حب بلا حدود الجزء الثاني
الفصل الثاني — أوراق من الماضي ونداء المستقبل
بقلم مريم الحسن
بعد أن قضت ليلى ساعاتٍ طويلة تتأمل صندوق أحمد، وتقلب في محتوياته، شعرت بنوعٍ من الإرهاق يخالجها، لكن شغفها لمعرفة ما كان يخفيه أحمد كان أقوى من أي شعورٍ آخر. كان الليل قد أرخى سدوله، وضوء القمر قد تسلل من النافذة، مرسومًا خيوطًا فضية على الأرضية الخشبية. رفعت ليلى الملف السميك، والذي بدا ثقيلًا نسبيًا، وبدأت تتصفحه.
كان الملف مليئًا بمخططاتٍ هندسية، رسوم توضيحية، وأوراقٍ علمية معقدة. كان يبدو كأنه يتعلق بمشروعٍ كبير، مشروعٍ يتطلب ذكاءً وخبرةً فائقة. كان أحمد، المهندس النابه، قد خطط لشيءٍ عظيم. بدأت ليلى تقرأ الملاحظات المكتوبة بخط يده، والتي كانت تارةً واضحةً كالشمس، وتارةً أخرى تحتاج إلى تركيزٍ شديد لفهمها.
"مشروع 'النور'،" قرأت ليلى أحد العناوين. "هدفه: توفير طاقة نظيفة ومستدامة للمناطق النائية. آليات العمل: الاعتماد على تقنية الخلايا الشمسية المتطورة، مع دمج حلول تخزين الطاقة المبتكرة."
ذهلت ليلى. لم تكن تعلم شيئًا عن هذا المشروع. كان أحمد دائمًا يشاركها أفكاره، لكن هذا المشروع بدا مختلفًا، أكبر، وأكثر تعقيدًا. تذكرت كيف كان يغيب أحيانًا، وكان يعتذر بأن لديه عملٌ يتطلب تركيزًا. ربما كان هذا هو السبب.
واصلت تصفح الأوراق. وجدت حساباتٍ معقدة، أبحاثًا علمية، بل وحتى رسائل بريد إلكتروني موجهة إلى جهاتٍ مختلفة، تبدو أنها شركاتٌ مرموقة وجامعاتٌ علمية. كان أحمد يحاول الحصول على تمويلٍ ودعمٍ لهذا المشروع.
"لكن لماذا لم يخبرني؟" تساءلت ليلى في حيرة. "لماذا أخفاه عني؟"
فجأة، تذكرت جملةً في رسالته: "شيء يخصني، ولكني لم أستطع أن أكمله بمفردي." هل كان يقصد هذا المشروع؟ هل كان يرجو منها أن تكمله؟
بدأت تشعر بعبءٍ كبيرٍ يقع على كتفيها. هي، التي كانت قد فقدت كل شيء، تجد نفسها الآن أمام مسؤوليةٍ ضخمة. مسؤولية إكمال حلم رجلٍ أحبته، حلمٍ قد يغير حياة الكثيرين.
أمسكت بورقةٍ بدت كأنها خطة عملٍ مفصلة. كانت الأرقام والحسابات فيها دقيقة، لكنها كانت تشعر بأنها بحاجة إلى فهمٍ أعمق. أخذت تفكر في كل ما تعلمته في دراستها الجامعية، فقد كانت متخصصةً في الفيزياء، ورغم أنها لم تعمل في مجال الهندسة مباشرة، إلا أن أساسياتها كانت قريبة.
"يجب أن أفهم هذا الأمر جيدًا،" قالت لنفسها بصوتٍ عالٍ. "يجب أن أعرف ما هو 'مشروع النور' حقًا، وماذا يمكنني أن أفعل."
قضت ليلى ساعاتٍ أخرى وهي تغوص في أعماق الملف، تحاول فهم كل تفصيل. كانت هناك بعض المصطلحات والمفاهيم التي كانت جديدة عليها، فكانت تبحث عنها على جهاز الحاسوب الخاص بها، تقرأ المقالات العلمية، وتشاهد الفيديوهات التوضيحية.
في أحد الأوراق، وجدت قائمة بأسماء أشخاصٍ، يبدو أنهم كانوا شركاء محتملين أو داعمين للمشروع. كان من بينهم اسمٌ واحدٌ لفت انتباهها بشدة: "الدكتور فهد العمران." كان هذا الاسم معروفًا في الأوساط العلمية، فهو عالمٌ بارزٌ في مجال الطاقة المتجددة، وكانت سمعته تسبقه.
"هل تعامل أحمد مع الدكتور فهد؟" تساءلت ليلى. "ربما هو الوحيد الذي يمكنه مساعدتي."
