حب الأبطال الجزء الثاني
ليلى وفهد: صدعٌ في الحب
بقلم مريم الحسن
في تلكَ الليلةِ المشؤومة، لمْ ينمْ السيدُ عمرٌ. جلسَ في مكتبتهِ، يُصارعُ الظلامَ الذي استقرَّ في روحهِ كما استقرَّ في أرجاءِ القصر. كلُّ كلمةٍ قالها الدكتورُ أحمدُ كانتْ كوشمٍ على جلدهِ، تُذكّرهُ بالوعدِ الذي لمْ يُنفذ، وبالثمنِ الباهظِ الذي قدْ يدفعهُ. كانتْ صورةُ ليلى، ابنتهِ الوحيدةَ، تترددُ في مخيلتهِ، صورةُ الفتاةِ التي أرادَ لها حياةً مليئةً بالسعادةِ والأمان. والآن، وجدَ نفسه أمامَ واجبٍ ثقيلٍ، واجبٍ يقتضي إخبارهَا بالحقيقة، مهما كانتْ مُرّةً.
كانَ حديثهُ معَ ليلى في صباحِ اليومِ التالي بمثابةِ تفجيرٍ لقنبلةٍ موقوتة. رأىَ الحيرةَ والذهولَ في عينيها، ثمّ رأىَ الألمَ يتسللُ إلى روحها، شيئًا فشيئًا، كما يتسللُ السمُّ إلى جسدٍ. "هل هذاَ صحيحٌ يا أبي؟" كانتْ كلمتها الأخيرةُ لهُ، كلمةٌ اختزلتْ كلَّ هشاشتها، كلَّ ضياعها.
أما ليلى، فقدْ شعرتْ بأنّ عالمها يتصدعُ من الداخل. كانتْ قدْ رسمتْ في خيالها مستقبلًا مشرقًا معَ فهد، مستقبلًا قائمًا على الحبِّ والاحترامِ المتبادل. لكنّ الحقيقةَ التي كشفها والدها ألقتْ بظلالٍ داكنةٍ على هذاَ المستقبل. هل كانَ حبُّ فهدَ لها حبًا حقيقيًا، أمْ كانَ مجردَ جزءٍ من صفقةٍ قديمةٍ؟ هل كانَ والدها قدْ وعدَ بتزويجها لهُ، قبلَ أنْ تولدَ، قبلَ أنْ تعرفَ شيئًا عن الحبِّ أو الاختيار؟
كانَ أولُ ما فكرتْ بهِ هوَ فهد. كانتْ تريدُ أنْ تتحدثَ إليهِ، أنْ تسمعَ منهُ. لكنّ الخوفَ كانَ يتملكها. ماذا لوْ كانَ الدكتورُ أحمدُ على حق؟ ماذا لوْ كانَ فهدُ يعلمُ بهذا الوعد؟ هل سيُظهرُ لها وجهًا آخرَ لمْ تعرفهُ من قبل؟
في نهايةِ المطاف، دفعتها رغبتها في معرفةِ الحقيقةِ إلى اتخاذِ قرارٍ جريء. قررتْ أنْ تلتقيَ بفهد، وأنْ تواجههُ بهذهِ الحقيقةِ الصادمة.
تحديدُ موعدٍ للقاءٍ لمْ يكنْ سهلًا، فالقلقُ كانَ يسيطرُ على كلِّ شيء. لكنّ ليلى أصرتْ، وبطريقةٍ ما، تمكنتْ منْ ترتيبِ لقاءٍ معَ فهد في حديقةٍ عامةٍ، بعيدًا عنْ أعينِ المتطفلين، وبعيدًا عنْ ضغوطِ العائلتين.
