حب الأبطال الجزء الثاني
وعدٌ على أبواب السماء
بقلم مريم الحسن
كانت العلاقة بين أحمد وسارة تتجذر بعمق، لا علاقة هوى عابرة، بل حبٌ نبيل، ينمو على أرضية من الاحترام المتبادل والقيم المشتركة. كان حديثهما عبر الهاتف ورسائلهما المتبادلة أشبه بنبضات قلب واعية، تعبر عن رغبة حقيقية في بناء أسرة مسلمة، تقوم على السكن والمودة والرحمة.
في إحدى ليالي رمضان الفضيلة، بعد صلاة التراويح، قرر أحمد أن يضع حداً للتردد. لقد شعر بأن الوقت قد حان ليخطو خطوة جدية. كانت سارة بالنسبة له ليست مجرد فتاة يعجب بها، بل كانت شريكة حياة يراها في مستقبله، الأم التي يرتجيها لأبنائه، والزوجة التي يبحث عنها ليرتاح بها.
اتصل بها، وكان صوته يحمل نبرة مختلفة، نبرة الجدية والعزم. "سارة، هل أنتِ مشغولة؟" "لا يا أحمد، أنا أستمع. خير؟" "خير إن شاء الله. كنت أفكر في أمر جلل، وأردت أن أشاركك إياه." "تفضل." "لقد تأملت كثيراً في علاقتنا، وفيما أشعر به تجاهك. لم أعد أرى في حديثنا مجرد صداقة، بل أرى بداية لمسار حياة مشترك. رأيت فيكِ الصالحة، والعاقلة، والوفية. رأيت فيكِ الزوجة التي تتمناها كل نفس مؤمنة."
شعرت سارة بقلبها يدق بسرعة. كانت تتوقع شيئاً كهذا، ولكن سماع الكلمات مباشرة منه كان لها أثر مختلف. لم تتفوه بكلمة، بل استمعت إليه بإنصات.
"أعلم أننا لم نعرف بعضنا البعض لفترة طويلة، ولكنني مؤمن بأن الله إذا أراد أمراً، هيأ أسبابه. ولذلك، وبعد الاستخارة والدعاء، وبعد استشارة أهلي، أرغب في التقدم لخطبتك رسمياً. أرغب في أن نكون على سنة الله ورسوله، لنبني حياتنا معاً تحت ظلال هذا الميثاق الغليظ."
تنهدت سارة عميقاً، مزجت أنفاسها بدموع الفرح والامتنان. "يا أحمد... كلماتك أسعدتني جداً. لقد كنت أتمنى هذا الأمر بصدق. وأنا أيضاً، رأيت فيك الرجل الصالح، الذي أثق في دينه وخلقه. ولقد شعرت بالأمان والطمأنينة في حديثك. وأنا موافقة، بإذن الله."
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجه أحمد، ابتسامة تجاوزت حدود الشاشة. "الحمد لله! الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. هذه أسعد لحظة في حياتي. سأتحدث مع والدي لترتيب لقاء مع والدك، لنبدأ إجراءات الخطبة الرسمية."
لم يكن أحمد يعلم أن هذه الكلمات، التي نطق بها بصدق، ستواجه تحديات لم يتوقعها. ففي خضم سعادته، كان هناك جانب آخر من حياته بدأ يستيقظ، جانب مرتبط بماضٍ كان يحاول دفنه.
بعد أيام قليلة، وبينما كان أحمد يسير في أحد شوارع المدينة، لمح صديقاً قديماً من أيام الدراسة الجامعية، صديق لم يلتق به منذ سنوات. كان اسمه "خالد". خالد كان معروفاً بسلوكه المتهور، وحبه للمغامرات المحرمة.
"أحمد! هل هذه أنت؟" نادى خالد بصوت عالٍ. اقترب أحمد، وشعر ببعض التردد. "خالد؟ ما هذا الصدفة؟" "صدفة خير يا رجل! كيف حالك؟ تبدو مختلفاً، أجمل! هل تزوجت؟" "لا، لم أتزوج بعد. ولكنني أوشكت." "حقاً؟ هذا خبر سار! أين هي العروس؟ هل هي من الجامعية؟"
لم يعرف أحمد كيف يجيب. لم يكن يريد أن يفتح هذا الباب. "هي... فتاة صالحة، رأيتها عند أحد الأقارب. سنقوم بإجراءات الخطبة قريباً." "آه... يعني بعيدة عن أيامنا القديمة! أتذكر كيف كنا نسهر الليالي، نبحث عن المغامرات. كانت أياماً!"
