حب الأبطال الجزء الثاني
رسالةٌ من الماضي
بقلم مريم الحسن
بينما كانت الشمس تنسج خيوطها الذهبية الأولى على قمم الجبال، ومع عودة نور الدين ورجاله من مهمة عين القطران، كان القلق قد خيّم على وجه والده، الشيخ سالم. منذ مغادرة نور الدين، لم يهدأ له بال. كانت أخبار البادية تحمل دائمًا ما هو غير متوقع، وكانت عيون الحكمة تدفعه لليقظة.
عندما رأى نور الدين قادمًا، مع رجاله، والآثار الخفيفة للإرهاق على وجوههم، تنفس الصعداء. لكنه سرعان ما رأى في عيني ابنه لمعةً لم يرها من قبل، لمعةً تجمع بين الإصرار والقلق.
"حمداً لله على سلامتكم يا بني." قال الشيخ سالم، وهو يحتضن ابنه. "لقد قضيتم ليلةً طويلةً."
"كانت ليلةً طويلةً وحافلةً بالأحداث يا والدي." أجاب نور الدين، ثم جلس قرب والده.
بدأت القصة تنساب من نور الدين، يصف تفاصيل المهمة، والرجال الذين رأوهم، وأعمالهم الغريبة قرب عين القطران. استمع الشيخ سالم بانتباهٍ شديدٍ، ولم يقاطعه إلا ببعض الأسئلة الاستيضاحية.
"أناسٌ غرباء، يعملون في الظلام، ويجمعون شيئًا من ماء العين؟" قال الشيخ سالم، وعلامات الاستفهام تملأ وجهه. "هذا غريبٌ حقًا."
"الأغرب من ذلك يا والدي، هو ما حدث في النهاية. اشتبكت مع أحد الرجال، وكان يحمل خنجرًا، وكان يبدو كأنه مأجور. قبيل موته، قال شيئًا لم أفهمه تمامًا، ولكن كان يحمل نبرةً تهديديةً."
"وماذا قال؟" سأل الشيخ سالم، وقد اشتد فضوله.
"قال: 'لن تعرف شيئًا'. ثم توفي."
نظر الشيخ سالم إلى ابنه، وقد بدت عليه علامات التفكير العميق. "ربما كان يحاول أن يقول إنهم يعملون لصالح جهةٍ مجهولةٍ، أو أن هدفهم سريٌّ للغاية. ولكن، ما الذي يمكن استخراجه من ماء عين القطران؟"
"هذا ما علينا معرفته يا والدي. أعتقد أن هذه ليست مجرد عصابةٍ عاديةٍ. هناك شيءٌ أكبر في الخلف."
"وما هي خطتك الآن؟"
"سأعود إلى هناك. هذه المرة، لن أذهب بمفردي. سأحضر معي جابر، وربما شخصًا آخر من الرجال الذين يثقون بي تمام الثقة. نحتاج إلى اكتشاف ما الذي يجمعونه، ولمن."
"ولكن، هل أنت متأكدٌ من أنهم لم يكتشفوا وجهك تمامًا؟"
"ربما رأوا بعضنا. ولكن، في الظلام، وفي ظل تلك المعركة، لا أعتقد أنهم سيتمكنون من التعرف علينا بسهولة."
"إذاً، كن حذرًا يا بني. الأرض تحمل أسرارًا كثيرةً، بعضها مدفونٌ منذ زمنٍ طويلٍ."
في تلك الأثناء، كانت "ليلى" تستمع إلى أجزاءٍ من الحديث، وهي تقف خلف حجابٍ خفيفٍ عند مدخل المطبخ. كانت تكن لنور الدين مشاعرَ عميقةً، تتجاوز حدود الأخوة. كانت تراقب حركاته، وتستمع إلى كلماته، وقلبها يخفق بقلقٍ ممزوجٍ بالأمل. كانت تتمنى أن تكون قادرةً على مساعدته، على الأقل بدعواتها.
بعد أن عاد نور الدين إلى خيمته، بدأ يستعد للمرحلة التالية. بينما كان يرتّب أغراضه، دخلت عليه أخته فاطمة، وهي تحمل صينيةً عليها كوبٌ من الماء وشيءٌ من الحلوى.
"أخي، لقد رأيتك تبدو قلقًا. هل كل شيءٍ على ما يرام؟" سألت بصوتٍ ناعمٍ.
ابتسم نور الدين، وأخذ الكوب. "الحمد لله يا أختي. أنا بخير. مجرد بعض الأمور التي تتطلب مني التفكير."
"هل هي متعلقةٌ بمهمة عين القطران؟"
"نعم. وجدنا شيئًا غريبًا."
"ما هو؟"
"سنكتشف الأمر قريبًا. لا تقلقي."
"ولكن، ألا تخاف؟"
"الخوف لا يفيدنا يا فاطمة. ما يفيدنا هو العمل، والتوكل على الله."
"هل ستقوم بمهمةٍ أخرى؟"
"ربما. ولكن، سأكون حذرًا. وعد."
