حب بلا حدود الجزء الثاني
بوح الأسرار وخطوات الحقيقة
بقلم مريم الحسن
كانتْ عينا لينا مثبتتينِ على والدهَا، وقلبها يخفقُ بسرعةٍ جنونية. شعرتْ بأنّ الكلماتِ تجمّدتْ في حلقها، وأنّ كلَّ قدرتها على التعبيرِ قد تلاشتْ. كيفَ تفسّرُ ما حدثَ في الحديقة؟ كيفَ تبرّرُ تلكَ المشاعرَ التي بدأتْ تنمو في قلبها، وتتجاوزُ حدودَ الحذرِ الذي كانتْ تلتزمُ به؟
"أبي..." بدأتْ بصوتٍ واهنٍ، وهيَ تحاولُ جاهدةً أن تستجمعَ قوتها. "أنا... أنا لا أعرفُ كيفَ أبدأ."
ابتسمَ الحاج عبدالله بلطفٍ، ونظرَ إليها بعينينِ تحملانِ حناناً لا حدودَ له. "ابدئي بما تشعرينَ بهِ يا ابنتي. أنا هنا لأسمعَكِ، لأفهمَكِ. ألمْ تعلمي أنّ قلبي هوَ ملجأُ كلِّ همومكِ؟"
تنهدتْ لينا بعمق، ثمّ رفعتْ رأسها ونظرتْ إليهِ مباشرةً. "يا أبي، لقد... لقد التقيْتُ بعمرَ في الحديقةِ الليلة. كانَ... كانَ الأمرُ مفاجئاً."
لم يُبدِ الحاج عبدالله أيَّ علامةِ دهشة. بل إنّ هدوءه زادَ من ارتباكِ لينا. "وماذا كنتمَ تفعلونَ يا لينا؟" سألَ بهدوءٍ، وكأنّهُ يعرفُ الإجابةَ مسبقاً.
"لقد... لقد تحدثنا يا أبي. تحدثنا عن... عن مشاعرنا." قالتْ لينا، وشعرتْ بالخجلِ يغزو وجنتيها. "عمر... عمرُ يحبني يا أبي. وهوَ... وهوَ قد جاءَ إليكَ الليلة. لقد طلبَ يدِي."
توقفَ الحاج عبدالله للحظة، ولم يكنْ يفعلُ شيئاً سوى أن ينظرَ إلى ابنتهِ. ثمّ قالَ بصوتٍ هادئٍ يحملُ ألفَ معنى: "نعم يا لينا، لقد جاءَ عمرُ إليّ. ولقد سمعتُ منهُ ما سمعتُ. وقد أدهشتني صراحتهُ وجرأتهُ."
ازدادتْ دهشةُ لينا. لم تتوقعْ أبداً أن يكونَ والدهَا قد علمَ بكلِّ شيء. "إذن... إذن أنتَ تعلمُ؟"
"نعم يا ابنتي، أعلمُ. وأنا سعيدٌ جداً بأنّ مشاعركما المتبادلةَ قد وصلتْ إلى هذهِ المرحلةِ من الصدقِ والإقدام. ولكنّ هذا القرارَ لا يخصُّكما وحدكما. لهُ تبعاتٌ، ولهُ مسؤوليات."
"أنا أعرفُ ذلكَ يا أبي. ولكنّني... ولكنّني أثقُ بعمر. أرى فيهِ الزوجَ الصالحَ والسندَ. وأظنّ أنّنا سنكونُ سعداءَ معاً، ما دامَ اللهُ راضياً عنّا."
"الثقةُ يا لينا هيَ أساسُ كلِّ علاقةٍ ناجحة. وعمرُ رجلٌ طيبٌ، وتربيتُهُ حسنة. لقد رأيتُ فيهِ ما يجعلني أطمئنّ. ولكنّ القرارَ النهائيّ ليسَ قرارِي وحدي. يجبُ أن نرى ما سيقولهُ اللهُ وما ستكشفهُ الأيام."
"هل... هل تعارضُ يا أبي؟" سألتْ لينا، وقلبها يعتصرُ ألماً.
