حب الأبطال الجزء الثاني

رياح الشك تعصف بالقلوب

بقلم مريم الحسن

تغلغلت أصداء كلمات الدكتور أحمد في أرجاء قصر الحاج محمود، وكأنها صواعقُ تُحدث رجفةً في جدرانه العتيقة. لم يعد الصمتُ في القصرِ هادئًا، بل أصبح مشحونًا بكهرباءِ التوترِ الخفي، وبقلقٍ أخذ يتسربُ إلى نفوسِ أهله. كانت ليلى، في غرفتها، تشعرُ بهذا القلقِ المتزايد، وكأنها تحسُّ بتغيّرٍ ما في الجوّ، بتغيّرٍ لا تدركهُ تمامًا، لكنها تشعرُ بوطأتهِ على روحها. كانت تُفكرُ في زيارةِ الدكتور أحمد المفاجئة، وفي كلماته الغامضة التي تركتْ في صدرهاِ حيرةً عميقة. "التزاماتٌ قديمة، أسرارٌ مخبأة..." كانت هذه العباراتُ تدورُ في ذهنها، مُضيفةً طبقةً جديدةً من الشكِّ إلى ما كانتْ تظنُّ أنها تعرفهُ عن عالمها.

جلستْ بجوارِ النافذة، تتأملُ قطراتِ المطرِ وهي تتساقطُ على الزجاج، وكأنها دموعُ السماءِ التي تنهمرُ على مصيبةٍ قادمة. كانتْ ترى وجهَ والدها السيد عمر في خيالها، وجههُ الذي بدا مهمومًا ومُثقلاً بالهمومِ منذُ عودةِ الدكتور أحمد. هل كانَ الأمرُ يتعلقُ بهِ؟ هل كانتْ تلكَ الكلماتُ التي سمعها والدها تحملُ خبرًا سيئًا؟

في طرفٍ آخرَ من القصر، كان السيد عمرُ يكابدُ صراعًا داخليًا لا مثيلَ له. لقدْ عادَ إلى مكتبتهِ، لكنهُ لمْ يعدْ يجدُ فيها العزاءَ ولا السكينة. كانتْ رفوفُ الكتبِ الشاهقةِ، التي لطالما كانتْ ملاذَهُ، تبدو الآنَ وكأنها شاهدةٌ على جريمةٍ قديمة، على خيانةٍ لا تُغتفر. كانتْ صورةُ والدهِ، الحاج محمود، تتراكمُ في ذهنهِ، صورةٌ أصبحتْ الآنَ مُلطخةً بالشكِّ والخيبة. هل كانَ والدهُ قدْ باعَ مستقبلَ ابنتهِ بوعدٍ باطل؟ هل كانَ كلُّ ما يؤمنُ بهِ عن نقائهِ وأمانتهِ مجردَ قناعٍ يخفي وراءهُ طبقةً من المكرِ والخداع؟

كانَ الدكتورُ أحمدُ قدْ ألقى بالحقيقةِ في وجههِ، حقيقةً مُرّةً كالعلقم، حقيقةً قادرةً على تمزيقِ كلِّ ما بناهُ. "ابنتكِ ليلى هي الابنةُ الوحيدةُ للحاج محمود، أليسَ كذلك؟ والدكِ وعدَ بتزويجها لي." كانتْ هذهِ الكلماتُ تترددُ في أذنيهِ، تُشعلُ فيهِ نارَ الغضبِ والأسى.

تذكرَ عمرُ كيفَ حاولَ أنْ يُجادلَ الدكتور أحمد، كيفَ حاولَ أنْ يُنكرَ ما يقول، ولكنّ وجهَ الدكتور أحمدِ الهادئَ، ونبرةَ صوتهِ الواثقة، لمْ تتركْ لهُ مجالًا للإنكار. "هذا مستحيل!" قالَ عمرٌ، لكنّ صوتهُ كانَ ضعيفًا، يفتقرُ إلى القوةِ التي كانَ يأملُ أنْ يجدها.

"الأبوةُ، يا سيدَ عمر، تحملُ في طياتها الكثيرَ من القراراتِ الصعبة، والكثيرَ من التضحيات." كانتْ هذهِ كلماتُ الدكتور أحمدِ الأخيرةُ قبلَ أنْ يُغادرَ القصرَ، كلماتٌ جعلتْ عمرٌ يشعرُ بأنّهُ يواجهُ قدرًا لا مفرّ منه.

كانَ عليهِ أنْ يُخبرَ ليلى. لكن كيف؟ كيفَ يُمكنهُ أنْ يُخبرَ ابنتهُ الوحيدةَ، أغلى ما لديهِ، بأنّ مستقبلها قدْ تمَّ التلاعبُ بهِ قبلَ أنْ تولدَ؟ كيفَ يُمكنهُ أنْ يُخبرها بأنّ الرجلَ الذي أحبتهُ، الرجلَ الذي أرادتهُ لها، قدْ يكونُ مرتبطًا بها بوعدٍ قديمٍ ومرير؟

في تلكَ اللحظة، سمعَ صوتَ طرقٍ خفيفٍ على بابِ المكتبة. كانتْ ليلى. دخلتْ إلى المكتبةِ، وعيناها تتفحصانِ وجهَ والدها. "أبي، هل أنتَ بخير؟" سألتْ، وصوتها يحملُ نبرةً من القلقِ الحقيقي.