شعرت بأنها يجب أن تتواصل مع هذا الرجل. كان يعرف أحمد، ويعرف مشروعه. لكن كيف؟ هل تذهب إليه مباشرة؟ هل ترسل له رسالة؟
قررت أن تبدأ بالبحث عن معلوماتٍ حول الدكتور فهد العمران. وجدت أن لديه مركزًا للأبحاث في إحدى المدن الكبرى، وأنه يقدم استشاراتٍ لمشاريعٍ علمية جديدة.
في تلك الأثناء، كان والدها، الحاج عبد الله، الذي كان يحمل همّ ابنته وحزنها، قد لاحظ ابتعادها عن العالم. كان رجلًا حكيمًا، صاحب قلبٍ كبير، وأراد أن يرى ابنته تعود إلى حياتها الطبيعية.
دخل إلى غرفتها، ليجدها غارقةً في أوراقٍ كثيرة. سألها بصوتٍ حنون: "ماذا تفعلين يا ابنتي؟ أراكِ مشغولةً جدًا."
نظرت إليه ليلى، وقد بدت عيناها متعبتين لكنهما تلمعان بالحماس. "أبي، لقد وجدت شيئًا مهمًا جدًا تركه أحمد. يبدو أنه كان يعمل على مشروعٍ كبير، ومشروعٍ قد يحمل أملًا للمستقبل."
شرحت له ما وجدته، وأظهرت له بعض المخططات. استمع الحاج عبد الله باهتمام، ثم قال: "الحمد لله. أحمد كان رجلًا مباركًا، وما ترك لكِ شيئًا إلا وكان فيه خير. إذا كنتِ ترين أن هذا المشروع مهم، فعليكِ أن تسلكي دربه، وأن تكملي ما بدأه."
"ولكن يا أبي، أنا لست متأكدةً من أنني أستطيع. هذا الأمر يبدو معقدًا جدًا."
ابتسم الحاج عبد الله وقال: "يا ابنتي، أحمد لم يختر لكِ شيئًا لا تستطيعين القيام به. هو يعرف قدراتك. عليكِ فقط أن تبدئي، وأن تأخذي بالأسباب. والله معكِ."
تشجعت ليلى بكلمات والدها. في اليوم التالي، قررت أن تتخذ خطوتها الأولى. كتبت رسالةً رسمية إلى الدكتور فهد العمران، شرحت فيها باختصارٍ ما وجدته، وطلبت منه موعدًا للقاء. أرفقت الرسالة بنسخةٍ من بعض المخططات الرئيسية للمشروع.
وبينما كانت ليلى ترسل هذه الرسالة، كانت هناك شخصيةٌ أخرى تفكر فيها. إنها "سارة"، صديقة أحمد المقربة، والتي كانت زميلته في العمل. كانت سارة تعرف أحمد جيدًا، وتعرف طموحاته. ربما كانت تعرف شيئًا عن هذا المشروع.
كانت سارة امرأةً قوية، طموحة، ولكنها كانت تحمل في قلبها بعض الغيرة والحسد. كانت ترى في أحمد قدوةً، لكنها كانت تتمنى لو أنها هي من توصلت إلى هذا المشروع.
في مكانٍ آخر، كان "فارس"، ابن عم أحمد، يشعر ببعض القلق. كان فارس يعتقد أن أحمد قد اكتشف شيئًا خطيرًا، شيئًا قد يعرضهما للخطر. كان فارس يعمل مع أحمد في بعض المشاريع، وكان يعرف أن لديه بعض الأعداء.
"لا بد أن أعرف ما هو سر هذا المشروع،" فكر فارس. "ما الذي كان أحمد يخفيه؟"
كانت هذه بداية رحلةٍ جديدة لليلى. رحلةٌ ستضعها في مواجهة تحدياتٍ لم تكن تتوقعها. رحلةٌ ستكشف لها أسرارًا، وستجعلها تواجه أناسًا قد يكونون عونًا لها، وقد يكونون عائقًا.
جلست ليلى مرة أخرى على حافة النافذة، تتأمل سماء المساء. كانت تشعر بثقل المسؤولية، ولكنها كانت تشعر أيضًا بنوعٍ من الأمل. ربما كان أحمد قد ترك لها هذه المهمة، لكي تجد نفسها من جديد، ولكي تحقق ما لم يستطع هو تحقيقه.
"سأفعل ذلك يا أحمد،" همست ليلى. "سأكمل ما بدأته."
انتهى الفصل الثاني، تاركًا القارئ يتساءل عن رد فعل الدكتور فهد العمران، وعن دور سارة وفارس في هذه القصة. هل سيساعد الدكتور فهد ليلى؟ وما هي نوايا سارة وفارس؟ الحبكة تزداد تعقيدًا، والتشويق يرتفع.