حب الأبطال الجزء الثاني
رحلة إلى عين القطران
بقلم مريم الحسن
كانت ظلمة الليل قد استتبت تمامًا، حاجبةً معالم الوادي، وحولته إلى فسحةٍ سوداء تتخللها أضواءٌ خافتةٌ من بعض البيوت القليلة التي ما زالت نشطة. رفع نور الدين رأسه نحو السماء، متأملًا نجومها المتلألئة، كأنها عيونٌ تراقب بصمتٍ. كانت مهمة عين القطران تحمل في طياتها قلقًا مبهمًا، شعورًا بأن هناك شيئًا أكبر مما تبدو عليه الأمور.
انضم إليه الرجال الذين اختارهم، جابر، وخالد، وصالح، وحمزة، وعبدالله، وعمر. رجالٌ أشداء، وجوههم شاحبةٌ في ضوء القمر الخافت، لكن أعينهم كانت تشتعل بتصميمٍ وحماس. كانوا يعرفون أن مع نور الدين، لا يوجد مستحيل.
"هل الجميع جاهز؟" سأل نور الدين بصوتٍ هادئٍ، ولكنه يحمل سلطةً لا جدال فيها.
"كلنا يا سيدي. أسلحتنا جاهزة، وقلوبنا مستعدة." أجاب جابر، وهو يشد حزام سيفه.
"الهدف هو الوصول إلى عين القطران، ورصد أي حركةٍ مشبوهةٍ. لا نريد اشتباكًا إلا إذا اضطررنا لذلك. الأهم هو جمع المعلومات، ومعرفة نوايا هؤلاء الغرباء."
"فهمنا يا سيدي." قال خالد، وهو من أشد الرجال خبرةً في القتال.
بدأوا بالتحرك، بخطواتٍ حذرةٍ، متسللين كالأشباح بين الأشجار الصخرية. كانت أصوات خطواتهم شبه مسموعة، ورياح الليل كانت تعينهم على إخفاء أي صوتٍ قد يلفت الانتباه. استمروا في السير، والطريق يزداد وعورةً وصعوبةً. بدأت التلال ترتفع، والصخور تبرز بأشكالٍ غريبةٍ، كأنها وحوشٌ نائمةٌ.
بعد ساعةٍ من السير، وصلوا إلى سفح جبلٍ كبيرٍ، تحيط به أشجارٌ قليلةٌ متناثرةٌ. في الأعلى، حيث تمتد قمم الجبال، تقع عين القطران.
"يبدو أن الطريق إلى الأعلى صعبٌ جدًا." قال عمر، وهو يمسح العرق عن جبينه.
"ولكنه ضروري." أجاب نور الدين. "علينا أن نصل إلى قمة الجبل، حيث يمكننا الرؤية بوضوحٍ. ومن هناك، سننزل إلى الوادي حيث تقع العين."
بدأوا بالتسلق، مستخدمين كل ما لديهم من قوةٍ ومهارةٍ. كانت الأيدي تتعلق بالصخور، والأقدام تبحث عن موطئٍ ثابتٍ. كانت الرياح تشتد، محاولةً دفعهم نحو الأسفل، لكن تصميمهم كان أقوى.
بعد جهدٍ جهيدٍ، وصلوا إلى قمة الجبل. الهواء هناك كان باردًا، ويحمل رائحة الينابيع الجبلية. ومن فوق، امتد الوادي أمامهم، كبساطٍ أسودٍ واسعٍ. وفي مكانٍ ما في ذلك البساط، كانت تقع عين القطران.
"هل ترون شيئًا؟" سأل نور الدين، وقد بدأ يتفحص المكان بعينيه الخبيرتين.
"لا أرى شيئًا يا سيدي. كل شيءٍ هادئٌ." قال صالح.
"انتظروا. يبدو أن هناك ضوءًا خافتًا قادمًا من الجهة الغربية للوادي." قال حمزة، وهو يشير بإصبعه.
ركز نور الدين عينيه في الاتجاه الذي أشار إليه حمزة. وبالفعل، رأى شيئًا. ضوءٌ متقطعٌ، لا يشبه أضواء النيران العادية. كان أشبه بضوءٍ خافتٍ، يتخلله لمعانٌ فضيٌّ.
"هذا ليس ضوء نارٍ عادي." قال نور الدين. "يبدو أنهم يستخدمون شيئًا آخر. هيا بنا نحو الأسفل، ولكن بحذرٍ شديدٍ."
بدأوا بالنزول، هذه المرة بحذرٍ أكبر، وبحركةٍ أكثر تنظيمًا. كانوا ينزلون باتجاه الضوء، مستفيدين من الظلام ليختفوا عن الأنظار. كلما اقتربوا، بدأت أصواتٌ خافتةٌ تتسلل إلى آذانهم. أصواتٌ غريبةٌ، لا تشبه أصوات البدو، ولا أصوات التجارة.
وصلوا إلى مسافةٍ قريبةٍ، واختبأوا خلف صخورٍ كبيرةٍ. من هنا، كانت الرؤية أفضل. رأوا مجموعةً من الرجال، لا يقل عددهم عن عشرة، يقفون حول بئرٍ قديمةٍ. كانوا يرتدون ملابس داكنةً، وقبعاتٍ تخفي وجوههم. وعلى مقربةٍ منهم، كانت هناك عرباتٌ مغطاةٌ، تفوح منها رائحةٌ غريبةٌ.
"ماذا يفعل هؤلاء؟" سأل عبدالله بصوتٍ خافتٍ.