"لا يا ابنتي، لا أعارضُ. بل إنّني أؤيدُ. ولكنّني أريدُ أن تكونَ الأمورُ واضحةً وصحيحةً. عمرُ هوَ من طلبَ يدكِ، وأنتِ قد وافقتِ. الآنَ، علينا أن نسيرَ في الطريقِ الصحيح، وهوَ طريقُ الخطبةِ الرسمية، ثمّ الزواج. لا أحبُّ أن تكونَ الأمورُ مبهمةً أو فيها أيُّ تجاوزٍ للحدودِ الشرعية."
شعرتْ لينا براحةٍ تامة. لم يكنْ والدها يعارض، بل كانَ يدعمُ. لقد كانَ يفهمُها، ويهتمُّ بسعادتها.
"شكراً لكَ يا أبي. كلامُكَ هذا يريحُ قلبي."
"وأنا أريدُ أن يرتاحَ قلبي يا ابنتي. ولكنّ قبلَ كلِّ شيء، يجبُ أن ننهيَ موضوعَ خالتكِ. لم أعدْ أحتملُ هذا الوضع. لقد طالَ الأمدُ، وبدأَ الضغطُ يزدادُ علينا."
عندما ذكرَ والدها موضوعَ خالتها، شعرتْ لينا ببرودةٍ تسري في عروقها. لقد نسيتْ تقريباً موضوعَ خالتها، وكلَّ ما يدورُ حولَ أملاكِ العائلةِ المبعثرة. "ماذا تقصدُ يا أبي؟ هل هناكَ أخبارٌ جديدة؟"
"نعم يا ابنتي. لقد عادَ محامي العائلةِ من سفرهِ، ووجدَ بعضَ المستنداتِ المهمةِ التي قد تغيرُ مجرى القضيةِ بالكامل."
"ما هيَ هذهِ المستندات؟" سألتْ لينا بفضولٍ متزايد.
"لم يُعطني تفاصيلَ كاملةً بعد، ولكنّهُ قالَ إنّها تتعلقُ بوصيةِ جدِّكِ. ويبدو أنّ هناكَ بنوداً لم تُنفذ، وأموراً قد أُخفيتْ."
"أخفيتْ؟ من أخفاها؟"
"هذا ما سنحاولُ اكتشافهُ. ولكنّ الأخطرُ من ذلكَ، هوَ أنّ هذهِ المستنداتِ قد تُظهرُ نوايا خالتكِ السيئةَ بشكلٍ واضح. ربما كانتْ هيَ من يقفُ وراءَ كلِّ هذهِ المشاكل."
شعرتْ لينا بقلقٍ كبير. لقد كانتْ خالتها دائماً غامضةً، ولم تكنْ تثقُ بها كثيراً. ولكنّها لم تتوقعْ أبداً أن تكونَ بهذا القدرِ من الدهاءِ والخداع.
"هل... هل هيَ قادرةٌ على فعلِ ذلك؟"
"يا لينا، الشرُّ قد يكونُ متغلغلاً في بعضِ القلوبِ دونَ أن نعلم. سنرى. غداً، سنعقدُ اجتماعاً عائلياً، بحضورِ المحامي، لمناقشةِ كلِّ هذهِ الأمور. أريدُكِ أن تكوني حاضرةً. فالموضوعُ يتعلقُ بمستقبلِ العائلةِ كلّها."
"بالتأكيدِ يا أبي. سأكونُ حاضرةً."
في صباحِ اليومِ التالي، استيقظتْ لينا على شعورٍ متناقض. شعورٌ بالفرحِ للقربِ من عمر، وشعورٌ بالقلقِ من المواجهةِ مع خالتها. كانَ المنزلُ يضجُّ بالنشاطِ المعتاد. جدتها كانتْ تحضّرُ الإفطار، ووالدها كانَ يتحدثُ في الهاتفِ مع المحامي.
بعدَ تناولِ الإفطار، ذهبتْ لينا إلى غرفتها، وبدأتْ تتجهزُ للاجتماع. اختارتْ ثوباً بسيطاً وأنيقاً، يعكسُ كرامتها ورزانتها. وبينما كانتْ تصففُ شعرها، سمعتْ صوتَ طرقٍ خفيفٍ على بابِ غرفتها.
