حب بلا حدود الجزء الثاني

عبق الذكريات ووشوشات القدر

بقلم مريم الحسن

كانت نسمة العليل تتسلل عبر نوافذ قصر الحاج عبدالله، حاملةً معها عبق الياسمين المتفتّح ورائحة البخور التي ألفتها روح الأيام الخوالي. في هذا المساء، كان الصمت يخيم على القاعة الكبرى، صمتٌ لا يقطعه سوى تنهيداتٌ مكتومة وارتعاشاتٌ خفيّة في الأعين. جلست لينا على الأريكة الوثيرة، كتابٌ مفتوحٌ في حجرها، لكنّ عقلها كان في مكانٍ آخر، يتيه بين ذكرياتٍ متناثرة وخوفٍ ينمو كالنبت الشيطاني.

منذ لقائها الأخير بعمر، والقلبُ بين نارين. نارُ الشوقِ لرؤيته، ونارُ القلقِ من تداعياتِ خطوتهما الجريئة. لقد أفرطت في التفكير، أفرطت في رسم السيناريوهات، كلّها تنتهي بتردّدٍ مؤلمٍ لا يلائمُ حلمها الوردّي. هل كانت جريئةً بما يكفي؟ هل كانت مستعدةً لتقبلِ التغييرِ الذي قد يجتاحُ حياتها الهادئة؟

تنهدت لينا بعمق، وأغلقت الكتابَ بيدٍ مرتجفة. لم يعد الجلوسُ هنا يحتمل. نهضت واستدارت نحو الباب، تبتغي شيئاً من السكينة في حدائق القصر. خرجت إلى الهواء الطلق، حيثُ تتراقصُ أوراقُ الأشجارِ تحتَ ضوءِ القمرِ الفضي. خطواتها كانت مترددةً على العشبِ الندّي، وكلّما ازدادت الابتعادَ عن أسوارِ القصرِ، شعرتْ بخفّةٍ غريبةٍ تتسللُ إليها.

في الجهةِ المقابلةِ من القصر، في مجلسٍ خاصٍّ، كان الحاج عبدالله يحتسي الشايَ، بصحبةِ الشيخِ سالم، صديقِ العائلةِ القديم، ورجلُ الدينِ ذي الحكمةِ البالغة. كانت الأحاديثُ تدورُ حولَ أمورِ الدّينِ والدنيا، ولكنّ نظراتِ الحاج عبدالله كانت تحملُ ثقلاً أكبر، ثقلاً ناتجاً عن تفكيرٍ عميقٍ حولَ مستقبلِ ابنتهِ.

"يا سالم،" قال الحاج عبدالله بصوتٍ خفيضٍ، "قلبي يعتصرُ ألماً كلّما رأيتُ لينا تحملُ همومَ الدنيا وحدها. إنّها جوهرتي، وخشيتي عليها تفوقُ وصفي."

ابتسم الشيخ سالم ابتسامةً هادئةً، ونظرَ إليهِ بعينينِ تحملانِ دفءَ السنين. "يا عبد الله، كلّ أبٍ يخافُ على ابنتهِ. ولكنّ مخاوفَنا يجبُ أن تدفعَنا إلى التوكلِ على اللهِ، واليقينِ بأنّ الخيرَ هو ما اختارهُ لنا. لينا فتاةٌ صالحةٌ، وذاتُ قلبٍ نقيّ. سييسّرُ اللهُ أمرها."

"ولكنّ الزواجَ أمرٌ عظيم، يا شيخ. ليسَ بالهينِ أن يُختارَ لهُ شريكُ الحياة. أخشى أن تقعَ في خطأ، أو أن يُغشّها من حولها."

"وهل تخشى أن تتخذَ قراراً بنفسها؟" سأل الشيخ سالم، ناظراً إليهِ مباشرةً.

تردد الحاج عبدالله للحظة. "لا، ليسَ تماماً. إنّها ابنتي، وأثقُ بذكائها. ولكنّي أريدُ لها الأمانَ، والأمانُ دائماً ما يكونُ في الاختيارِ الذي يجمعُ بينَ القلبِ والعقلِ، وبينَ ما يُرضي اللهَ وما يُسعدُها."

"إذاً، دعها تسيرُ في طريقها، وكنْ سنداً لها، لا سدّاً أمامها. اللهُ لا يُخيبُ ظنَّ من أحسنَ الظنَّ به. أمّا عن عمر، فهو شابٌّ طيبٌ، تربّى في بيتٍ كريم. إنّ اللهَ يجمعُ القلوبَ على خيرِ ما فيه."

كلماتُ الشيخِ سالم كانت كبلسمٍ على روحِ الحاج عبدالله. شعرَ براحةٍ لم يشعرْ بها منذُ أيام. ربما كانَ توترهُ مبالغاً فيه. ربما كانَ عليهِ أن يمنحَ لينا المزيدَ من الثقة.

في هذهِ الأثناء، كانت لينا تسيرُ بينَ أزهارِ البستانِ، تتأملُ حباتِ الندى المتلألئةِ على بتلاتِ الورود. فجأةً، سمعتْ صوتاً خفيفاً يترددُ صداهُ من بينَ الأشجار. صوتٌ مألوفٌ، صوتٌ جعلَ قلبها يخفقُ بعنف.

