حب بلا حدود الجزء الثاني

متاهة الإدمان

بقلم مريم الحسن

كانت كلمات "ليلى" كبلسمٍ شافٍ، ولكنّها في الوقت ذاته حملت ثقلاً كبيراً. إدراك "يوسف" بأنّه يعاني من إدمانٍ، سواء كان إدمان شهواتٍ، أو إدمان حلولٍ سريعة، أو إدمان الهرب من الواقع، كان أشبه بسقوطٍ مدوٍّ في بئرٍ عميق. لقد ظنّ في البداية أنّه مجرد انزلاقٍ مؤقت، أو ضعفٍ عابر، ولكنّ اعتراف "ليلى" بكلمة "إدمان" جعل الحقيقة تبرز بأكثر صورها بشاعة.

"إدمان..." تمتم "يوسف" بالكلمة، ورأى انعكاسها في عيني "ليلى" المتألّمتين. لقد كان ذلك الإدمان يلتهم روحه ببطء، ويُنهك جسده، ويهدّد بتدمير دينه ودنياه. لقد أصبح شبحاً يلاحقه في يقظته ومنامه، يوسوس له بالحلول الملتوية، وبالطرق المختصرة التي تقوده إلى الهاوية.

"كيف يمكنني أن أتغلب عليه يا ليلى؟ كيف يمكنني أن أتحرر من هذا السجن الذي صنعته لنفسي؟" سأل "يوسف" بصوتٍ يقطر يأساً.

"بالإيمان، وبالدعاء، وبالسعي. عليك أن تتذكر دائماً بأنّ الله معك، وأنّه قادرٌ على كلّ شيء. وعليك أن تسعى جاهداً لتغيير ما بنفسك. أنتَ لستَ محكوماً على هذا الإدمان، بل أنتَ قادرٌ على التغلب عليه إذا صدقتَ في نيتك." قالت "ليلى" وهي تجلس بجانبه، وتحاول أن تنقل إليه بعضاً من قوتها.

"ولكنّي أشعر بالضعف الشديد، أشعر بأنّي فقدتُ السيطرة على نفسي. أشعر بأنّ هناك شيئاً قوياً يشدّني إلى الأسفل، ويمنعني من الصعود." اعترف "يوسف" وهو يضع رأسه بين يديه.

"هذا هو الإدمان يا يوسف. هو كائنٌ يتغذى على ضعفنا. ولكنّك تمتلك سلاحاً أقوى منه: العزم، والإرادة، وتذكر الله. وعليك أن تتجنب كلّ ما يذكّرك بماضيك السيء. يجب أن تقطع كلّ صلةٍ مع الأشخاص الذين كانوا سبباً في انحرافك، وعليك أن تتجنب الأماكن والأوقات التي كنتَ تضعف فيها."

"ولكنّ الشخص الذي كنتُ أدين له، هو نفسه الذي يعرض عليّ العمل المشبوه. هو يضغط عليّ بشدة، ويريد مالاً سريعاً." قال "يوسف" وهو يشعر بالخوف يتسلل إلى قلبه مرةً أخرى.

"إذن، عليك أن تتخذ قراراً حاسماً. هل ستستسلم له، وتُصبح عبداً لمطالبه، وتُدمّر حياتك ودينك؟ أم ستتصدى له، وتُدافع عن نفسك، وتُطلب العون من الله؟" قالت "ليلى" بنبرةٍ تحمل تحدياً.

"أريد أن أتصدى له، ولكنّي خائفٌ من العواقب. هو رجلٌ خطير، وله نفوذٌ كبير." قال "يوسف" وهو يتلوى بقلق.

"الخوف من العواقب هو جزءٌ من الإدمان، يا يوسف. إدمان الخوف. أنتَ تخاف من فقدان السيطرة، وتخشى من ردود أفعال الآخرين. ولكنّ خوفك الأكبر يجب أن يكون من الله، ومن الوقوع في معصيته."

"ربما... ربما يجب أن أتحدث مع شيخٍ. شيخٌ حكيمٌ، يفهمني، ويدلّني على الطريق الصحيح." قال "يوسف" وهو يشعر بأنّ فكرةً جديدةً قد تولّدت في ذهنه.

"هذه فكرةٌ ممتازة! الذهاب إلى رجلٍ صالحٍ، يمتلك العلم والحكمة، هو خطوةٌ موفقةٌ جداً. وسأذهب معك، لأساندك." قالت "ليلى" بحماسٍ.

في اليوم التالي، وبعد صلاة الفجر، توجّه "يوسف" و"ليلى" إلى منزل الشيخ "أحمد"، رجلٌ معروفٌ بتقواه وورعه، وحكمته في معالجة مشاكل الناس. كان منزل الشيخ بسيطاً، يعكس زهد صاحبه، ولكنه كان يعجّ بالهدوء والسكينة.

جلس "يوسف" أمام الشيخ، وبدأ يروي له قصته، بصراحةٍ وألم. كان الشيخ "أحمد" يستمع إليه بانتباهٍ شديد، وعيناه تحملان شفقةً وحزناً، ولكنهما تحملان أيضاً نور الإيمان.

"يا بني، لقد وقعتَ في فخٍّ عظيم، ولكنّ الله رحيمٌ بعباده، وهو يحبّ من يتوب. ما تعانيه هو ليس ضعفاً في الإيمان بقدر ما هو ضغطٌ كبيرٌ من الدنيا، واستسلامٌ مؤقتٌ لوساوس الشيطان." قال الشيخ "أحمد" بعد أن استمع إلى "يوسف".

