قلب الأمير الجزء الثاني

غبار الصحراء وعطر الياسمين

بقلم مريم الحسن

ارتجفت الأرض تحت وطأة حوافر الخيل، وبدا الغبار المتصاعد وكأنه سحبٌ رماديةٌ تبتلع أفق الصحراء الممتد بلا نهاية. كان الأمير فهد بن خالد، ومن خلفه نخبةٌ من حرس حاشيته، يسابقون عقارب الساعة، أو ربما يسابقون قدراً كتب عليهم. في صدره، كان يدق نبضٌ محمومٌ لا يهدأ، مزيجٌ من القلق والعزيمة. منذ ساعاتٍ قليلة، تلقت القيادة تقاريرَ استخباراتيةً عاجلةً تفيد بتسللِ جماعةٍ مجهولةٍ إلى حدودِ الولاية، تحملُ نوايا لا تبشرُ بالخير. لم يكن فهدٌ أميراً بالاسمِ فقط، بل كان فارساً لا يهابُ هولَ المواقف، وسيفاً بتاراً في وجهِ كلِ معتدٍ على أرضِ أجداده.

كانت الشمسُ في كبدِ السماء، تلقي أشعتها الحارقة على وجوهٍ تلفحها الرياح، وتُظهرُ خطوطَ التعبِ تحتَ الهيبةِ المعهودة. صهلَ جوادُ فهدٍ، "العنقاء"، بقوةٍ، وكأنه يشعرُ بالتوترِ الذي يسري في عروقِ سيده. استوقفَ الأميرُ جواده، رافعاً يده ليُعلنَ التوقف. همسَ أحدُ الحراس، وكان اسمهُ مبارك، بصوتٍ متعب: "يا سيدي، هل من أمرٍ؟"

أشاحَ فهدٌ ببصرهِ عن الأفقِ، ونظرَ إلى رجاله. "الأرضُ صامتةٌ، ولكن صمتها لا يعني السكون. يجبُ أن نكونَ على أهبةِ الاستعداد. الخطرُ قد يتسللُ من حيثُ لا نتوقع." عادَ ببصرهِ إلى الأمام، تتفحصُ عيناهُ بعمقٍ كلَ شبرٍ من الأرضِ المحيطة. كانت الصحراءُ، بطبيعتها القاسيةِ والجميلةِ في آنٍ واحد، تمنحُ لهُ شعوراً بالاتساعِ والحرية، ولكنها أيضاً كانت تخفي أسراراً لا تُقال.

كانت هذهِ المنطقةُ الحدوديةُ، التي تقعُ على أطرافِ الولايةِ الشرقية، تعجُ بالحياةِ قديماً، ولكنها تحولتْ إلى صحراءَ شاسعةٍ بعدَ سنواتٍ من الجفافِ والقحط. ومع ذلك، كانت تحملُ بينَ رمالها بقايا حضاراتٍ قديمةٍ، وقصصَ أجدادٍ عظام. كانت الولايةُ، تحتَ حكمِ والدهِ، السلطان خالد، تعرفُ عصراً ذهبياً من الأمنِ والرخاءِ، ولكنَ ظلالَ الشكِ بدأتْ تتجمعُ في الأفقِ، تهددُ هذهِ المسيرةَ المباركة.

عادتْ صورةٌ إلى ذهنِ فهدٍ، صورةٌ لامرأةٍ كانتْ تضيءُ حياتهُ كالنجمةِ الساطعةِ في ليلٍ بهيم. الأميرةُ ليلى، خطيبتهُ، ابنةُ أميرٍ مجاور. كانتْ لقاءاتهم، على الرغمِ من قلةِ عددها، تحملُ في طياتها وعداً بمستقبلٍ مشرقٍ، وبزواجٍ سيكونُ رمزاً للوحدةِ والقوة. كانتْ عيناها، بلونِ السماءِ الصافيةِ عندَ الفجر، تتحدثُ عن روحٍ نقيةٍ، وعن حكمةٍ تفوقُ سنها. كانَ يذكرُ ابتسامتها التي كانتْ تبعثُ الدفءَ في قلبهِ، وكلماتها التي كانتْ تحملُ رقةَ نسيمٍ عليل.

"يا سيدي!" صاحَ مباركٌ مرةً أخرى، مقاطعاً غياباتِ فهدٍ. "شيءٌ يتحركُ على مسافةٍ بعيدةٍ، في اتجاهِ تلالِ الرمالِ الحمراء."

استدارَ فهدٌ بسرعة، وتبعَ اتجاهَ إصبعِ مبارك. كانتْ نقطةٌ سوداءُ بالكادِ تُرى، تتراقصُ في الأفقِ، وتتزايدُ معَ كلِ لحظة. "لا بدَ أنهم هم." قالَ فهدٌ، وصوتهُ يحملُ بحةً قوية. "سرّجوا الخيلَ، وتقدموا بحذر. لا نريدُ إثارةَ اشتباكٍ ما لم يكنْ ضرورياً، ولكنْ يجبُ أن نعرفَ هويتهم."

