حب بلا حدود الجزء الثاني
الفصل الثالث — لقاءٌ يفتح الأبواب
بقلم مريم الحسن
انقضت أيامٌ وليالٍ، وكل يومٍ يمضي يحمل معه انتظارًا وترقبًا. كانت ليلى تنتظر ردًا من الدكتور فهد العمران، قلبها يخفق بين رجاءٍ ويأس. لم يكن لديها أي وسيلةٍ أخرى للتواصل معه، سوى تلك الرسالة التي أرسلتها. كان أحمد قد ترك لها خيوطًا متشابكة، وعليها أن تنسجها بعناية.
وفي أحد الأيام المشمسة، وبينما كانت ليلى عائدةً من السوق، استقبلتها والدتها بابتسامةٍ واسعة. "ليلى يا حبيبتي، وصلكِ بريد!"
تسارعت نبضات قلب ليلى. هل هو الرد؟ ركضت إلى الداخل، متجاهلةً تعبها. وجدت بين الأوراق رسالةٌ تحمل شعار مركز الأبحاث الخاص بالدكتور فهد العمران. كانت مظروفًا أنيقًا، وكلماتٍ رسميةً بداخلها.
فتحت الرسالة بلهفة، وبدأت تقرأ:
"الأستاذة ليلى،
تحية طيبة وبعد،
لقد استلمنا رسالتكم القيمة، واطلعنا على المخططات والوثائق المرفقة. لا يسعنا إلا أن نعبر عن مدى تقديرنا لمبادرتكم، ومدى اهتمامنا بالمشروع الذي تفضلتم بعرضه. إن 'مشروع النور' الذي كان يعمل عليه الفقيد المغفور له، المهندس أحمد، هو بالفعل مشروعٌ رائدٌ يحمل في طياته حلولًا مبتكرة لمستقبل الطاقة.
نود أن نعلمكم بأننا نتشارك معكم نفس الشغف تجاه هذه القضية، ونؤمن بأن هذا المشروع يستحق كل الدعم. لذلك، يسعدنا أن ندعوكم للقاءٍ شخصي في مقر مركزنا، لمناقشة تفاصيل المشروع بشكلٍ أعمق، وبحث سبل تفعيله. الرجاء التكرم بتحديد موعدٍ يناسبكم خلال الأسبوع القادم.
مع خالص التقدير والاحترام، الدكتور فهد العمران مدير مركز أبحاث الطاقة المستدامة"
غمرت ليلى موجةٌ من الفرح والغبطة. لقد نجحت خطوتها الأولى! لم تستطع أن تكبح دموع الفرح وهي تحتضن الرسالة. لقد أثبت أحمد أنه كان على حق، وأن هذا المشروع ذو قيمة.
ردت ليلى على الفور، وحددت موعدًا للقاء. شعرت بأنها تسير على حافة حلم، حلمٌ بدأ بموت، ولكنه ينمو الآن بأملٍ جديد.
في يوم اللقاء، ارتدت ليلى ثوبًا محتشمًا وأنيقًا، يشع بالوقار. شعرت ببعض التوتر، فهي لم تقابل عالمًا كبيرًا مثل الدكتور فهد من قبل. لكنها استعانت بالله، وتوجهت إلى مركز الأبحاث.
كان المركز مبنىً عصريًا، يتكون من زجاجٍ وفولاذ، ويعكس حداثة الأبحاث التي تجرى فيه. استقبلتها سكرتيرة مهذبة، وأدخلتها إلى مكتب الدكتور فهد.
كان المكتب واسعًا، تملأه رفوف الكتب، وشاشاتٌ تعرض رسومًا بيانية معقدة. جلس الدكتور فهد العمران خلف مكتبه، رجلٌ في منتصف العمر، ذو لحيةٍ بيضاء بدأت تظهر، وعينين لامعتين تفيضان بالحكمة. ابتسم لها ابتسامةً دافئة، وقال بصوتٍ أجشٍ قليلاً: "تفضلي يا أستاذة ليلى، تفضلي بالجلوس. سعيدٌ بلقائكِ."
بدأت ليلى تشرح له تفاصيل المشروع، وعن أحمد، وعن الرسالة التي وجدتها. كان الدكتور فهد يستمع بانتباهٍ شديد، وكان يسجل ملاحظاتٍ سريعة.
"أحمد كان شابًا استثنائيًا،" قال الدكتور فهد بعد أن انتهت ليلى من حديثها. "لقد قابلته عدة مرات، وكان لديه رؤيةٌ واضحةٌ جدًا لمستقبل الطاقة. كان يحمل شغفًا كبيرًا، وشجاعةً في طرح أفكاره. ولكن، كما تعلمين، مثل هذه المشاريع الضخمة تتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين، وغالبًا ما تواجه عقباتٍ غير متوقعة."
"هل كنتم على وشك التعاون؟" سألت ليلى.
