صمتتْ السيدة فاطمة للحظة، ثم قالت بحكمة: "نحن لا نملك إلا أن نحسن الظن، وأن نلجأ إلى الدعاء. وإن كان لدى يزيد ما يقلقه، فسيأتي اليوم الذي يبوح لنا فيه. أما نحن، فعلينا أن نستعد لأي احتمال، وأن نحافظ على تماسكنا. هل تحدثتِ مع رامي؟"

تورد وجه نور قليلاً. "نعم، تحدثتُ معه. كان قلقاً أيضاً. قال إنه سيحاول التحدث مع يزيد مرة أخرى، ولكنّه كان يبدو محبطاً."

"رامي صبورٌ وحكيم، ولكنّ يزيد عنيدٌ كأبيه. لا بأس، سأذهب أنا لأتحدث مع والدته بعد صلاة العشاء. ربما نستطيع نحن النساء أن نجد حلاً لم يوفق فيه الرجال."

كانت نور تشعر ببعض الراحة لكلام والدتها، ولكنّها لم تستطع تبديد الصورة التي في رأسها. صورة يزيد وهو يتحدث عن "مسؤولياتٍ لا مفر منها" و"أثمانٍ يجب دفعها". ما هي تلك المسؤوليات؟ وما هي تلك الأثمان؟ كانت تشعر بأن حبل الأمان الذي يربطها بحياتها المستقرة بدأ يتآكل ببطء، وأن غيمةً قاتمة تظلل سماء أملها.

في الجهة الأخرى من المدينة، في مكتبه الذي يفوح بعبق التاريخ والكتب القديمة، كان رامي يتصفح بعض الوثائق. أضواء المكتب الخافتة ألقت ظلالاً طويلة على وجهه، وتجاعيد القلق بدت واضحة على جبينه. لقد تحدث مع يزيد صباح اليوم، لكنّ الحديث لم يثمر إلا عن مزيدٍ من الغموض.

"يزيد، أرجوك! أخبرني بما يقلقك. هل هناك ما نخاف منه؟ هل هناك خطرٌ يحدق بنا؟" كان رامي قد قالها بعينين مليئتين بالإلحاح.

لكنّ يزيد قد هزّ رأسه بأسف. "رامي، أنت تعرفني. لو كان الأمر يتعلق بي وحدي، لقلت لك. لكنّ هذا الأمر أكبر. يتعلق بأشياء لا أستطيع أن أبدأ في شرحها الآن. ثق بي، ثق بحكمتي. فقط كن مستعداً."

"مستعداً لماذا؟" صاح رامي، وقد بدأ صبره ينفد. "يزيد، أنت تتحدث بلغة الألغاز! إنّ نور قلقة، وعائلتك قلقة. الجميع يشعر بأن شيئاً ما يحدث، وأنت الوحيد الذي تعرف ما هو، وتأبى أن تشاركنا."

"لأنّ المشاركة قد تجعل الأمور أسوأ، يا صديقي. هناك أشخاصٌ لا يجب أن يعرفوا شيئاً. هناك مصالحٌ معقدة. كل ما أطلبه منك الآن هو أن تثق بي، وأن تتركني أتعامل مع هذا الأمر بالطريقة التي أراها مناسبة. أعدك، بأنني عندما أستطيع، سأكشف لك كل شيء."

كانت كلمات يزيد صعبة الاستيعاب بالنسبة لرامي. لطالما كان يزيد رجل القانون، رجل المنطق. لكنّ تصرفاته الأخيرة كانت تبتعد عن ذلك. هل أصبح يلعب لعبةً لا يفهمها؟

بعد انتهاء المكالمة، شعر رامي بالإرهاق. لقد حاول جاهداً أن يصل إلى قلبه صديقه، لكنّ السور الذي بناه حول نفسه كان عالياً جداً. رفع بصره إلى صورةٍ له مع يزيد في أيام الدراسة، ابتسامتهما البريئة تعكس شباباً بلا هموم. الآن، أصبح همٌّ واحدٌ يسيطر على تفكير يزيد.

"ما الذي يجعلك تتصرف هكذا يا يزيد؟" تمتم رامي لنفسه. "هل هي ضغوط العمل؟ هل هناك ما يتعلق بماضي عائلتك؟"

تذكر رامي حديثاً سابقاً له مع يزيد عن والده. كان والد يزيد رجلاً صاحب نفوذٍ كبير، لكنه كان غامضاً أيضاً. هل كانت هناك أسرارٌ دفينة تتعلق به؟

أغلق رامي الملفات أمامه، وقرر أن يتخذ خطوةً جريئة. إذا لم يكن يزيد مستعداً للحديث، فربما كان عليه أن يبحث عن إجاباتٍ بنفسه. لقد اكتشف في الأيام الماضية بعض الأمور الغريبة المتعلقة ببعض التحويلات المالية والاجتماعات المشبوهة التي حضرها يزيد مؤخراً. لم يكن يستطيع ربط هذه الأمور ببعضها البعض، لكنّها كانت تثير قلقه.

نهض رامي من مكتبه، ونظر إلى الخارج من النافذة. كانت السماء قد بدأت تتشح بالسواد، وتتلألأ فيها النجوم البعيدة. كانت تلك النجوم تذكره بأن هناك دائماً نوراً في نهاية الظلام، وأن الأمل يبقى شمعةً لا تنطفئ. ولكنّ هذا الأمل كان يتطلب منه جهداً أكبر، وصبراً أشد، وشجاعةً لا تعرف الكلل. إنّ قصة حبّه لنور، وسلامة عائلتيهما، أصبحت الآن على المحك، وكان عليه أن يفعل كل ما بوسعه لحمايتها.

في تلك اللحظة، اتخذ رامي قراره. لن ينتظر. سيبدأ في البحث عن الحقيقة بنفسه، مهما كان الثمن. كانت غيمة القلق قد تجمعت فوق سماء أمله، لكنّه كان مصمماً على أن يجد طريقاً إليها، وأن يعيد إليها نور الشمس المشرقة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%