"أنا أثق بك يا أخي. ولكن، تذكر دائمًا أن والدنا ودائمًا يدعو لك."
"أعرف. ولذلك، أشعر بالقوة."
في المساء، وبعد أن انتهى من صلاته، جاءه شابٌ صغيرٌ، يدعى "موسى"، يعمل لديهم في الرعي.
"سيدي نور الدين، لقد أتى رجلٌ من قرية "المجدول"، ومعه رسالةٌ لك." قال موسى، وهو يمد يدًا بيدها ورقةً قديمةً.
نظر نور الدين إلى الورقة. كانت مكتوبةً بخطٍ قديمٍ، على ورقٍ أصفرٍ بالٍ. لم يعرف من أين جاءت، ولمن كانت موجهةً. فتحها بحذرٍ، وبدأ يقرأ.
"إلى من يهمه الأمر، لقد علمتُ بما حدث في عين القطران. إن ما يجمعونه ليس مجرد ماءٍ، بل هو شيءٌ خطيرٌ، أثره مدمرٌ. إنهم يعملون لصالح جهةٍ لا تريد الخير لأحد. كن حذرًا، فإن الأعداء لا يظهرون وجوههم بسهولة. إن من كان يبحث عنك، قد وجدك. وأنصحك بأن تبحث عن "حجر الدم"، ففيه يكمن السر. من يعرف الحق."
شعر نور الدين بقشعريرةٍ تسري في جسده. من هو هذا الرجل؟ وكيف عرف بما حدث في عين القطران؟ وما هو "حجر الدم"؟
"من أين جاءت هذه الرسالة؟" سأل نور الدين موسى.
"لقد جاء بها رجلٌ من قرية المجدول، قال إنه وجدها بالقرب من بقايا قلعةٍ قديمةٍ، وكان يتجول في تلك المنطقة. لم يذكر اسم المرسل، بل قال إنها تحمل اسمك."
"قلعة المجدول؟" قال نور الدين، وكأن شيئًا ما قد تذكره. "هل تعرف موقع هذه القلعة؟"
"نعم يا سيدي، إنها على بعد يومين من هنا، في منطقةٍ صخريةٍ وعرةٍ."
"ومن يعرف عن هذه القلعة؟"
"يقول أهل المجدول إنها مهجورةٌ منذ زمنٍ طويلٍ. لم يزرها أحدٌ في السنوات الأخيرة. ولكن، سمعوا عنها قصصًا عن كنوزٍ مخبأةٍ."
"كنوز؟" قال نور الدين، وقد بدأت الأفكار تتشابك في رأسه. "ولكن، هذه الرسالة لا تتحدث عن كنوز، بل عن خطرٍ. 'حجر الدم'... لا أعرف ما هو هذا الحجر. ولكن، يجب أن أعرف."
نظر الشيخ سالم إلى ابنه، وقد رأى في عينيه شغفًا جديدًا، وشعورًا بأن هذه القصة قد تتطور إلى ما هو أبعد من مجرد قضيةٍ محليةٍ.
"هذه الرسالة يا بني، تبدو وكأنها قادمةٌ من عالمٍ آخر. من يحمل هذه المعلومات، ولديه القدرة على إيصالها لك، يجب أن يكون شخصًا ذا أهميةٍ."
"هل تعتقد يا والدي أن هذه الرسالة مرتبطةٌ بما رأيته في عين القطران؟"
"بالتأكيد. هناك رابطٌ خفيٌّ. هؤلاء الرجال الذين رأيتهم، والرسالة التي وصلت إليك، كلاهما يشيران إلى أن هناك قوىً تعمل في الخفاء، وتهدد أمننا."
"إذاً، أعتقد أن خطتي يجب أن تتغير. لن أذهب وحدي إلى عين القطران. بل سأذهب إلى المجدول، لأبحث عن هذه القلعة، وعن 'حجر الدم'."
"ولكن، المجدول منطقةٌ بعيدةٌ، وخطيرةٌ." قال الشيخ سالم.
"أعرف يا والدي. ولكن، إذا كان هناك سرٌّ يكمن في تلك القلعة، وهو مرتبطٌ بما يحدث لنا، فيجب أن نكتشفه. لست متأكدًا ما هو 'حجر الدم'، ولكنني أشعر أنه مفتاحٌ للحل."
"وماذا عن أولئك الرجال في عين القطران؟"
"سأترك جابر مع بعض الرجال لمراقبتهم. وإذا حدث أي شيءٍ، سأعود حالًا."
"اذهب يا بني. والله معك. ولكن، كن أكثر حذرًا من ذي قبل. فإن من يبحث عنك، ربما عرف طريقك."
لم ينم نور الدين تلك الليلة. كانت الرسالة القديمة، والغموض المحيط بـ "حجر الدم"، وأفعال الرجال في عين القطران، تتصارع في ذهنه. شعر بأن هناك صلةً تربط الماضي بالحاضر، وأن هناك قوةً خفيةً تسعى للعبث بأمنهم. كانت هذه بداية رحلةٍ جديدةٍ، رحلةٍ قد تكشف له عن حقائق لم يكن يتوقعها أبدًا.