حب بلا حدود الجزء الثاني
ظلال الماضي وشرارات الحقيقة
بقلم مريم الحسن
شعرَ الحاج عبدالله بانتصارٍ ممزوجٍ بالأسف. انتصارٌ لاستعادةِ حقوقِ العائلةِ، وأسفٌ على هذهِ النهايةِ المريرةِ لعلاقاتٍ كانتْ يوماً ما وطيدة. استمرَّ المحامي، الأستاذُ خالد، في عرضِ الأدلةِ، رسالةً تلوَ الأخرى، مذكرةً تلوَ الأخرى. كانتْ كلُّ كلمةٍ تُقالُ كطعنةٍ في قلبِ السيدةِ فاطمة، التي بدأتْ تنهارُ أمامَ الجميع.
"أنا... أنا آسفة،" تمتمتْ بصوتٍ بالكادِ يُسمع، والدموعُ تنهمرُ من عينيها. "لم أقصدْ... لم أقصدْ أن أصلَ إلى هنا."
"ولكنّكِ وصلتِ، يا فاطمة،" قالتْ جدتها بحزمٍ، ولكنْ بنبرةٍ تحملُ بعضَ الأسى. "لقد اخترتِ طريقَكِ بنفسكِ. لقد سمحتِ للطمعِ أن يسيطرَ عليكِ، وأن يجعلكِ تفعلينَ ما فعلتِ."
"أريدُ فقط... أريدُ أن أصلحَ خطئي."
"الإصلاحُ يا فاطمة، يبدأُ بالاعترافِ الكاملِ بالخطأ، وبالتعاونِ معنا لاستعادةِ كلِّ شيءٍ تمَّ إخفاؤه. إذا كنتِ جادةً في كلامكِ، فلتتحدثي. وإلا، فإنّ القانونَ وحدهُ هوَ من سيتولى الأمر."
نظرتْ السيدةُ فاطمةُ إلى الحاج عبدالله، ثمّ إلى جدتها، ثمّ إلى المحامي. بدتْ وكأنّها تبحثُ عن مخرجٍ، عن سبيلٍ للنجاة.
"أنا... أنا أعرفُ أينَ توجدُ بعضُ الأوراقِ الأخرى،" قالتْ بصوتٍ متردد. "ولكنّني... لم أستطعْ أن أتخلصَ منها. إنّها... إنّها تخصُّ شيئاً آخر. شيئاً خطيراً."
"ما هوَ هذا الشيءُ الخطير؟" سألَ الحاج عبدالله بفضولٍ متزايد.
"إنّهُ... إنّهُ يتعلقُ بزواجِ أبي."
صُدمَ الجميع. زواجُ الأب؟ لم يكنْ لديهم أيُّ علمٍ بوجودِ زيجاتٍ أخرى للأبِ غيرَ زواجِ الجدة.
"ماذا تعنينَ يا فاطمة؟" سألتْ جدتها بصوتٍ مرتجف.
"لقد... لقد كانتْ لوالدنا علاقةٌ سريةٌ معَ امرأةٍ أخرى، قبلَ أن يتزوجَ من جدتكِ. وأنجبَ منها ابناً. ولكنّهُ لم يعترفْ بهِ أبداً، وأخفى الأمرَ عن الجميع. وهذهِ الأوراقُ هيَ الأدلةُ على ذلك."
كانَ الخبرُ كالصاعقةِ على الجميع. لم يتخيلْ أحدٌ أبداً أن يكونَ للأبِ ابنٌ غيرَ أبنائه.
"وهل تعرفينَ أينَ هذا الابنُ الآن؟" سألَ الحاج عبدالله، وشعرَ بدوارٍ خفيف.
"لا أعرفُ تماماً. ولكنّني سمعتُ همساتٍ قديمةً عن أنّهُ يعيشُ في إحدى الدولِ البعيدة، وأنّ لديهِ حقاً في الميراثِ. لقد حافظتُ على هذهِ الأوراقِ لأبتزَّ بها والدي، إنْ حاولَ أن يُضيّعَ حقوقي."
"ولكنّكِ أضعتِ حقوقَ الجميعِ، يا فاطمة،" قالتْ جدتها ببرود. "لقد سعيتِ وراءَ المالِ، ولم تفكري إلا في نفسكِ."
"أنا... أنا أعترفُ بخطئي،" قالتْ السيدةُ فاطمةُ، وشعرتْ بأنّ كلَّ دفاعاتها قد انهارت. "وإذا كنتمُ تريدونَ معرفةَ مكانِ الأوراقِ الأخرى، فلتأتوا معي. سأدلّكم عليها."
نهضَ الحاج عبدالله، ونظرَ إلى عمر. "أظنُّ أنّنا سنحتاجُ إلى مساعدتكَ يا بني."
ابتسمَ عمر، وقال: "بالتأكيدِ يا عمي. أنا هنا للمساعدة."
توجهتْ السيدةُ فاطمةُ معَ الحاج عبدالله، وعمر، والمحامي، إلى مخزنٍ قديمٍ في أحدِ أطرافِ القصر. كانَ المكانُ مليئاً بالأثاثِ القديمِ والغبار. بدأتْ السيدةُ فاطمةُ تبحثُ بينَ الصناديقِ والأوراقِ المبعثرة. بعدَ فترةٍ من البحثِ المضني، وجدتْ صندوقاً خشبياً قديماً، وفتحتْه.
"هذهِ هيَ،" قالتْ، وهيَ تُخرجُ مجموعةً من الأظرفِ والمستنداتِ المكدسة. "هذهِ الأوراقُ تثبتُ وجودَ هذا الابنِ، وتُفصّلُ بعضَ أجزاءٍ من حياتهِ."
أخذَ المحامي الأوراقَ، وبدأَ يتصفحها بجدية. "هذهِ مستنداتٌ هامةٌ جداً،" قالَ. "إنّها تُثبتُ وجودَ علاقةٍ شرعيةٍ، وولادةِ ابنٍ. وهذا يعني أنّ لهُ حقاً في الميراثِ."
شعرَ الحاج عبدالله بصدمةٍ عميقة. لم يتخيلْ أبداً هذا الأمر. لقد كانَ أبوهُ رجلاً محترماً، ولم يعرفْ عنهُ شيئاً كهذا.
"يجبُ علينا الآنَ أن نبحثَ عن هذا الابنِ. قد يكونُ الأمرُ معقداً، ولكنّنا سنحاولُ بكلِّ ما لدينا من قوة."
أثناءَ عودتهم، كانَ الصمتُ يخيمُ على الجميع. كانتْ الأفكارُ تتصارعُ في رأسِ الحاج عبدالله. هل كانَ هذا الابنُ يعيشُ في ظروفٍ سيئة؟ هل كانَ يعلمُ بوجودِ والدهِ؟
"يا أبي،" قالَ عمر، وهوَ يشعرُ بثقلِ الخبر. "مهما كانَ الأمر، فإنّ اللهَ هوَ من يُدبّر