"لا أعرف. ولكن، سلوكهم ليس سلوك أهل المنطقة. ولا يبدو أنهم هنا لقضاء حاجةٍ طبيعيةٍ." أجاب نور الدين، وقد بدأ يشعر بقلقٍ متزايدٍ.
كان الرجال يرتدون قفازاتٍ، ويستخدمون أدواتٍ معدنيةً غريبةً، لجمع الماء من البئر. ثم يقومون بصب الماء في عبواتٍ صغيرةٍ، ووضعها في العربات.
"هل يعبئون الماء؟" سأل جابر.
"لا، هذا ليس ماءً عاديًا. هناك شيءٌ غريبٌ في طريقة جمعهم له. ورائحة العربات، ليست رائحة الخشب أو القماش." قال نور الدين، وهو يراقبهم بتفحصٍ دقيقٍ.
فجأة، تحرك أحد الرجال، وبدأ يبتعد عن المجموعة، باتجاه الظلال، وكأنه يريد التأكد من عدم وجود أحدٍ. توقف نور الدين والرجال، وهم يترقبون.
"يجب أن ننسحب بسرعةٍ قبل أن يكتشفونا." همس خالد.
"لا. يجب أن نعرف من هم، وماذا يريدون." قال نور الدين. "جابر، أنت وعبدالله، ابقيا هنا، وارصدا تحركاتهم. أما نحن، فسنحاول الاقتراب أكثر، من الجهة الأخرى."
"ولكن يا سيدي، هذا خطرٌ كبيرٌ." قال جابر.
"لا تقلق، سنتستر بالظلال. يجب أن نعرف لمن يخدم هؤلاء. وإلا، فإننا قد نقع في فخٍ أكبر."
بدأ نور الدين، وخالد، وصالح، وحمزة، وعمر، بالتحرك ببطءٍ نحو الجهة الأخرى من الوادي. كانوا يزحفون على بطونهم، ويختبئون خلف كل صخرةٍ وحشيشةٍ. اقتربوا حتى أصبحوا على مسافةٍ قريبةٍ جدًا، حيث يمكنهم سماع محادثاتهم، ورؤية تفاصيل وجوههم.
"هل عرفتم من هؤلاء؟" سأل نور الدين، وهو ينظر إلى خالد.
"لا يا سيدي. لكن، ملابسهم، وطريقة عملهم، تشبه إلى حدٍ كبيرٍ ما سمعته عن تجار السموم القدماء." قال خالد، وعيناه مليئتان بالشك.
"تجار السموم؟" قال صالح. "ماذا يفعلون هنا؟"
"لا أعرف. ولكن، إذا كانوا يجمعون الماء من هذه العين، فربما يكون الماء نفسه ملوثًا، وهم يستخرجون منه مادةً معينةً." قال نور الدين، وهو يشعر بقشعريرةٍ تسري في جسده.
وفجأة، سمع نور الدين صوتًا خافتًا قادمًا من خلفه. استدار بسرعةٍ، ليجد رجلاً غريبًا، يرتدي ملابس داكنةً، ويحمل في يده خنجرًا لامعًا. كان الرجل يبتسم ابتسامةً شريرةً، وقد كاد أن يباغت نور الدين.
لكن نور الدين، بفضل رد فعله السريع، تمكن من تفادي الضربة، واستخدم سيفه ليصد هجوم الرجل. اشتبك الرجلان في صراعٍ عنيفٍ، بينما اندفع الرجال الآخرون من جهة العربات.
"يا إلهي! إنهم يعرفون أننا هنا!" صرخ حمزة.
"انسحبوا! انسحبوا نحو جابر وعبدالله!" أمر نور الدين.
بدأ الرجال بالانسحاب، تاركين خلفهم نور الدين في مواجهة الرجل الغامض. كان الرجل قويًا، وسريعًا، لكن نور الدين كان أقوى، وأكثر خبرةً. دارت بينهما معركةٌ ضاريةٌ، تصدى فيها نور الدين لضربات الرجل، وبحث عن فرصةٍ للانقضاض عليه.
تمكن نور الدين، في لحظةٍ من التردد لدى خصمه، من توجيه ضربةٍ قويةٍ لساق الرجل، مما أفقده توازنه. قبل أن يسقط الرجل، استطاع نور الدين أن يرفع سيفه، ويحكم قبضته عليه، ويوجهه نحو قلبه.
"من أنت؟ ولماذا تفعلون هذا؟" سأل نور الدين، وصوته يحمل ثقل السؤال.
"لن تعرف شيئًا." قال الرجل، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، وفي عينيه نظرةٌ مليئةٌ بالكراهية.
انتهت المعركة، ونجا نور الدين بأعجوبة. ركض نحو رجاله، الذين كانوا ينتظرونه عند النقطة المتفق عليها.
"هل الجميع بخير؟" سأل نور الدين.
"نعم يا سيدي. ولكن، لقد رأوا وجوهنا." قال جابر، والقلق على وجهه.
"لا بأس. لقد عرفنا ما يكفي." قال نور الدين، وهو ينظر إلى رجاله. "لقد رأينا هؤلاء الرجال، وعرفنا أنهم ليسوا مجرد تجار. إنهم يعملون في الظلام، ويستخرجون شيئًا غامضًا من عين القطران. يجب أن نعرف ما هو هذا الشيء، ولمن يعملون."
شعر نور الدين بأن هذه القضية أصبحت أكبر من مجرد مواجهةٍ عابرةٍ. إنها بدايةُ كشفِ شبكةٍ خفيةٍ، تهدد سلامة منطقته. كانت عيناه تلمعان ببريقٍ من التصميم، وعقله يعمل بسرعةٍ، يبحث عن الخطوة التالية.