حب بلا حدود الجزء الثاني
خيط رفيع من الأمل وخنجر من الغدر
بقلم مريم الحسن
عاد الهدوء النسبي إلى حياة لينا، ولكن ذلك الهدوء لم يكن يخلو من صدى الأفكار التي تركتها مواجهتها مع أدهم. كانت قد اتخذت قرارها، وغرست قدميها بقوة في طريقها مع عمر. كانت تشعر بالتحسن، وبأنها استطاعت أن تتخلص من عبء الماضي، وأن تركز على بناء مستقبلها.
في أحد الأيام، بينما كانت تساعد جدتها في تنسيق زهور الحديقة، تلقت اتصالاً من عمر. كان صوته يفيض حباً ولهفة. "لينا، حبيبتي. هل أنتِ مشغولة؟ أود أن أراكِ اليوم. لدي مفاجأة لكِ."
ابتسمت لينا، وسرعان ما عادت إليها بهجة القلب. "مفاجأة؟ أحب المفاجآت. أنا في منزل جدتي، ولكنني سأكون جاهزة بعد قليل."
"رائع. سأمر عليكِ بعد ساعة. جهزي نفسكِ."
بعد ساعة، وصل عمر بسيارته الأنيقة، وكان وجهه يشع سعادة. قدم لها باقة ورد أحمر، وارتدى خاتم الخطوبة الذي كان قد أهداها إياه. كانت اللحظة مليئة بالحب، والامتنان.
"ما هي المفاجأة؟" سألت لينا بفضول، وهي تتلمس بتلات الورد الناعمة.
"هيا بنا، وسوف ترين." قال عمر، وهو يفتح لها باب السيارة.
قادها عمر إلى أحد المطاعم الفاخرة المطلة على البحر. كانت الأجواء رومانسية، وأضواء الشموع تزيد المكان سحراً. بعد تناول العشاء، أخرج عمر صندوقاً صغيراً.
"لينا، أحببتكِ منذ اليوم الأول الذي رأيتكِ فيه. وأنتِ أضأتِ حياتي. أريد أن أقدم لكِ هدية، لتعلمي كم أنتِ غالية عليّ."
فتح الصندوق، ليكشف عن قلادة من الألماس، تتلألأ تحت أضواء المطعم. كانت جميلة للغاية.
"عمر، إنها رائعة! لا أعرف ماذا أقول." قالت لينا، وعيناها تلمعان بالدموع.
"قولي فقط إنكِ تحبينني، يا لينا." قال عمر، وهو يضع القلادة حول عنقها.
"أحبك، يا عمر. أحبك كثيراً."
عانقها عمر بحنان. كانت تشعر بسعادة غامرة، وبأنها اختارت الرجل المناسب. كان مستقبلها معه يبدو مشرقاً، مليئاً بالحب، والأمان.
*
في غضون ذلك، لم يكن أدهم راضياً عن نهاية لقائهما. شعر بأن كلماته لم تكن كافية، وأن رغبته في استعادة شيء من حياته القديمة كانت أقوى من أي اعتبار. بدأ يراقب لينا من بعيد. تعلم جداولها، وعاداتها. كان يتسلل إلى حساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي، يتتبع أخبارها، وينظر إلى صورها مع عمر.
كان يرى سعادتها، ولكنه كان يشعر بالغيرة. كانت تلك السعادة التي كان يتمنى أن يراها بها، ولكنها لم تكن معه. بدأ يقنعه شيطانه أن ما بين لينا وعمر ليس حباً حقيقياً، بل مجرد زواج تقليدي، أو خطوبة مبنية على مجاملات.
بدأ يخطط. لم يكن يريد تدمير حياتها، ولكنه كان يريد استعادة مكانه. كان يعتقد أن لينا ما زالت تحمل مشاعر له، وأنها لم تنسه حقاً.
في أحد الأيام، بينما كان أدهم يتصفح الأخبار، لفت انتباهه مقال عن رجل أعمال ثري، يدعى "سالم"، له علاقات مشبوهة، وكان يواجه بعض المشاكل القانونية. لاحظ أدهم أن اسم سالم كان يظهر في أخبار قديمة تتعلق بوالد لينا.
بدأت فكرة تتكون في رأسه. فكرة مظلمة، وخبيثة. ربما كانت هناك طريقة لاستغلال الماضي، ولإعادة لينا إليه.
اتصل بخالد، صديقه المقرب. "خالد، أحتاج مساعدتك. لدي خطة، ولكنها تتطلب دقة، وحذراً. هل أنت مستعد؟"
تردد خالد قليلاً. كان يعرف أن أدهم لم يكن دائماً على الطريق الصحيح، ولكنه كان صديقه. "ما هي خطتك، أدهم؟"
"أعلم أنك تعرف بعض الأشخاص في عالم الأعمال. أريد منك أن تبحث لي عن معلومات عن رجل يدعى سالم. أريد كل شيء عنه."