انطلقَ فهدٌ وحاشيتهُ، تاركينَ وراءهم سحابةً من الغبارِ الذي يصفُ عزمهم. كانتْ سرعةُ الخيلِ مذهلة، والرياحُ تصفقُ بملابسهم. كلَما اقتربوا، بدأتْ الملامحُ تتضح. كانتْ مجموعةٌ من الرجالِ يركبونَ إبلاً، وليسَ خيولاً، ويحملونَ أسلحةً غريبةً لا تشبهُ أسلحةَ حرسِ الولاية. كانتْ وجوههم متعبةً، ولكنْ فيها إصرارٌ غريب.

"من أنتم؟" نادى فهدٌ بصوتٍ جهوري، وهوَ يقفُ على مسافةٍ قريبةٍ منهم. "هذهِ أراضٍ تابعةٌ لولايةِ [اسم الولاية]، وتحتَ حكمِ السلطانِ خالد. قدموا أنفسكم."

توقفَ الركبُ، ونظرَ القائدُ المزعومُ للمجموعةِ إلى فهدٍ. كانَ رجلاً ضخمَ البنيةِ، بلحيةٍ كثيفةٍ وشعرٍ أسودَ مجعد. كانتْ عيناهُ تحملانِ بريقاً حاداً. "نحنُ تجارٌ، يا أمير. ضللنا الطريقَ في الصحراءِ." قالَ بصوتٍ أجش.

لم يقتنعْ فهدٌ. كانتْ هيئتهُ، وطريقةُ حملهِ للسلاح، ونوعُ أسلحتهِ، كلها لا توحي بأنهُ تاجرٌ عادي. "تجارٌ؟ هل هذهِ هيَ بضاعتكم؟" أشارَ فهدٌ إلى الأسلحةِ التي يحملونها. "لم أرَ مثلَها من قبل. من أينَ أتيتم؟"

تلعثمَ الرجلُ قليلاً، وعرقٌ باردٌ بدأَ يتصببُ منه. "نحنُ قادمونَ من بلادٍ بعيدةٍ، يا أمير. نرغبُ في التجارةِ معَ ولايتكم."

"بلادٌ بعيدةٌ؟" استغربَ فهدٌ. "ألم تسمعوا بأنَ الحدودَ أصبحتْ مشددةً مؤخراً؟"

كانَ الصمتُ سيدَ الموقف. بدأتْ تظهرُ علاماتُ التوترِ على وجوهِ الرجالِ خلفَ القائد. شعرَ فهدٌ بأنَ هناكَ شيئاً أكبرَ من مجردِ ضياعٍ أو تجارة. كانتْ هناكَ دوافعُ خفيةٌ، ونواياٌ قد تكونُ مبيتة.

"أتمنى أن يكونَ كلامكَ صحيحاً، أيها التاجر." قالَ فهدٌ، وهوَ يحدقُ في عينيه. "ولكنْ، لكي نتأكدَ من سلامتكم، وأمنِ الولاية، سيتعينُ علينا مرافقتكم إلى أقربِ مركزٍ أمني. هل هذاَ مقبولٌ لديكم؟"

نظرَ قائدُ الجماعةِ إلى رجالهِ، وبدتْ على وجوههم علاماتُ الاستسلامِ أو ربما التفكيرِ في خطةٍ بديلة. لم يكنْ لديهم خيارٌ آخر. لم يكنْ لديهم أيُ دليلٍ على ضياعهم، وحيثُ أنهم يرفضونَ التعاونَ الواضح، فإنَ أيَ مقاومةٍ ستكونُ دليلاً على سوءِ النوايا.

"مقبولٌ، يا أمير." قالَ القائدُ أخيراً، وبدتْ على نبرتهِ مرارةٌ لا تخفى.

أمرَ فهدٌ حراسهُ بالتقدمِ وتنظيمِ المسيرة. كانَ قلبهُ لا يزالُ يخفقُ بقوة، لا لِخوفٍ، بل لِشعورٍ غريبٍ بأنَ هذهِ ليستْ نهايةَ القصة، بل بدايةُ فصلٍ جديدٍ، قد يكونُ أكثرَ تشابكاً وخطورةً مما يتصور. شعرَ بأنَ غبارَ الصحراءِ الذي يلتفُ حولهم، يحملُ معه أسراراً أعمقَ من مجردِ رمالٍ وجبال. وكانَ يتمنى في قرارةِ نفسه، أنْ تكونَ نسماتُ عطرِ الياسمينِ القادمةِ من حدائقِ مدينةِ [اسم المدينة]، حيثُ تسكنُ ليلى، قادرةً على تبديدِ هذهِ الأجواءِ المشحونةِ يوماً ما.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%