"من بالباب؟"
"إنّهُ عمرُ يا لينا. هل تسمحينَ لي بالدخول؟"
ابتسمتْ لينا، وشعرتْ بقلبها يخفقُ بسعادة. "تفضلْ."
دخلَ عمر، وابتسامةٌ واسعةٌ ترتسمُ على وجههِ. كانَ يحملُ في يدهِ سلةَ فواكهٍ جميلة. "صباحُ الخيرِ يا أجملَ فتاةٍ في العالم."
"صباحُ النورِ يا عمر. ما الذي أتى بكَ إلى هنا؟"
"أتيتُ لأطمئنَّ على أحوالكِ، ولأقولَ لكِ إنّني سأكونُ موجوداً في الاجتماعِ اليوم. لا أحبُّ أن تتركيكِ وحدكِ في مواجهةِ كلِّ هذهِ الأمور."
"هذا لطفٌ كبيرٌ منك، يا عمر. أقدرُ ذلكَ حقاً."
"لا داعي للشكر. إنّكِ الآنَ جزءٌ من حياتي، وأنا جزءٌ من حياتكِ. ما يؤلمكِ يؤلمني، وما يفرحكِ يفرحني."
شعرَتْ لينا بامتنانٍ عظيم. لقد كانتْ كلماتهُ هذهِ كافيةً لتعزّزَ ثقتها بهِ، وتمنحها القوةَ لمواجهةِ أيِّ شيء.
"أبي قالَ لي إنّهُ قد تحدثَ معك. هل... هل وافقَ؟" سألَ عمر، بنبرةٍ تحملُ بعضَ القلق.
"نعم يا عمر، لقد وافقَ. ولقد شعرتُ بسعادةٍ لا توصف. ولكنّ والديّ أصرَّ على أن تكونَ الأمورُ واضحةً وشرعية. سيتمُّ تحديدُ موعدٍ للخطبةِ بعدَ أن ننتهيَ من موضوعِ خالتنا."
"وهذا ما أريدهُ تماماً. لا أريدُ أن نبدأَ حياتنا بشيءٍ فيهِ غضبُ الله. سأقفُ معكِ في كلِّ شيء، يا لينا. حتى ننتهيَ من هذهِ المشاكلِ ونبدأَ حياتنا الجديدةُ بهناءٍ وسرور."
تبادلا نظراتٍ مليئةً بالحبِّ والأمل. كانتْ مشاعرهما أقوى من أيِّ صعوبةٍ قد تواجههما.
في وقتٍ لاحقٍ من ذلكَ اليوم، اجتمعَ أفرادُ العائلةِ في غرفةِ الاستقبالِ الكبرى. كانَ الحاج عبدالله جالساً في صدرِ الغرفة، وبجانبهِ المحامي، الأستاذُ خالد. كانتْ خالتها، السيدةُ فاطمة، تجلسُ في الجهةِ المقابلة، بوجهٍ يحملُ علاماتِ القلقِ والتحدي. جدتها كانتْ جالسةً بصمتٍ، تراقبُ الأحداثَ بعينينِ مليئتينِ بالترقب.
بدأَ الحاج عبدالله الحديثَ بصوتٍ ثابتٍ وقوي. "اجتمعنا اليومَ لمناقشةِ أمرٍ هامٍّ يتعلقُ بميراثِ جدِّكم، ومستقبلِ عائلتنا. لقد حصلنا على مستنداتٍ جديدةٍ، تعيدُ فتحَ ملفِ الوصيةِ القديمة."
نظرتْ السيدةُ فاطمةُ إلى المحامي، وبدا عليها الارتباك. "ما هيَ هذهِ المستندات؟" سألتْ بصوتٍ أجشّ.
"هذهِ المستندات، يا سيدةَ فاطمة،" قالَ الأستاذُ خالد، وهوَ يقلّبُ أوراقه، "هيَ عبارةٌ عن مذكراتٍ خطّيةٍ لجدِّكم، ورسائلُ تبادلها معَ محاميهِ السابق. وتُظهرُ هذهِ المستنداتُ بوضوحٍ أنّ هناكَ بنوداً في الوصيةِ لم تُنفذ، وأنّ هناكَ ثروةً كبيرةً تمَّ إخفاؤها، ربما بتدبيرٍ منكِ."