"ولكنّي أشعر بأنّي مدمنٌ يا شيخ، لا أستطيع التخلص من هذه الأفكار." قال "يوسف" وهو يشعر بالخجل.

"الإدمان، يا بني، هو مرضٌ يصيب النفس. ولكنه ليس مرضاً ميؤوساً منه. كلّ مرضٍ له دواء. ودواؤك هو الصدق مع الله، والمجاهدة، والصبر، والرفقة الصالحة. أنتَ بدأتَ بالصدق مع "ليلى"، وهذه خطوةٌ عظيمة."

"ولكنّ هذا الرجل يضغط عليّ بشدة، ويريد أن يدخلني في تجارةٍ مشبوهة." قال "يوسف" بصوتٍ يرتعش.

"هذا الرجل هو أكبر فتنةٍ لك. عليك أن تقطع كلّ علاقةٍ معه. قل له بكلّ حزمٍ أنّك لن ترضخ لضغوطه، وأنّك لن تغضب الله من أجله. فمن ترك شيئاً لله، عوضه الله خيراً منه."

"ولكنّي أدين له بالكثير."

"الدين، يا بني، أمرٌ خطير. ولكنّ الديون التي تُغضب الله، هي أخطر. عليك أن تسعى لسداد ديونك بالحلال، ولو طالت المدة. استشر "ليلى" في كلّ شيء، واستشيرني. وسأضع لك برنامجاً عملياً لمقاومة هذا الإدمان، وللخروج من هذه الأزمة."

خرج "يوسف" و"ليلى" من منزل الشيخ "أحمد" وقد شعرا بنوعٍ من الأمل. لقد كان الطريق لا يزال طويلاً وشاقاً، ولكنهما كانا الآن يسيران فيه معاً، وبإرشادٍ.

في الأيام التالية، بدأ "يوسف" بتطبيق ما نصحه به الشيخ. كان يقضي وقتاً طويلاً في الصلاة والدعاء، ويقرأ القرآن بتدبر. كان يتجنب "ذلك الرجل" بشدة، ويرفض كلّ محاولاته للتواصل معه. وكان يقضي وقتاً أطول مع "ليلى"، يتحدثان عن خطط المستقبل، وعن كيفية بناء حياةٍ مباركةٍ بعيداً عن الشبهات.

ولكنّ الإدمان كان يضعف في بعض الأحيان، ويحاول أن يستعيد قوته. كانت تأتيه أفكارٌ سريعة، تراوده عن طرقٍ سهلةٍ للخروج من ضائقةٍ ماليةٍ معينة. في تلك اللحظات، كان يلجأ إلى "ليلى"، يصارحها بما يشعر به، فتقوّيه، وتذكره بالله، وتُعيد له صوابه.

"أشعر بالضعف يا ليلى، أشعر بأنّي سأستسلم." قال "يوسف" ذات مساءٍ، وهو يشعر بأعراض الانسحاب النفسي.

"لا تستسلم يا حبيبي. تذكر كلام الشيخ. تذكر أنّك أقوى من هذا الإدمان. تذكر أنّ الله معك. هل تريد أن تصلي؟ هل تريد أن تقرأ آياتٍ من القرآن؟" قالت "ليلى" وهي تحتضنه.

كانت "ليلى" تجاهد معه، تجاهد لإخراجه من دائرة الإدمان. كانت تشعر بأنّها تتحمل جزءاً من ثقل معركته. ولكنّها في الوقت ذاته، كانت تشعر بأنّ هذه المعركة قد تتجاوز حدود قوتها. لقد أصبحت ترى في "يوسف" رجلاً يحتاج إلى مساعدةٍ طبيةٍ متخصصة، لا مجرد دعمٍ روحيٍّ وعاطفيٍّ.

"يوسف، أعتقد أننا بحاجةٍ إلى استشارة طبيبٍ نفسي. طبيبٌ مختصٌّ في علاج الإدمان. هذا قد يكون مفيداً جداً لك." اقترحت "ليلى" بعد تفكيرٍ طويل.

نظر "يوسف" إليها بدهشة. "طبيبٌ نفسي؟ هل تعتقدين أنني مجنون؟"

"لا، ليس جنوناً. بل هو طلبٌ للمساعدة، لطلب يد العون من متخصصٍ لديه الأدوات والخبرات لمساعدتك على التغلب على هذا الإدمان. الأمر ليس عيباً، بل هو دليلٌ على قوتك ورغبتك الحقيقية في الشفاء."

تردد "يوسف"، ولكنّ "ليلى" نجحت في إقناعه. كان يعرف أنّه بحاجةٍ إلى كلّ أنواع الدعم، سواء كان دينياً، أو نفسياً، أو اجتماعياً. لقد أصبح إدمانه لا يهدد حياته فقط، بل يهدد مستقبله الزوجي، ويهدد حياتهما المشتركة.

وبينما كانا يسيران في طريق الشفاء، كان هناك شخصٌ آخر يراقب، شخصٌ كان يرى في ضعف "يوسف" فرصةً له. "ذلك الرجل" لم يستسلم، بل بدأ ينسج خططاً جديدة، ليوقع "يوسف" مرةً أخرى في فخّه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%