حب الأبطال الجزء الثاني

همس الماضي وأسرار الحاضر

بقلم مريم الحسن

كانت رائحة الياسمين تفوح من شرفة غرفة نور، ممزوجةً بعبق بخور العود الذي كانت والدتها قد أشعلته. جلستْ نور تراقب هلال المساء الذي بدأ يظهر في السماء، كشاهدٍ صامتٍ على أحداثٍ تتكشف. شعرتْ ببرودةٍ لطيفةٍ تتسلل إلى عظامها، مع كل نسمة هواءٍ باردة. لم تكن البرودة جسدية، بل كانت نابعةً من عمق قلقٍ استوطن قلبها.

"هل أنتِ بخير يا ابنتي؟" صوت السيدة فاطمة جاء حنوناً، كسربٍ من البلابل التي تغرد في حديقةٍ غنّاء.

"الحمد لله يا أمّاه. فقط أفكر." أجابت نور، وهي تستدير بوجهها نحو والدتها التي كانت تحمل كوبين من الشاي الساخن.

"في ماذا تفكرين؟" سألت السيدة فاطمة، وهي تقدم لنور كوبها. "هل في كلام يزيد؟"

أومأت نور برأسها، وأخذت رشفةً من الشاي. "نعم يا أمّاه. كلما فكرتُ في الأمر، زاد قلقي. إنه يتصرف بغرابةٍ منذ أيام. وكأنّه يحمل عبئاً ثقيلاً."

"ربما يحاول حمايتنا بطريقته." قالت السيدة فاطمة، وهي تجلس بجوار ابنتها. "يزيد يحبّكِ، ونحن جميعاً نحبّه. لو كان الأمر يتعلق بنا، لقال لنا. لكنّ ما يشغله يبدو أنه أعمق من ذلك."

"ولكنّ هذا الغموض هو ما يزعجني. هل تعتقدين أنّه قد يكون له علاقة بما حدث لوالده؟" سألت نور، وهي تنظر إلى عيني والدتها.

ترددت السيدة فاطمة قليلاً، ثم قالت: "والد يزيد كان رجلاً له مواقفه. كثيرون استفادوا منه، وكثيرون أيضاً قد يكون لديهم حساباتٌ معه. لا يمكننا الجزم بشيء."

"ولكنّ ما حدث له لم يكن طبيعياً. فقدانه المفاجئ، وكيف أن الأمور لم يتم توضيحها بشكلٍ كامل..." قالت نور، وهي تتذكر تلك الفترة العصيبة التي مرت على العائلتين.

"بعض الأسرار تبقى دفينة، يا ابنتي. ليس كل ما يظهر لنا يكون هو الحقيقة الكاملة. الأهم الآن هو أن نركز على حاضرنا ومستقبلنا. وعلاقتكِ بيزيد، وعلاقة رامي بـ... لا، لا أريد أن أقول اسمها."

ابتسمت نور ابتسامةً خفيفة، رغم ثقل الهم. "رامي لا يزال يحاول التحدث إليه. وهو أيضاً يشعر بأنّ هناك شيئاً ما. لكنّ يزيد يضع حواجز."

"صبر رامي هو ما يجعله مميزاً. وهو يحبّكِ كثيراً. لا تقلقي عليه. هو يعرف كيف يتعامل مع الأمور."

"ولكنّني أخشى يا أمّاه، أخشى أن يكون يزيد قد تورط في شيءٍ لا يمكنه الخروج منه. أخشى أن يؤثر ذلك على مستقبلنا، على مستقبلنا جميعاً."

"وهل هو مجرد قلقٍ عادي؟ أم أنكِ رأيتِ شيئاً بعينيكِ؟" سألت السيدة فاطمة، وقد لاحظتْ ارتعاشةً خفيفةً في صوت ابنتها.

"لقد تحدثتُ إليه بالأمس، وأردتُ أن أطمئن عليه. سألته عن سبب تأخره عن موعدنا. فقال لي إنّه كان في اجتماعٍ مهمٍ مع بعض الشخصيات البارزة."

"اجتماع؟ ومن هم هؤلاء الشخصيات؟"

"لم يذكر أسماءً. قال فقط إنّهم رجالٌ يعرفون معنى المسؤولية، وأنّ الأمور معقدة. ثم قال لي كلماتٍ أشعر بأنّها ستظل عالقةً في ذهني: 'أحياناً يا نور، لكي نحمي ما نحب، علينا أن نتنازل عن بعض ما نريد. وأن ندفع أثماناً لا يعرفها إلا الله'."