ارتعشَ وجهُ السيدةِ فاطمة، وبدأتْ ملامحُها تتغير. "هذا افتراءٌ! أنتم تتهمونني بالباطل!"
"ليستْ اتهاماتٍ باطلةً يا سيدةَ فاطمة،" قالَ الحاج عبدالله بهدوءٍ، ولكنّ بنبرةٍ تحملُ قوةً لا جدالَ فيها. "فلقد تبيّنَ لنا أيضاً أنّكِ كنتِ على علمٍ مسبقٍ بكلِّ هذهِ الأمور، وأنّكِ عملتِ على إخفاءِ هذهِ المستنداتِ لفترةٍ طويلة. ولولا العنايةُ الإلهيةُ التي أرشدتنا إلى مكانِها، لظلّتْ الحقائقُ دفينةً."
"لا أصدقُ حرفاً واحداً مما تقولون!" صرختْ السيدةُ فاطمة، وشعرتْ بأنّها محاصرة.
"هناك دليلٌ دامغٌ يا سيدةَ فاطمة،" قالَ الأستاذُ خالد، وهوَ يمدُّ يدهُ إلى إحدى الرسائل. "هذهِ الرسالةُ مؤرخةٌ قبلَ وفاةِ جدِّكم بشهرٍ واحد، وهيَ تُشيرُ صراحةً إلى إخفاءِ بعضِ الأوراقِ الهامةِ، وإلى خطةٍ لتوزيعِ الثروةِ بطريقةٍ مختلفةٍ عن الوصيةِ الرسمية. وقد أرفقتَ بهذهِ الرسالةِ تعليماتٍ واضحةً لمن يجدُ هذهِ الأوراق."
بدأتْ السيدةُ فاطمةُ ترتعشُ، وشحبتْ ملامحُها. بدا عليها الارتباكُ الشديد.
"ماذا تفعلُ بنا؟" سألَ الحاج عبدالله، بجديةٍ تامة. "لماذا فعلتِ هذا؟ لماذا أردتِ أن تحرمي ورثةَ جدِّكِ من حقوقهم؟"
"لم أحرمْ أحداً!" صرختْ السيدةُ فاطمةُ، بصوتٍ يحملُ نبرةَ يأس. "لقد أردتُ فقط... أردتُ أن أحافظَ على إرثِ العائلة. أردتُ أن أتأكدَ من أنّ كلَّ شيءٍ يسيرُ حسبَ ما هوَ مخططٌ له."
"ولكنّكِ أردتِ أن تستفيدي أنتِ وحدكِ، أليسَ كذلك؟" قالَ الحاج عبدالله، وبدأَ يتحدثُ بنبرةٍ تحملُ غضباً مكبوتاً. "لقد رأيتُ في عينيكِ الطمعَ دائماً. لقد كنتِ تسعينَ وراءَ المالِ، ولم يهمّكِ أحدٌ سوانا."
"هذا ليسَ صحيحاً!"
"نعم، هذا صحيحٌ،" قالتْ جدتها بصوتٍ قويٍّ، لأولِ مرةٍ منذُ بدايةِ الاجتماع. "لقد رأيتُ طمعكِ منذُ زمنٍ بعيد. ولكنّني كنتُ أخشى أن أتحدثَ، حتى لا أُفسدَ علاقاتِ العائلة. ولكنّكِ تجاوزتِ كلَّ الحدودِ يا فاطمة."
كانتْ السيدةُ فاطمةُ تبدو في وضعٍ لا يُحسدُ عليه. بدا عليها اليأسُ والارتباك.
"نحنُ لن نسكتَ عن حقنا أبداً،" قالَ الحاج عبدالله، وبدأَ يتحدثُ بنبرةٍ تحملُ عزمًا شديدًا. "سنقومُ بإجراءاتٍ قانونيةٍ صارمةٍ لاستعادةِ كلِّ ما تمَّ إخفاؤه. ولن نسامحَكِ على ما فعلتِ. لقد خنتِ ثقةَ العائلةِ، وخنتِ وصيةَ جدِّكِ."