حب بلا حدود الجزء الثاني

خيوط العنكبوت الوهمية

بقلم مريم الحسن

تتسرب خيوط العنكبوت الوهمية ببطء إلى عالم "ليلى" الداخلي، ناسجةً حول روحها شبكةً من التساؤلات والقلق. لم تعد الأيام تمرّ كالسابق؛ فكلّ صباحٍ يحمل معه ثقلاً لم تعهده، وكلّ مساءٍ يخفت فيه بريق الأمل. لقد أصبح "يوسف" محور أفكارها، ليس كالحبيب الذي يملك قلبها، بل كموجةٍ عاتيةٍ تهدد بإغراق سفينة حياتها.

جلست "ليلى" ذات مساءٍ على شرفة غرفتها المطلة على حديقة المنزل الهادئة، تتأمل زهر الليمون المتفتّح. كانت رائحته النفاذة، التي طالما بعثت في نفسها السكينة، تبدو الآن كأنها تحذيرٌ خفيّ. لقد انشغل بالها بكلام "يوسف" الأخير، بكلماتٍ كانت تحمل بين طياتها شيئاً من الغموض، وشيئاً آخر من الإلحاح الذي لم تفهمه. "ماذا كان يقصد بـ 'الصعوبات التي لا يمكن تجاوزها'؟" تساءلت في نفسها، وعقدةٌ في حلقها تمنعها من الاستمرار.

لقد كانت علاقتها بـ "يوسف" تبدو لها حتى وقتٍ قريبٍ كقصةٍ من قصص ألف ليلة وليلة، قصةٌ تتجلى فيها القيم الطيبة، والحبّ النقيّ، والاحترام المتبادل. كان حواراتهما مليئةً بالفضائل، بذكر الله، وبآمالٍ مشتركةٍ لمستقبلٍ مباركٍ. وكان صبرها، وحكمتها، ورزانتها، دوماً ما تمنحه القوة والتوجيه. لكنّ شيئاً ما قد تغيّر، أو ربما كان شيئاً يتخفّى تحت السطح طويلاً، ولم تلاحظه إلا الآن.

تذكرت تلك الليلة التي تحدث فيها "يوسف" عن بعض الضغوطات التي تعرّض لها في عمله، وعن بعض التحديات التي واجهها. لقد تحدث بلهجةٍ فيها شيءٌ من الإرهاق، ولم يكن كعادته متفائلاً. في ذلك الوقت، وضعت الأمر في خانة الضغوط الحياتية الطبيعية، وحاولت أن تزرع في قلبه بذور الصبر والتسليم، مذكرّته بقوله تعالى: "إنّ مع العسر يسرًا". لكنّ حديثه الأخير كان أعمق من ذلك، كان فيه شيءٌ من الهزيمة، شيءٌ من اليأس الخفيّ الذي أثار قلقها.

"هل يواجه مشكلةً أكبر مما أخبرني به؟" تساءلت، وشعرت بوخزٍ في قلبها. لقد كانت تثق به ثقةً عمياء، وتعتمد عليه كقوتها وسندها. إذا كان هو الذي بدأ يشعر بالضعف، فماذا سيحدث لها؟

في اليوم التالي، قررت "ليلى" أن تتحدث مع والدتها، السيدة "فاطمة"، المرأة الحكيمة ذات القلب الكبير، والتي كانت دائماً ملاذها الآمن. جلست "ليلى" معها بعد صلاة العصر، تحت ظلال شجر التوت في الفناء الخلفي، بينما كانت والدتها تقطف بعض الأعشاب العطرية.

"يا أمي، أشعر بقلقٍ شديدٍ على يوسف." بدأت "ليلى" بصوتٍ مرتجفٍ قليلاً.

رفعت السيدة "فاطمة" رأسها، وقالت بعينين تحملان دفء الأمومة: "ما الذي يقلقك يا ابنتي؟ هل هو بخير؟"

"هو بخير جسدياً، لكنّ روحه تبدو متعبةً. أتحدث معه، فيبدو كمن يحمل هموم الدنيا على كتفيه. لقد قال لي كلاماً بالأمس أثار خوفى، عن صعوباتٍ لا يمكن تجاوزها. لا أفهم ما الذي يحدث."

تنهدت السيدة "فاطمة" بعمق، وقالت بهدوءٍ: "يا ابنتي، الرجال يحملون أعباءً كثيرة، ويتكتمون عن آلامهم غالباً. قد تكون ضغوطات العمل، أو مشاكل مالية، أو حتى تحدياتٌ تتعلق بسمعته أو بمستقبله. ولكنّ الشيء الأهم هو كيف نتعامل مع هذه الضغوطات. هل يضعف إيمانه؟ هل يميل إلى ما يغضب الله؟ هذا ما يجب أن نقلق عليه."

"لا أعتقد أنّه يميل إلى ما يغضب الله، ولكنه يبدو ضائعاً. كمن فقد بوصلته." قالت "ليلى" والدموع تتجمّع في عينيها.