نظرَ إليها عمرٌ، وشعرَ بأنّ قلبهُ يتقطعُ ألمًا. رأى فيها البراءةَ والنقاءَ، ورأى فيها كلَّ ما يُمكنُ أنْ يُفقدَ بسببِ وعدٍ لمْ يكنَ لهُ أنْ يُقطع.

"ليلى، يا ابنتي،" قالَ عمرٌ، وحاولَ أنْ يُسيطرَ على انفعالاتهِ. "هناك أمرٌ مهمٌ يجبُ أنْ نتحدثَ فيه."

جلستْ ليلى أمامَ والدها، وعيناها لا تفارقانِ وجههُ. "ما هوَ يا أبي؟"

بدأَ عمرٌ، بصوتٍ متقطعٍ، يُفسّرُ لها ما حدث. لمْ يُخفِ عنها شيئًا، لمْ يُبينْ لهُ أيَّ تفاصيلَ قدْ تُرهقُ قلبها، لكنهُ ألقى إليها بالحقيقةِ الصادمة. أخبرها عن زيارةِ الدكتور أحمد، وعن الحوارِ الذي دارَ بينهما، وعن الوعدِ القديمِ الذي ربطَ بينَ عائلتيهما.

كانتْ ليلى تستمعُ إلى والدها، وكلُّ كلمةٍ كانتْ تُقالُ لها كانتْ بمثابةِ ضربةٍ على رأسها. كانتْ ترى والدها، الرجلَ القويَّ الذي لطالما اعتمدتْ عليهِ، وهوَ يكابدُ ألمَ الكشفِ عن سرٍّ قديمٍ هزَّ أركانَ حياتهم.

عندما انتهى عمرٌ من كلامهِ، سادَ صمتٌ ثقيلٌ في المكتبة. كانتْ ليلى شاحبةَ الوجه، وعيناها واسعتانِ تنظرانِ إلى نقطةٍ غيرِ محددةٍ في الفراغ.

"هل هذاَ صحيحٌ يا أبي؟" سألتْ بصوتٍ هامسٍ، يكادُ يكونُ غيرَ مسموع.

"نعم، يا ابنتي،" أجابَ عمرٌ، وقدْ امتلأتْ عيناهُ بالدموع. "هذهِ هيَ الحقيقةُ التي يجبُ أنْ نواجهها."

شعرتْ ليلى وكأنّ الأرضَ قدْ انسحبتْ من تحتِ قدميها. كانتْ قدْ أحبّتْ فهدًا، الرجلَ الذي رأتهُ في رجلٍ نبيلٍ وصادق، الرجلَ الذي رأى فيها ابنةً رائعة. والآن، هل كانَ كلُّ هذاَ مجردَ جزءٍ من خطةٍ أكبر، جزءٍ من وعدٍ قديمٍ لمْ تكنْ تعلمُ بوجودهِ؟

"وماذا سنفعلُ الآنَ يا أبي؟" سألتْ، وقدْ بدأَ صوتها يرتجف.

نظرَ إليها عمرٌ، ورأى فيها كلَّ حيرتها وألمها. "سنجدُ حلًا، يا ابنتي. يجبُ أنْ نجدَ حلًا."

لكنّ الحلَّ بدا بعيدًا، مستحيلًا. كيفَ يُمكنُ لِوعدٍ أنْ يُحكمَ على مصيرِ شابٍ وفتاةٍ في عصرنا هذا؟ كيفَ يُمكنُ لِدينٍ أنْ يُصبحَ سببًا في تدميرِ سعادةٍ وليدة؟

لمْ تكنْ ليلى تعلمُ ما يدورُ في بالِ والدها، لكنها شعرتْ بأنّ العاصفةَ التي بدأتْ برياحِ الشكِّ ستتحولُ إلى إعصارٍ يُهددُ بتدميرِ كلِّ ما بنتهُ. لقدْ كُشفَ سرٌّ قديمٌ، سرٌّ يتعلقُ بعائلتيهما، سرٌّ يهددُ بعلاقتها بفهد.

كانتْ الغيومُ تتكاثفُ خارجَ القصر، وكأنها تُعلنُ عن اقترابِ عاصفةٍ أشدّ. كانتْ ليلى تشعرُ بأنّ كلَّ شيءٍ يتغيّرُ حولها، وأنّ مستقبلها الذي كانَ يبدو صافيًا، أصبحَ الآنَ مُغطىً بطبقةٍ سميكةٍ من الغموضِ والخوف.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%