حب بلا حدود الجزء الثاني

أشباح الماضي الأليم

بقلم مريم الحسن

كانت نظرة "يوسف" تحمل ثقلاً لا يمكن وصفه، مزيجاً من الارتباك، والذنب، وخوفٍ عارمٍ من انكشاف أمرٍ كان يسعى جاهداً لإخفائه. وقف "يوسف" متجمداً أمام "ليلى"، كمن أُلقي به في العراء فجأةً وهو عارٍ. لقد كان يعرف أنّ هذه اللحظة لا مفرّ منها، ولكنّه لم يتخيّل أبداً أن تكون بهذه القسوة، وأن يراها شريكته في الحياة، رفيقة دربه، واقفةً أمامه كشاهدٍ صامتٍ على انهياره.

"ليلى، أنا..." بدأ "يوسف" كلامه، لكنّ الكلمات تاهت في حلقه، واختنقت قبل أن تخرج. حاول أن يبتسم، لكنّ ابتسامته كانت أقرب إلى تألمٍ مكتوم. لقد أصبح وجهه شاحباً، وخطوط الإرهاق قد حفرت أخاديد عميقةً حول عينيه.

لم تقل "ليلى" شيئاً. لم تكن تعرف ماذا تقول. هل تسأله ماذا فعل؟ هل تسأله عما كان يقول؟ أم تتركه ليحتضن صمته المؤلم؟ كانت تتألم لرؤيته بهذه الحالة. لطالما كانت ترى فيه القوة، والرزانة، والإيمان الراسخ. والآن، تراه هشاً، منهكاً، وكأنّ كلّ ذرةٍ من روحه قد استنزفت.

"هل أنتِ بخير؟" سأل "يوسف" بصوتٍ أضعف، محاولاً استعادة بعض رباطة جأشه.

أومأت "ليلى" برأسها بصمتٍ، ثمّ اقتربت منه ببطءٍ. وضعت يدها على ذراعه، وشعرت بارتعاشٍ خفيفٍ تسرب إلى جسده.

"أنا بخير، ولكنّي قلقةٌ عليك." قالت "ليلى" بصوتٍ هادئٍ، حاولت فيه أن تخفف من وطأة اللحظة. "ما الذي يحدث يا يوسف؟ ما الذي كنت تفعله هنا؟"

تنهد "يوسف" بعمقٍ، وأغمض عينيه للحظةٍ، وكأنّه يستجمع قواه لمواجهة ما هو قادم. "لم أكن أفعل شيئاً، فقط... أفكر."

"تفكر؟ بصوتٍ عالٍ؟ كمن يواجه شبحاً؟" قالت "ليلى" بنبرةٍ فيها شيءٌ من الحزن، ممزوجٌ بالفضول.

فتح "يوسف" عينيه، ونظر إليها بعمقٍ. كانت عينيه تحملان قصةً طويلةً من الألم، قصةً لم يجرؤ على سردها. "لقد عدتُ بالزمن يا ليلى. عدتُ إلى أيامٍ كنتُ أتمنى أن أنساها للأبد."

"أيام؟ أيّ أيام؟" سألت "ليلى"، وشعرت بأنّ قلبها بدأ يدقّ بعنفٍ مرةً أخرى.

"أيامٌ كنتُ فيها ضعيفاً. أيامٌ سيطرت عليّ فيها شهواتٌ أفسدت عليّ ديني ودنياي." قال "يوسف" بصوتٍ خافتٍ، بالكاد يسمع.

"شهوات؟" كررت "ليلى" الكلمة، ولم تستطع استيعاب معناها في سياق "يوسف".

"نعم، شهواتٌ. لقد كنتُ غارقاً في... في ما يغضب الله. في سهراتٍ مشبوهة، في صحبةٍ ضالة، في ما يفسد القلب والروح." اعترف "يوسف" وهو يشدّ على قبضته.

شعرت "ليلى" ببرودةٍ تتسلل إلى عظامها. كانت تعرف أنّ "يوسف" لم يكن معصوماً من الخطأ، فكلّ ابن آدم خطّاء. ولكنّها لم تتخيل أبداً أن تكون أخطاؤه بهذا الحجم، وبهذا القدر من الانحراف.

"كيف؟ متى؟" سألت "ليلى" وهي تشعر بأنّ الأرض قد اهتزت من تحتها. "لقد عرفتك رجلاً صالحاً، ملتزماً..."

"وما زلتُ أؤمن بالله، وأحاول أن أكون صالحاً." قاطعها "يوسف" بنبرةٍ فيها شيءٌ من الدفاع عن النفس. "ولكنّ الإنسان ضعيف، يا ليلى. والماضي له أشباحٌ قويةٌ، تعود لتطاردك في أشدّ لحظات ضعفك."

"وما الذي أعاد أشباح الماضي لتطاردك الآن؟" سألت "ليلى"، وشعرت بأنّها تقف على أرضٍ صلبةٍ الآن، مستعدةً لمواجهة الحقيقة، مهما كانت مؤلمة.

