حب الأبطال الجزء الثاني
رياح التغيير وأحلام محطمة
بقلم مريم الحسن
تسللتْ نور من غرفتها بهدوء، بعد أن تأكدتْ من نوم والدتها. كان الهواء ليلياً بارداً، لكنّ برودة قلبها كانت أشدّ قسوة. انحدرتْ السلالم الخشبية ببطء، وكلّ خطوةٍ كانت تزيد من ثقل أحاسيسها. وصلتْ إلى حديقة المنزل الخلفية، حيث اعتادتْ أن تجلس في لحظاتِ صفائها، أو حيرتها.
تحت ضوء القمر الخافت، الذي كان ينساب من بين أغصان الأشجار، جلستْ على مقعدٍ حجريٍّ قديم. كانت الأوراق المتساقطة على الأرض تحكي قصصاً عن رحيلٍ وشيك. كانت تتمنى لو تستطيع أن تتنازل عن حلمها، عن حياتها المستقرة، إن كان هذا هو الثمن المطلوب. ولكنّها كانت تشعر بأنّها لا تملك القوة الكافية لفعل ذلك.
"هل أنتِ بخير يا عزيزتي؟" صوتٌ هادئٌ جاء من خلفها.
استدارتْ نور مفزوعةً، لتجد والدها يقف خلفها، بثيابه البيتية المريحة.
"أبي! لم أكن أعلم أنك ما زلت مستيقظاً." قالت، محاولةً إخفاء قلقها.
"لا استطيع النوم. أشعر بشيءٍ ما. ربما هو إحساس الأب الذي لا يريد لابنته إلا كلّ خير." قال، وهو يجلس بجانبها. "هل ما زلتِ قلقةً بشأن يزيد؟"
أومأتْ نور. "نعم يا أبي. الأمر لا يقتضي. كلماته، وتصرفاته، كلّها تبعث على القلق."
"لقد تحدثتُ معه اليوم." قال الأب، وهو يتنفس بعمق. "حاولتُ أن أجعله يتكلم، أن يطمئنني. لكنّه كان كالحائط."
"ماذا قال لك؟" سألت نور بلهفة.
"قال لي إنّ لديه مسؤولياتٍ جديدة، وأنّ بعض الأشياء في حياته قد تتغير. قال إنّ هذه التغييرات ضروريةٌ من أجل مستقبلٍ أفضل. ولكنّه لم يفصح عن طبيعة هذه التغييرات، أو عن الأشخاص الذين يقف وراءها."
"مستقبلٌ أفضل؟ ولكنّي أشعر بأنّ هذا المستقبل قد يكون مدمراً." قالت نور، وعيناها تلمعان بالدموع.
"ابنتي، كلّ ما نستطيع فعله الآن هو أن ندعو الله. وأن نحافظ على تماسكنا. رامي معك، ونحن معك. لا تدعي القلق يسيطر عليكِ."
"ولكنّي أخاف يا أبي. أخاف أن أكون قد بنيتُ أحلامي على أساسٍ واهٍ."
"الأحلام تبنى على القلوب الصادقة، يا ابنتي. وقدرة الله هي فوق كلّ شيء. ربما تكون هذه الأزمة ابتلاءً، لتختبر صلابتكِ، وصلابة يزيد. ربما يكون هذا هو طريقكم لتعزيز ثقتكم ببعضكم البعض، وبالله."
"هل تعتقد حقاً ذلك؟"
"أنا أؤمن بذلك. ولكنّي أيضاً أدرك أنّ الأمور ليست دائماً سهلة. هناك أشخاصٌ في هذا العالم، مصالحهم تتجاوز الحدود الأخلاقية. ولكنّ العدل الإلهي موجود، وسيظهر الحقّ."
توقفتْ نور عن الكلام، وهي تفكر في كلمات والدها. كانت تحاول أن تجد بصيص أملٍ في هذا الظلام.
في نفس الوقت، كان رامي قد وصل إلى نقطةٍ مفصليةٍ في تحقيقاته. لقد استطاع أن يتعقب أحد الأرقام البنكية التي وردت في رسائل والد يزيد، وقاده ذلك إلى شركةٍ وهميةٍ مقرها في إحدى دول الجزر، ولكنّ أوراقها تشير إلى أنّها مملوكةٌ لرجل أعمالٍ كبيرٍ وذو نفوذٍ واسع، يُدعى "سعيد المنصور".
كان اسم سعيد المنصور معروفاً في الأوساط التجارية، ولكنّ له سمعةً غامضةً جداً. يُقال إنّه رجلٌ لا يعرف الرحمة، وأنّ صفقاته غالباً ما تكون في المنطقة الرمادية بين القانون وما خارجه.
شعر رامي بأنّ الألغاز بدأت تتكشف. هل كان والد يزيد متورطاً مع سعيد المنصور؟ وهل كان يزيد الآن يحاول التعامل مع هذا الميراث المسموم؟
قرر رامي أن يذهب إلى عنوان مقرّ الشركة الوهمي، متخفياً. كان يعلم أنّ هذا قد يكون خطيراً، ولكنه لم يعد يملك رفاهية الانتظار. لقد اتصل ببعض المصادر الموثوقة، وحصل على معلوماتٍ تفيد بأنّ سعيد المنصور سيكون في المدينة خلال الأيام القليلة القادمة، وسيجتمع مع عددٍ من الشخصيات الهامة.
"من هم هؤلاء الشخصيات؟" سأل رامي، وقلبه يخفق بقوة.
"لا نستطيع الجزم. لكنّ كلّ المؤشرات تشير إلى أنّ هذه الاجتماعات ستكون حاسمة. قد تكون تتعلق بصفقاتٍ كبيرة، أو بتوزيع نفوذٍ."
شعر رامي بصدمة. هل كان والد يزيد جزءاً من هذا العالم؟ وهل كان يزيد الآن مجبراً على الانخراط فيه؟
عاد رامي إلى مكتبه، وهو يحمل معه معلوماتٍ جديدة، ولكنّها لم تكن مطمئنة. كانت كلّ خيطٍ يكشفه يوصله إلى مزيدٍ من الظلام. لقد شعر بأنّ رياح التغيير بدأت تعصف، وأنّها قد تأتي بالدمار.
في تلك الليلة، لم يتمكن رامي من النوم. كان يتخيل سيناريوهاتٍ مختلفة، كلها تنتهي بشكلٍ مأساوي. هل كان على يزيد أن يتنازل عن كلّ شيءٍ، بما في ذلك حبه لنور، لكي يحمي نفسه وعائلته؟ هل كانت أحلام نور، وأحلامه هو، ستتحطم بفعل قوى خارجية لا قبل لهما بها؟
كانت الأجواء مشحونةً بالتساؤلات، ومليئةً بالشكوك. لم يكن أمام أيٍّ منهم إلا الصبر، والدعاء، والبحث عن الحقيقة، مهما كان الثمن. ولكنّ الأمل بدأ يتلاشى، والخوف بدأ يتسلل إلى القلوب، وكأنّ رياح التغيير لم تأتِ بالخير، بل بالدمار.