عندما ذهبتْ ليلى إلى الحديقةِ، كانَ قلبها يخفقُ بعنف. الشمسُ كانتْ قدْ بدأتْ تميلُ نحو الغروب، والظلالُ الطويلةُ كانتْ تتمددُ على العشبِ الأخضر. رأتهُ واقفًا تحتَ شجرةِ الزيزفون، ينتظرهَا. كانَ وجههُ يحملُ نفسَ الابتسامةِ الدافئةِ التي أحبتها، نفسَ النظرةِ الحانيةِ التي لطالما طمأنتها.
اقتربتْ منهُ، وشعرتْ وكأنّ خطواتها تتباطأُ كلما اقتربتْ. "فهد،" قالتْ بصوتٍ مرتجف.
ابتسمَ فهدٌ، ومدَّ يدهُ ليُمسكَ بيدها. "ليلى، كنتُ أنتظركِ. ما بالُكِ؟ تبدينَ شاحبةً."
نظرتْ ليلى إلى يديهِ، ثمّ إلى عينيهِ. هل يستطيعُ هذاَ الرجلُ أنْ يخفيَ سرًا بهذا الحجم؟ هل يمكنُ أنْ يكونَ جزءًا من خطةٍ قديمةٍ؟
"فهد،" بدأتْ ليلى، وصوتها يعلوُهُ التردد. "هناك أمرٌ جللٌ يجبُ أنْ أخبركَ به."
نظرَ إليها فهدٌ بجديةٍ، وشعرَ بتغيّرٍ ما في نبرةِ صوتها. "ما هوَ يا ليلى؟ أخبريني."
جمعتْ ليلى كلَّ شجاعتها، وبدأتْ تحكي لهُ القصةَ كاملةً. أخبرتهُ عن زيارةِ الدكتور أحمد، وعن حديثِ والدها، وعن الوعدِ القديمِ الذي ربطَ بينَ عائلتيهما. لمْ تُخفِ عنه شيئًا، لمْ تُهونْ منْ حجمِ الصدمة.
كانَ فهدُ يستمعُ إليها بصمتٍ، وعيناهُ الواسعتانِ تحدقانِ فيها. في البداية، رأىَ في عينيهِ الدهشةَ، ثمّ الامتنانَ لصدقها. لكنّ شيئًا ما بدأَ يتغيّرُ في نظرتهِ. بدأَ الهمُّ يلوحُ على وجههِ، وبدأتْ قبضتهُ على يدها تشتدُّ قليلًا.
عندما انتهتْ ليلى منْ كلامها، سادَ صمتٌ طويلٌ بينهما. لمْ يكنْ صمتَ ألفةٍ، بلْ كانَ صمتَ حيرةٍ وصدمة.
"هذا... هذا غيرُ معقول،" تمتمَ فهدٌ أخيرًا، وبداَ صوتهُ خافتًا.
"لكنّهُ حقيقي، يا فهد،" قالتْ ليلى، وعيناها تتوسلانِ إليهِ. "هذا ما أخبرني بهِ أبي."
نظرَ فهدٌ إلى الأرضِ، بدا وكأنهُ يُحاولُ استيعابَ كلَّ ما سمع. "والدي لمْ يذكرْ لي قطُّ أيَّ شيءٍ منْ هذا القبيل."
"هل يعني هذاَ أنكَ لمْ تكنْ تعلم؟" سألتْ ليلى، وشعرتْ بقليلٍ منْ الأملِ يتسللُ إلى قلبها.
ترددَ فهدٌ للحظة. "لا، ليلى. لمْ أكنْ أعلم. لمْ يذكرْ لي والدي قطُّ أيَّ وعدٍ كهذا."
"إذًا، ما الذي كانَ يعنيهِ الدكتورُ أحمدُ بقولهِ إنّ والدكَ هوَ منْ وعدَ والدَ فهد؟" سألتْ ليلى، وبدأَ قلبها يخفقُ منْ جديد.
نظرَ فهدٌ إلى ليلى، وبداَ وجههُ وقدْ استعادَ بعضًا منْ لونِهِ، لكنّ عينيهِ كانتا ما زالتا تعكسانِ حيرةً عميقة. "لا أعرف، ليلى. قدْ يكونُ هناكَ سوءُ فهم. أو ربما... ربما والدكَ لمْ يكنْ يخبرُ والدِي بكلِّ شيء."