"لقد... لقد كنتُ أدين لشخصٍ في الماضي. شخصٌ كان له عليّ فضلٌ كبير، ولكنه كان أيضاً سبباً في انحرافي. لقد عاد هذا الشخص يطالبني بما لي، وبما ليس لي. وقد عرض عليّ طريقاً لاستعادة ما خسرت، ولكنه طريقٌ مظلمٌ، طريقٌ يذكرني بأيام انحرافي." قال "يوسف" وهو ينظر إلى الأرض.

"ماذا عرض عليك؟" سألت "ليلى" بفضولٍ قاتل.

"عرض عليّ أن أعمل معه في... في تجارةٍ مشبوهة. تجارةٌ فيها شبهةٌ الربا، وفيها بعض ما لا يرضي الله. كان يقول إنّها الطريقة الوحيدة لكي أستعيد سمعتي، ولأدفع ديوني، ولأوفر لكِ حياةً كريمةً كما تستحقين."

"ولكنّ هذا حرامٌ يا يوسف! هذا يدخلك في دوامةٍ لا نهاية لها!" قالت "ليلى" بصوتٍ عالٍ، وشعرت بالغضب يشتعل بداخلها. "كيف تفكر في هذا؟ هل نسيتَ الله؟ هل نسيتَ ما تعلّمنا؟"

"لا، لم أنسَ. ولكنّي في ضيقٍ شديدٍ، يا ليلى. لقد شعرتُ بأنّي محاصرٌ، وبأنّ هذه هي الفرصة الوحيدة للخروج من الأزمة. لقد خفتُ أن أُسقط في يدي، وأن أخسر كلّ شيءٍ، سمعتي، وعملي، بل وحتى... وحتى حبك." قال "يوسف" وهو ينظر إليها بعينين دامعتين.

"حبّي؟ حبّي لا يعتمد على المال أو المكانة يا يوسف. حبّي يعتمد على شخصك، على دينك، على أخلاقك. إذا كنتَ تنحرف عن الطريق الصحيح، فكيف تتوقع أن يستمر حبّي؟" قالت "ليلى" بشيءٍ من الحزم.

"أنا أعرف، وأنا آسف. لقد ضعفت. لقد سمحتُ لنفسي بأن أُغوى. لقد فكرتُ في أنني أستطيع أن أقوم بهذا العمل المشبوه، ثمّ أتوب وأستغفر، وأبدأ من جديد. ولكنّي أدركتُ الآن، وأنتِ ترينني، أن هذه مجرد أوهام."

"مجرد أوهامٌ ستُغرقك يا يوسف. هذه ليست مجرد أخطاءٌ عابرة، هذه انحداراتٌ خطيرة. لقد أصبحتَ مدمنٌ على هذه الأفكار، على هذا الطريق." قالت "ليلى" والكلمة الأخيرة سبقتها دون قصد.

"مدمن؟" كرّر "يوسف" الكلمة، وكأنّها تطعنه في ظهره. "نعم، ربما. لقد أصبحتُ أدمن البحث عن الحلول السريعة، عن الهروب من مسؤولياتي، عن الارتياح السريع الذي يأتي بثمنٍ باهظٍ. لقد أصبحتُ أدمن هذا الشعور بالخسارة، بالضياع. وأنا أخاف... أخاف أن أُصبح أسوأ من ذلك."

"إذا كنتَ تخاف، فهذا هو أول خطوةٍ نحو النجاة." قالت "ليلى" بحزمٍ، وشعرت بأنّها تستجمع قوتها. "ولكنّ النجاة تتطلب عملاً، وتوبةً صادقة، ورفقةً صالحة. ولن تكون هذه النجاة سهلةً، وليست سريعة. ستحتاج إلى وقتٍ وصبرٍ وجهدٍ كبير."

"وهل يمكنكِ أن تصبري عليّ؟ هل يمكنكِ أن تساعديني؟" سأل "يوسف" بلهفةٍ، وكأنّه يرى بصيص أملٍ في عينيه.

نظرت "ليلى" إلى "يوسف"، رأت فيه رجلاً يستجدي المساعدة، رجلاً يصارع أشباحه. شعرت بأنّ حبّها له عميقٌ، ولكنّ هذا الحبّ الآن ممزوجٌ بالخوف، وبالقلق، وبإحساسٍ بأنّها تقف على مفترق طرق. هل تستطيع أن تسحب "يوسف" من هذا المستنقع؟ أم أنّها ستُجرّ معه؟

"سأساعدك يا يوسف، وسأقف بجانبك. ولكنّ الطريق سيكون صعباً، وأنتَ يجب أن تكون صادقاً معي، وصادقاً مع نفسك، وصادقاً مع الله. لا أكاذيب، لا تستر، لا إخفاء. إذا كنا سنقاوم هذه الأشباح، فيجب أن نواجهها سوياً، وجهاً لوجه." قالت "ليلى" وهي تمدّ يدها لتصافحه.

صافحها "يوسف" بقوةٍ، وشعر بأنّ يدها كالقوة التي يحتاجها. ولكنّ نظراتهما لم تلتقِ تماماً، فكلّ منهما كان يحمل في داخله جرحاً عميقاً، وجرحاً جديداً يلوح في الأفق. لقد بدأت المعركة الحقيقية، معركةٌ ضدّ الإدمان، ضدّ أشباح الماضي، وضدّ الانحراف الذي يهدد بتدمير مستقبلهما.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%