"كنا في مرحلةٍ مبكرة،" أجاب الدكتور فهد. "كنت أبحث عن شركاءٍ لتمويل المشروع. ولكنه كان يتعرض لبعض الضغوط، وكان يشعر بالقلق. أذكر أنه تحدث معي مرةً عن بعض الصعوبات التي يواجهها، دون أن يوضح لي التفاصيل."
"وما هي هذه الصعوبات؟" سألت ليلى بقلق.
تردد الدكتور فهد قليلاً، ثم قال: "قال لي إنه يشعر بأن هناك من يراقبه، وأن هناك من يحاول عرقلة مشروعه. ولكنه كان يؤكد لي أن هذا لن يوقفه."
شعرت ليلى بقشعريرةٍ تسري في جسدها. هل كان أحمد يعرف أن حياته في خطر؟ هل كان موتُه حادثًا أم مؤامرة؟
"هل تعتقد أن هناك من كان يريد إيقاف المشروع؟" سألت ليلى بصوتٍ مرتجف.
"من الصعب الجزم بذلك،" قال الدكتور فهد. "ولكن في عالم الأعمال الكبير، غالبًا ما توجد منافساتٌ شديدة، ومصالحٌ متعارضة. هذا المشروع، إذا نجح، سيكون له تأثيرٌ كبيرٌ على سوق الطاقة، وقد يهدد مصالح شركاتٍ أخرى."
"إذاً، أنت تعتقد أن موته لم يكن مجرد حادث؟"
"لا أستطيع أن أقول ذلك بيقين،" أجاب الدكتور فهد. "لكن ما أستطيع قوله هو أن هذا المشروع مهمٌ جدًا، وأن العالم بحاجةٍ إلى هذه الحلول. وأنا على استعدادٍ كاملٍ لمساعدتكِ في إكماله."
"كيف؟" سألت ليلى بأمل.
"سنعمل معًا،" قال الدكتور فهد. "سأدعمكِ بكل ما أستطيع. سأقدم لكِ الدعم الفني، والمعرفي، وسأساعدكِ في البحث عن التمويل اللازم. ولكن يجب أن تكوني مستعدةً لهذه الرحلة. إنها رحلةٌ طويلة، ومليئةٌ بالتحديات."
"أنا مستعدة،" قالت ليلى بحزم. "أحمد لم يكن ليتركني في هذا الأمر. وهو لن يرضى أن يضيع حلمه."
خلال حديثهما، دخلت شابةٌ إلى المكتب، ترتدي ملابس عملٍ أنيقة، تحمل في يدها ملفًا. كانت "سارة"، المساعدة المقربة للدكتور فهد.
"مساء الخير يا دكتور،" قالت سارة بصوتٍ رقيق. ثم لاحظت ليلى، وأضافت بابتسامةٍ سريعة: "ومن هذه؟"
"هذه أستاذة ليلى، زوجة المهندس أحمد،" قال الدكتور فهد. "وهي التي ستتولى إكمال مشروع 'النور'."
نظرت سارة إلى ليلى بنوعٍ من المفاجأة، ثم حاولت أن تخفي دهشتها. "يا لها من مفاجأة! لم أكن أعلم أن المهندس أحمد كان لديه خططٌ بهذا الحجم. أنا سعيدةٌ جدًا بمعرفة ذلك."
شعرت ليلى بأن هناك شيئًا غريبًا في نظرة سارة، شيءٌ من البرود، أو ربما من التقييم. ولكنها تجاهلت هذا الشعور، وركزت على هدفها.
بعد انتهاء اللقاء، خرجت ليلى من مكتب الدكتور فهد، وقلبها مليءٌ بالأمل. لقد فتح الدكتور فهد لها بابًا، بابًا إلى عالمٍ جديد. ولكنها كانت تعرف أن هناك أبوابًا أخرى، أبوابًا مغلقة، قد تحمل معها الخطر.
في طريق عودتها إلى المنزل، لم تستطع ليلى أن تنسى كلمات الدكتور فهد عن "مراقبة" أحمد. هل كان فارس، ابن عم أحمد، يعلم شيئًا؟ هل كان له علاقةٌ بما حدث؟
كانت ليلى تسير في الشارع، والذكريات تتصارع مع الحاضر. فقدان أحمد كان ألمًا عميقًا، ولكنه أصبح الآن محفزًا لها. لم تعد مجرد أرملةً حزينة، بل أصبحت وارثةً لحلم، وباحثةً عن حقيقة.
انتهى الفصل الثالث، تاركًا القارئ في ترقبٍ لما سيحدث. ما هي طبيعة التحالف بين ليلى والدكتور فهد؟ وما هو الدور الذي ستلعبه سارة؟ وهل ستكشف ليلى عن الحقيقة وراء موت أحمد؟ البداية واعدة، والغموض يتصاعد.