"لينا؟"

استدارتْ لينا ببطء، وقلبها يكادُ يقفزُ من صدرها. رأتهُ يقفُ هناك، تحتَ ضوءِ القمرِ المتخللِ عبرَ أغصانِ الشجر. عمر. لم يكنْ يتوقعُ لقاءهُ هنا، في هذا الوقتِ بالذات.

"عمر؟ ماذا تفعلُ هنا؟" سألتْ بصوتٍ مختنقٍ، تحاولُ استجماعَ رباطةِ جأشها.

اقتربَ منها ببطء، وعيناهُ تفيضانُ حباً ولهفة. "لم أستطعْ النوم. كنتُ أفكرُ بكِ. شعرتُ بأنّ روحي تناديكِ. هل أزعجتكِ؟"

"لا، أبداً." قالتْ لينا، وشعرتْ بالخجلِ يغزو وجنتيها. "كنتُ أتنزهُ في الحديقة."

"إنّها جميلةٌ في هذا الوقت." قالَ عمر، وهوَ يقفُ على مقربةٍ منها، بحيثُ تستطيعُ أن تشعرَ بدفءِ حضوره. "ولكنّها لا تضاهي جمالَكِ، يا لينا."

ارتعشتْ لينا من هذهِ الكلماتِ الصادقة. كانتْ عيناهُ كفيلتينِ بإذابةِ كلّ تحفظاتها. "عمر، نحنُ... نحنُ في وضعٍ دقيق. لا أريدُ أن نسبّبَ لأحدٍ إزعاجاً."

"وأنا لا أريدُ ذلك أيضاً." قالَ عمر، وأمسكَ بيدها برفقٍ شديد. شعرتْ لينا بصدمةٍ كهربائيةٍ تسري في عروقها. لم تكنْ تتوقعُ هذهِ الجرأة. "ولكنّ قلبي لا يستطيعُ أن يكذبَ، يا لينا. لقد عرفتُ أنّكِ أنتِ. أنتِ من تمنيتُ لقاءها في كلِّ صباحٍ ومساء. وأنا... أنا مستعدٌّ لتقبلِ كلِّ ما يأتي، ما دمتِ أنتِ بجانبي."

تسمّرتْ لينا في مكانها، عاجزةً عن الكلام. كانتْ كلماتهُ تلامسُ أعماقَ روحها، وتُعيدُ إحياءَ أحلامٍ كانتْ قد دفنتها. هل كانَ هذا هوَ القدرُ؟ هل كانَ هذا هوَ الطريقُ الذي أرادَ اللهُ لهما أن يسلكاه؟

"لكنّ عائلتي... ووالدي..." تمتمتْ لينا، وشعرتْ بالارتباكِ يتسللُ إليها مرةً أخرى.

"سأتحدثُ مع والدكِ. سأطلبُ يدهُ بصدقٍ واحترام. لن أقفَ مكتوفَ الأيدي. أريدُ أن أبنيَ معكِ مستقبلاً، مستقبلاً يكونُ فيهِ رضا اللهِ، ورضا الوالدينِ، وسعادةُ قلوبنا."

نظرتْ لينا في عينيهِ، ورأتْ صدقاً لم ترهُ في أيِّ عينٍ من قبل. في تلكَ اللحظة، تحتَ سماءِ الليلِ المرصعةِ بالنجوم، وبينَ أزهارِ الياسمينِ العطرة، شعرتْ بأنّ كلَّ شكوكها تتلاشى. لم تعدْ تخافُ. لقد أصبحَ لديها ما يمنحها القوة.

"أنا... أنا أثقُ بكَ، عمر." قالتْ لينا، والصوتُ يرتجفُ من عاطفةٍ جياشة.

ابتسمَ عمر ابتسامةً واسعةً، تضيءُ وجههُ. "وهذا يكفيني، لينا. هذا يكفيني لأسيرَ حتى نهايةِ العالم."

عادَ الحاج عبدالله إلى غرفتهِ، وقد زالَ ثقلُ الهمِّ عن صدره. تذكّرَ كلماتِ الشيخِ سالم، وبدأَ يفكرُ في عمر. كانَ شاباً يبدو عليهِ الصلاحُ والتقوى. ربما لم يكنْ تفكيره في الترددِ من بابِ الظلمِ له، بل من بابِ الحرصِ الزائد.

وبينما كانَ يقلّبُ صفحاتِ كتابٍ دينيٍّ، سمعَ صوتَ طرقٍ خفيفٍ على بابه. "من بالباب؟" سألَ بصوتٍ عالٍ.

"إنّهُ أنا يا أبي، عمر."

تفاجأَ الحاج عبدالله. ما الذي يأتي بعمرٍ إليهِ في هذا الوقتِ المتأخر؟ شعرَ بقلقٍ خفيفٍ يراوده. فتحَ البابَ، ليجدَ عمرَ يقفُ أمامه، بوجهٍ يحملُ احتراماً جائلاً، وعينينِ تلمعانِ بشيءٍ من العزم.