تنهدت السيدة فاطمة بعمق. "كلماتٌ ثقيلةٌ يا نور. يبدو أن يزيد يمرّ بمرحلةٍ صعبة. لا بدّ أنّه يشعر بضغطٍ كبير."

"ولكنّي لم أشأ أن أضغط عليه. اكتفيتُ بأن قلت له إنّني سأنتظره، وإنّني سأكون بجانبه مهما كان. ثمّ قال لي إنه سيتصل بي لاحقاً، ولكنه لم يفعل."

"ربما لم يتمكن. ربما انشغل بأمرٍ طارئ." قالت السيدة فاطمة، محاولةً تهدئة ابنتها. "علينا أن نمنحه بعض الوقت. ونحن، علينا أن ندعو الله أن ييسّر أمره، وأن يكشف له الطريق الصحيح."

في هذه الأثناء، كان رامي قد بدأ رحلةً خاصةً به في البحث عن إجابات. بعد أن فشل في استجواب يزيد، قرر أن يستعين بخبرته كمحامٍ. لقد بدأ بتتبع بعض التحويلات المالية التي وجدها بالصدفة في ملفاتٍ قديمةٍ تخصّ والد يزيد. كانت تلك التحويلات غريبة، لم تكن منطقيةً في سياق الأعمال المعروفة لوالده. كانت هناك مبالغٌ كبيرةٌ تُرسل إلى جهاتٍ غير واضحة، وكأنّها مدفوعاتٌ مقابل خدماتٍ سرية.

أمضى رامي ساعاتٍ طويلةً في مكتبه، محاطاً بالأوراق والملفات. كان يشعر بأنّه يقف على عتبة اكتشافٍ كبير، ولكنه كان اكتشافاً مرعباً في نفس الوقت. هل كان يزيد متورطاً في أعمالٍ مشبوهة؟ هل كان ضحيةً لظروفٍ أجبرته على اتخاذ قراراتٍ خاطئة؟

تذكر رامي أحد الأحاديث التي دارت بينه وبين يزيد قبل خطبته من نور. كان يزيد قد تحدث عن والده بشيءٍ من الغموض. كان يقول إنّ والده كان رجلاً عظيماً، لكنّ له أعداءً كثيرين. وكان دائماً يحذّر يزيد من الانجراف في عالمٍ قد لا يفهمه.

"ما الذي كنت تحاول تحذيري منه يا عمي؟" تمتم رامي لنفسه، وهو ينظر إلى صورةٍ قديمةٍ لوالد يزيد. "هل كنت تعلم بأنّ هذه الأسرار ستنتقل إليك؟"

وجد رامي سلسلةً من رسائل البريد الإلكتروني القديمة، تحتوي على مراسلاتٍ بين والد يزيد وشخصٍ مجهول. كانت اللغة المستخدمة غامضة، مليئةً بالرموز والإشارات. لكنّ شيئاً واحداً كان واضحاً: كان هناك اتفاقٌ ما، صفقةٌ سريةٌ تتضمن مبالغاً طائلة.

"من هو هذا الشخص؟ وما هي هذه الصفقة؟" سأل رامي نفسه، وهو يشعر بأنّ عروقه تتجمد.

كانت تلك الرسائل كافيةً لتبثّ القلق في نفس أيّ رجلٍ عاقل. هل كان والد يزيد متورطاً في شيءٍ غير قانوني؟ وهل كان يزيد الآن يحاول تدارك الأخطاء القديمة، أو ربما استكمالها؟

وفجأة، خطرت بباله فكرة. لقد ذكر يزيد قبل فترةٍ قصيرةٍ أنّه سيحضر اجتماعاً مع "بعض المستثمرين" الذين يملكون "رؤيةً استراتيجية". ربما لم يكن هؤلاء مستثمرين عاديين. ربما كانوا هم الأشخاص الذين تحدث عنهم والده.

قرر رامي أن يتبع مسار تلك التحويلات المالية. كان يعرف أن هذا الطريق قد يكون خطيراً، ولكنه لم يجد خياراً آخر. حياة نور، وسمعة عائلته، كلّ شيءٍ أصبح على المحك. كان عليه أن يكشف الحقيقة، وأن يفعل ذلك بسرعة.

في تلك الليلة، وبينما كانت نور تراقب هلال المساء، وشعورها بالوحدة يتزايد، كان رامي قد بدأ رحلته إلى المجهول. همس الماضي بدأ يتردد في أذنيه، وأسرار الحاضر كانت تلوح في الأفق. كان يعلم أنّه يقترب من شيءٍ خطير، ولكنه كان مستعداً لمواجهته، من أجل نور، ومن أجل المستقبل الذي يحلم به.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%