"لكنّ الدكتور أحمدَ بداَ واثقًا جدًا،" قالتْ ليلى، وشعرتْ بأنّ خيطَ الأملِ بدأَ يتلاشى.
"الدكتورُ أحمدُ رجلٌ لديهِ أجندتهُ الخاصة،" قالَ فهدٌ، وبدأتْ نبرةُ صوتهُ تحملُ شيئًا منَ الحزم. "ربما يحاولُ أنْ يخلقَ مشكلةً بيننا."
"لكنّ وعدَ والدكَ، فهد. ماذا عنْ وعدِ والدكَ؟" سألتْ ليلى، وبدأتْ تشعرُ باليأس.
نظرَ فهدٌ إليها، وبدتْ في عينيهِ نظرةٌ جديدة، نظرةٌ تحملُ مزيجًا منَ الحزنِ والتصميم. "ليلى، أنا أحببتكِ لأجلِ ذاتكِ، لا لأجلِ أيِّ وعدٍ أو اتفاق. إذا كانَ هذاَ الوعدُ موجودًا، وسأجدُ طريقةً لحلّهِ. لكنّ الشيءَ الوحيدَ الذي أؤمنُ بهِ هوَ حبنا."
شعرتْ ليلى بلحظةٍ منَ الراحةِ، لكنّ الشكَّ كانَ ما زالَ يراودها. هل كانَ فهدُ صادقًا؟ أمْ أنهُ كانَ يُحاولُ تهدئتها؟
"لكنْ، فهد،" قالتْ ليلى، "إذا كانَ هناكَ وعدٌ، فهلْ سيكونُ منَ الممكنِ أنْ نتزوجَ؟"
فكرَ فهدٌ لبرهة. "يجبُ أنْ نتحدثَ معَ والدي. يجبُ أنْ نعرفَ كلَّ شيء. إذا كانَ هناكَ وعدٌ، فسنجدُ طريقةً لتنفيذهِ أو لحلّهِ بطريقةٍ تُرضي الجميع، ولكنْ دونَ أنْ نُضحّيَ بما بيننا."
كانتْ كلماتُ فهدٍ مُطمئنةً، لكنّ قلبَ ليلى لمْ يطمئنْ تمامًا. شعرتْ بأنّ هناكَ شيئًا ما خطأ. لمْ تستطعْ أنْ تتجاهلَ نظرةَ الارتباكِ التي رأتها في عينيهِ عندما تحدثَ عن والدهِ.
"أنا... أنا لستُ متأكدةً يا فهد،" قالتْ ليلى، وعيناها امتلأتْ بالدموع. "أشعرُ بأنّ هناكَ شيئًا ما لا أعرفه."
"ليلى، أرجوكِ،" قالَ فهدٌ، وحاولَ أنْ يبتسمَ. "ثقي بي. أنا أحبكِ، وهذاَ هوَ الأهم."
نظرتْ ليلى إلى وجههِ، ورأتْ فيهِ الحبَّ، لكنها رأتْ أيضًا غموضًا لمْ تفهمهُ. شعرتْ بأنّ علاقتهما قدْ بدأتْ تتصدعُ، وأنّ حبّهما، الذي كانَ يبدو صلبًا، أصبحَ الآنَ هشًا، مُهددًا بالانهيارِ بسببِ أشباحِ الماضي.
وبينما هما واقفانِ في الحديقةِ، والمطرُ بدأَ يهطلُ بخفةٍ، أدركتْ ليلى أنّ أكبرَ تحدٍّ لمْ يأتِ بعد. لمْ يكنْ تحديَ إثباتِ الحبِّ، بلْ تحديَ كشفِ الحقيقةِ كاملةً، مهما كانتْ مؤلمة.