"مساءُ الخيرِ يا عمي." قالَ عمر، وبدأَ يتلعثمُ قليلاً. "أتيتُ في وقتٍ متأخرٍ، ولكنّ الأمرَ الذي جئتُ من أجلهِ، لم يستطعْ الانتظار."

نظرَ الحاج عبدالله إلى عمر، ثمّ أشارَ لهُ بالدخول. "تفضلْ يا بني. ما الأمرُ الذي يشغلُ بالك؟"

جلسَ عمر، وأخذَ نفساً عميقاً. "يا عمي، لقد أتيتُ اليومَ لأسألكَ سؤالاً واحداً، ولكنّهُ سؤالٌ يحملُ في طياته كلَّ معاني الحياةِ بالنسبةِ لي."

ترقّبَ الحاج عبدالله، وبدأَ يشعرُ بفضولٍ ممزوجٍ بالحذر.

"أنا... أنا أحببتُ لينا، يا عمي. أحببتها في اللهِ، وأريدُ أن أطلبَ يدها للحلالِ، لأكونَ سنداً لها، وزوجاً صالحاً، وابناً لكَ. هل لي أن أمنحَها شرفَ الزواجِ منّي؟"

الصمتُ يخيمُ على الغرفة، صمتٌ ثقيلٌ، يحملُ في طياته سؤالاً ينتظرُ الإجابة. كانَ الحاج عبدالله ينظرُ إلى عمر، متأملاً صدقَ كلماته. لقد كانتْ مفاجأةً له، ولكنّها مفاجأةٌ لم تأتِ من عدم. لقد لاحظَ التقاربَ بينَ ابنتهِ وعمر، ونظراتِهما التي كانتْ تتجاوزُ حدودَ الصداقة.

"عمر،" قالَ الحاج عبدالله بصوتٍ هادئ، "لقد أعجبتني صراحتكَ. ولكنّ هذا قرارٌ عظيم، ويتطلبُ تفكيراً عميقاً. هل أنتَ متأكدٌ من مشاعركَ؟ هل أنتَ مستعدٌّ لحملِ مسؤوليةِ الزواجِ؟"

"أنا متأكدٌ تماماً، يا عمي. وقد تدربتُ على هذهِ اللحظةِ في عقلي ألفَ مرة. أنا مستعدٌّ لتقديمِ كلِّ ما أملكُ لأسعادِ لينا، ولإرضاءِ اللهِ ورضاكَ."

ارتسمتْ ابتسامةٌ خفيفةٌ على وجهِ الحاج عبدالله. لقد رأى في عيني عمرِ العزمَ والصدقَ، وهما صفتانِ لا يمكنُ تجاهلهما. ربما كانتْ هذهِ هيَ الفرصةُ التي كانَ ينتظرها، الفرصةُ التي قد تجلبُ السعادةَ لابنتهِ.

"حسناً يا بني. سأعطي الأمرَ حقّهُ من التفكيرِ والدعاءِ. سأتحدثُ مع لينا. ولكنّني أرى فيكَ شاباً صالحاً، ولعلي أكونُ قد وجدتُ لكَ ابنةً مباركةً."

نهضَ عمر، وشعرَ براحةٍ كبيرة. "شكراً جزيلاً لكَ يا عمي. سأنتظرُ قراركَ بفارغِ الصبر."

عندما غادرَ عمر، نظرَ الحاج عبدالله إلى البابِ المغلق، وشعرَ بنبضِ قلبٍ أسرعَ قليلاً. كانَ يعلمُ أنّ هذهِ الخطوةَ ستكونُ بدايةَ رحلةٍ جديدةٍ له ولابنتهِ، رحلةٍ مليئةٍ بالحبِّ، وبالتحدياتِ، وبالرضا الإلهي.

في تلكَ الليلة، لم تستطعْ لينا النوم. كانتْ تتنقلُ بينَ الشرفاتِ، تنظرُ إلى السماء. كلُّ شيءٍ تغيرَ. كلماتُ عمر، نظراتهُ، لمسته. كانتْ تشعرُ بأنّها على وشكِ أن تطير. عندما سمعتْ صوتَ والدهِ يدعوها، شعرتْ بارتباكٍ شديد. هل عرفَ؟ هل كشفَ سرّهما؟

دخلتْ إلى الغرفة، ورأتْ والدها جالساً، وشيءٌ من الغموضِ يلفُّ وجههُ.

"يا أمي، هل أنتِ بخير؟" سألتْ لينا، وبدأتْ تشعرُ بالخوف.

ابتسمَ الحاج عبدالله ابتسامةً دافئة. "نعم يا ابنتي، أنا بخير. بل إنّني أشعرُ براحةٍ كبيرةٍ الليلة." ثمّ نظرَ إليها مباشرةً. "هل لديكِ ما تودينَ أن تخبريني بهِ يا لينا؟"

ارتعشتْ لينا، وشعرتْ بأنّ الأرضَ تميدُ بها. كيفَ ستبدأ؟ كيفَ ستواجهُ والدها؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%