شعر أحمد ببرودة تسري في جسده. كان يتذكر تلك الأيام جيداً، أيام كان فيها ينجرف مع التيار، ويحاول إثبات نفسه أمام أصدقائه، حتى لو كان ذلك يعني فعل ما يغضب الله. كانت تلك الفترة من حياته، والتي حاول جاهداً أن يتجاوزها، لا تزال تترك بصماتها.
"تلك الأيام مضت يا خالد،" قال أحمد بنبرة حاسمة، "والآن أنا أسعى لمرضاة الله." "ولكن يا رجل! لا تكن متزمتاً لهذه الدرجة. الحياة مرة واحدة! فلنحتفل بخطبتك الليلة؟ أتعرف مكاناً جديداً، رائعاً، حيث يمكنك أن تنسى كل شيء؟" "لا يا خالد، شكراً لك. أنا لا أشرب الخمر، ولا أذهب إلى أماكن كهذه." "يا رجل، لا تكن مملّاً. مجرد احتفال بسيط. تذكر أيامنا؟"
بدأت كلمات خالد تتسلل إلى عقل أحمد. لم يكن الأمر يتعلق بالخمر أو السهر، بل كان يتعلق بتلك الرغبة الدفينة في "النسيان"، في التخلي عن كل الضغوط والمسؤوليات، ولو للحظة. كانت هذه هي المشكلة الحقيقية، تلك الرغبة في الهروب التي كان يتصارع معها.
"أعتذر يا خالد،" قال أحمد بنبرة لا تقبل النقاش، "ولكني مشغول." "حسناً يا أحمد، ولكن إذا غيرت رأيك، فاعرف أنني موجود. لا تنسَ من أنت!"
شعر أحمد بضيق في صدره بعد مغادرة خالد. لقد أدرك أن الماضي لا يزال يلاحقه، وأن هناك أشخاصاً لا يزالون يعيشون في عالمه القديم، ويحاولون سحبه معهم.
عندما عاد إلى شقته، وجد رسالة من سارة. "مساء الخير أحمد. كيف حالك؟ هل كل شيء على ما يرام؟" ابتسم أحمد. كانت سارة كالشمعة التي تنير طريقه. "مساء النور سارة. الحمد لله. فقط قابلت صديقاً قديماً، وكان يحاول أن يعيدني إلى أيام مضت." "وماذا فعلت؟" "رفضت. وتذكرت كلامك. وأن الطريق إلى الله ليس سهلاً، ولكننا نسير فيه بإذن الله."
شعرت سارة بالارتياح. "هذا جيد جداً يا أحمد. تذكر، أن قوة إيمانك هي سلاحك، وذكر الله هو حصنك. لا تدع شيئاً يزعزع ثقتك بنفسك، وبقدرتك على السير في الطريق الصحيح."
كانت هذه الكلمات بمثابة دعم إضافي له. لقد أدرك أن إعلانه عن خطوبته لسارة، ورغبته في بناء حياة جديدة، قد أثار بعض القوى القديمة، وأيقظ بعض الذكريات. ولكن، كان لديه الآن هدف أوضح، وقوة أكبر.
لقد كان وعد الخطبة على أبواب السماء، وعدٌ بنى فيه آماله، وأحلامه، ومستقبله. ولكن، كان عليه أن يعلم أن هذا الوعد يتطلب منه أن يتخلص تماماً من قيود الماضي، وأن يكون قوياً بما يكفي لمواجهة كل ما يحاول إبعاده عن هدفه.
كانت المعركة الداخلية لأحمد لا تزال مستمرة، ولكن مع وجود سارة بجانبه، ودعمه، وبقوة إيمانه، كان يشعر بأنه قادر على الانتصار. لقد كان عليه أن يثبت لنفسه، ولها، وللجميع، أنه رجلٌ يستحق أن يبني أسرة مسلمة، وأن يكون زوجاً صالحاً، وأباً رحيماً.