"سالم؟ أعتقد أنني سمعت بهذا الاسم من قبل. ماذا تريد منه؟"
"لدي سبب وجيه. وهذا السبب يتعلق بـ لينا."
شعر خالد بقلق. "أدهم، أنت لا تعرف ما تفعله. لا تدع مشاعرك تدمر حياتها."
"أنا أعرف ما أفعله، خالد. وأنا متأكد أن هذه هي الطريقة الوحيدة. أنت معي أم ضدي؟"
بعد لحظات من الصمت، أجاب خالد بتنهيدة: "أنا معك، أدهم. ولكنني لا أحب ما أشم رائحته."
*
بدأت لينا تشعر ببعض التغييرات في حياتها. بدأت تتلقى رسائل غامضة على هاتفها، لا تحمل اسم المرسل. كانت الرسائل تحمل تهديدات خفية، وإشارات إلى معرفة تفاصيل دقيقة عن حياتها.
"أعلم أن سعادتكِ مع عمر لن تدوم."
"هناك أسرار في ماضيكِ، لم تكشفي عنها بعد."
"لا تعتقدي أن الماضي قد انتهى."
في البداية، اعتقدت لينا أنها مجرد مزحة سخيفة، أو شخص يحاول إزعاجها. ولكن مع تكرار الرسائل، وبزيادة حدتها، بدأت تشعر بالخوف.
"عمر، أنا أشعر بالقلق. أتلقى رسائل غريبة، تهددني."
نظر عمر إليها بقلق. "رسائل؟ من؟"
"لا أعرف. لا يوجد اسم. فقط كلمات مخيفة."
"لا تقلقي يا حبيبتي. سأكون معك. وسنتعامل مع هذا الأمر. ربما هو شخص يحاول إفساد فرحتنا."
حاول عمر أن يطمئنها، ولكنه كان يشعر هو الآخر بالقلق. كان يرى كيف أن هذه الرسائل تؤثر عليها.
في إحدى الليالي، بينما كانت لينا نائمة، تلقت رسالة أخرى. هذه المرة، كانت صورة. صورة لها ولأدهم، في الماضي. الصورة كانت قديمة، ولكنها كانت تحمل ذكرى جميلة. ولكن الرسالة المرفقة بها كانت مرعبة: "هذه الذكريات ستعود لتطاردكِ. ولن يبقى عمر بجانبكِ."
استيقظت لينا بفزع، وقلبها يخفق بعنف. نظرت إلى الصورة، وشعرت وكأنها تتجمد. أدهم؟ هل يمكن أن يكون هو؟ هل كان يحاول استعادة الماضي بهذه الطريقة؟
اتصلت بعمر فوراً. "عمر، لقد تلقيت صورة. صورة لي ولك... ولأدهم. وهو يهددني."
"ماذا؟ صورة؟ لي ولك؟ ومن أدهم؟" بدأ صوت عمر يتغير، يشوبه الغضب.
"نعم. هو. الرجل الذي... الذي عرفته قبل سنوات."
"وكيف حصل على صورتكما؟ ومن هو أدهم هذا؟"
"إنه... إنه شخص من الماضي، عمر. لم أكن أعرف أنه ما زال مهتماً."
"مهتماً؟ هل هذا ما تسمينه؟ هل هذا ما يفعله شخص مهتم؟"
شعر عمر بالغضب. لم يكن يتوقع أن يكون هناك شخص من ماضي لينا يحاول التدخل في حياتهما بهذه الطريقة. "لينا، لا تقلقي. سأتولى الأمر. سأتحدث مع أدهم. ولا تقلقي، لن يستطيع إفساد فرحتنا."
ولكن لينا كانت تشعر بأن الأمور تتجاوز مجرد تدخل شخصي. كانت تشعر بأن هناك شيئاً أكبر يحدث. كانت تشعر بأنها قد دخلت في لعبة خطيرة، لعبة لم تكن تعرف قواعدها.
بينما كان عمر يحاول تهدئتها، كانت لينا تنظر إلى الصورة، وإلى الرسالة. شعرت بأنها محاصرة. محاصرة بين ماضي مؤلم، وحاضر مليء بالتهديدات، ومستقبل مجهول.
لم تكن تعلم أن أدهم، لم يكن وحده في هذه اللعبة. وأن هناك قوى أخرى، أكثر خبثاً، تعمل في الخفاء، مستغلة ضعفه، ومدفوعة بأحقاد قديمة، لوضع لينا وعمر في مواجهة قاتلة.