"إذن، دورنا كزوجاتٍ صالحاتٍ هو أن نكون له عوناً وسنداً. أن نذكّره بالله، أن ندعو له، أن نحاول فهم ما يمرّ به بقلوبٍ رحيمةٍ وصادقة. لا تضغطي عليه يا ليلى، بل اجعليه يشعر بأنّكِ حضنٌ دافئٌ يستطيع اللجوء إليه متى شعر بالوحدة أو الضياع."

"ولكن كيف أفهم ما يمرّ به؟ هو لا يبوح لي بشيءٍ!" قالت "ليلى" بشيءٍ من اليأس.

"بالصبر والمتابعة. بالأسئلة غير المباشرة. بالدعاء. وربما، يا ابنتي، يجب أن نراجع أنفسنا أيضاً. هل قصرنا في شيءٍ؟ هل أغفلنا جانباً من جوانب حياته؟"

نظرت "ليلى" إلى والدتها، وشعرت بأنّ كلامها يحمل حكمةً عميقة. لقد كانت والدتها دائماً ما ترى الأمور من زوايا مختلفة، وتملك قدرةً على فهم ما يعجز الآخرون عن فهمه.

"هل يمكن أن يكون الأمر أعمق من ذلك يا أمي؟ هل يمكن أن يكون قد انغمس في شيءٍ يخشى أن يخبرني به؟" سألت "ليلى" بصوتٍ يكاد يكون مسموعاً.

صمتت السيدة "فاطمة" لبرهة، ثمّ قالت بهدوءٍ: "يا ابنتي، نحن نعيش في عالمٍ مليءٍ بالمغريات، والإنسان ضعيف. لكنّ الله غفورٌ رحيم. إذا كان يوسف قد وقع في خطأ، فالأهم هو أن يتوب منه، وأن يسعى لإصلاحه. ودورنا أن نساعده على العودة إلى الطريق الصحيح، لا أن ندينه."

شعرت "ليلى" بأنّ كلمة "يغضب الله" أو "يقع في خطأ" تتردّد في أذنيها. لقد كان هذا الاحتمال مرعباً، لكنّه أصبح الآن احتمالاً قوياً يلقي بظلاله على تفكيرها. هل يمكن لـ "يوسف" الذي طالما admiration له، الذي رأته مثالاً للرجل الصالح، أن ينحرف؟

في الأيام التالية، بدأت "ليلى" تلاحظ أشياءً صغيرةً لم تلتفت إليها من قبل. تأخر "يوسف" عن العودة إلى المنزل أكثر من المعتاد، وفي بعض الأحيان كان يتجنب النظر في عينيها مباشرةً. كان هاتفه دائماً بجانبه، وكان يغلق الشاشة بسرعةٍ كلما حاولت النظر إليه. لقد أصبح منعزلاً، يفقد شغفه بالجلوس مع العائلة، ويبدو شارد الذهن في كثيرٍ من الأحيان.

ذات ليلة، استيقظت "ليلى" على صوت "يوسف" يتحدث بصوتٍ خافتٍ في غرفة المعيشة. تسللت بهدوءٍ، وجاءت إلى الباب. لم يكن يتحدث إلى أحدٍ، بل كان يتحدث إلى نفسه، وبكلماتٍ بدت لها كأنها اعترافاتٌ موجعة.

"لماذا فعلت هذا؟ لماذا لم أستطع المقاومة؟ لقد خسرت كل شيءٍ..." همس بصوتٍ متقطعٍ، ثمّ ضرب بيده على الطاولة بخفةٍ، وكأنّه يحاول إيقاظ نفسه من سباتٍ عميق.

تجمدت "ليلى" في مكانها، وقلبها يخفق بعنف. لم تعد تفكر إلا في معنى كلماته. "خسرت كل شيء؟" ما الذي خسره؟ وما الذي فعله؟

لقد أصبحت حياتها في خطرٍ، وحياة "يوسف" أيضاً. لم تعد المسألة مجرد خلافاتٍ زوجيةٍ بسيطة، بل أصبحت صراعاً للنجاة، صراعاً لاستعادة ما فقد، وصراعاً للحفاظ على ما بقي. شعرت بأنّها تقف على حافة الهاوية، وأنّ خيوط العنكبوت الوهمية بدأت تشدّ عليها بقوة، تهدد بسحقها.

فجأة، التفت "يوسف" نحو باب الغرفة، ورآها واقفةً هناك. اتسعت عيناه بالدهشة، ثمّ بالخوف، ثمّ بالمزيد من الحزن.

"ليلى؟ ماذا تفعلين هنا؟" سأل بصوتٍ مكتوم.

لم تستطع "ليلى" أن تجيب. وقفت هناك، تنظر إليه، ترى فيه للمرة الأولى رجلاً محطماً، رجلاً ضائعاً في دهاليزٍ مظلمةٍ من حياته. وبداخلها، نما شعورٌ غريبٌ، شعورٌ بالخوف، وشعورٌ بالقوة، وشعورٌ بأنّ المعركة قد بدأت للتو.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%