قلب الأمير الجزء الثاني

همسات القدر في رياض الياسمين

بقلم مريم الحسن

استقرت نسمةٌ رقيقةٌ من عبير الياسمين المتفتّح في أرجاء القصر، تحمل معها وعدًا بالسكينة بعد عاصفةٍ عصفت بقلب الأمير فواز. كان يومُ الوفاء قد أقترب، وتزايدت همساتُ التجهيزاتِ حول فاطمة، فتاتها المدللة، التي استعادت ابتسامتها الباهتة تدريجيًا، وإن كانت عيناها لا تزالان تحملان بصيصًا من حزنٍ دفين. كان فواز يراقبها من بعيد، مشاعرُ متضاربةٌ تعتمل في صدره؛ حنانٌ أبويٌّ يرغب في إحاطتها به، وشعورٌ بالألمِ لما آلت إليه الأمور.

في ركنٍ من أركانِ الحديقةِ البديعة، حيث تتراقصُ أوراقُ الشجرِ تحت ضوءِ الشمسِ الذهبي، التقت عينا ليلى، الوصيفةُ الأمينة، بعينيّ ناصر، مسؤولِ الأمنِ ذي البأسِ الشديد. كانت تلك اللقاءاتُ المتكررةُ، التي بدأت بتبادلِ النظراتِ العابرةِ، قد بدأت تتخذُ منحىً آخر. ليلى، الفتاةُ الذكيةُ ذاتُ القلبِ النقي، وجدت نفسها تنجذبُ إلى هدوءِ ناصر، ووقاره، وحرصهِ الشديدِ على حمايةِ كلِّ ما هو عزيز. وناصر، الرجلُ الذي اعتادَ على صلابةِ الموقفِ وقوةِ العزيمة، وجدَ في لينِ ليلى، وعذوبةِ حديثها، متنفسًا لروحهِ المتعبة.

"هل كلُّ شيءٍ على ما يرام يا ليلى؟" سأل ناصر بصوتٍ خفيض، وهو يقطفُ زهرةَ ياسمينٍ ويقدمها لها.

ارتعشَتْ يدا ليلى وهي تستلمُ الزهرة، وشعرتْ بخجلٍ لطيفٍ يعلو وجهها. "الحمدُ للهِ يا سيدي. التجهيزاتُ تسيرُ على ما يرام، والأميرةُ فاطمةُ بدأت تستعيدُ بعضَ عافيتها."

"هذا خبرٌ يُسعدُ القلبَ. إنها أختٌ عزيزةٌ، وإن كانتْ الأقدارُ قد فرقتْ بيننا." قال ناصر، وعيناهُ تلمعانِ بصدق. "أتذكرُ حين كنتُ طفلاً، وكنا نلعبُ في هذهِ الحديقةِ أنا وأخي الأصغر؟ كنتُ أجدُ فيها ملاذًا لي."

ابتسمتْ ليلى. "أرى أنَّ هذهِ الحديقةَ تحملُ ذكرياتٍ جميلةٍ لكَ. وها هيَ الآنَ تشهدُ بدايةَ فصلٍ جديدٍ في حياةِ الأميرة."

"كلُّ فصلٍ لهُ حلاوتهُ ومرارتُهُ. المهمُّ أنْ نحسنَ القراءةَ بينَ السطور." قال ناصر، وعينيهِ ثبتتا على عينيها. "بعضُ الأمورِ لا تُقالُ باللسان، بل بالإحساس."

شعرتْ ليلى بكلماته تلامسُ وتراً حساساً في قلبها. كانتْ تفهمُ جيدًا ما كانَ يقصد. كانَ هناكَ حديثٌ صامتٌ يدورُ بينهما، حديثٌ تأسسَ على الاحترامِ المتبادل، والتقديرِ العميق، وشعورٍ متزايدٍ بالألفة.

في تلكَ الأثناء، كانَ الأميرُ فوازُ يتحدثُ معَ الشيخِ طارق، مستشارِهِ الموثوق، في مكتبهِ الفخم. كانتْ طاولتهُ مكدسةً بالوثائقِ والمخطوطاتِ القديمة، ورائحةُ البخورِ الفاخرِ تفوحُ في الأرجاء.

"يا سيدي، خطةُ الزواجِ تسيرُ على قدمٍ وساق، والجميعُ سعيدٌ بهذا التقاربِ بينَ العائلتين. ما يهمُّ الآنَ هوَ إتمامُ المراسمِ بسلامٍ ورضا." قال الشيخُ طارق، بصوتٍ هادئٍ ولكنهُ يحملُ ثقلاً.

تنهدَ فواز، واضعًا رأسَهُ بينَ يديه. "ولكنَّ قلبي ليسَ مطمئنًا. أشعرُ بأنَّ هناكَ شيئًا ما يُخفى. همساتٌ من الماضي تعودُ لتُقلقَ راحتي."

"الماضي يا سيدي كالنهر، يعودُ دائمًا ليغذي الحاضر. ولكنَّ الحكمةَ تقتضي أنْ نتعلمَ منهُ، لا أنْ ندعَهُ يتحكمُ بنا." قال الشيخُ طارق، بعينينِ حكيمتين. "لقدْ بذلتَ جهدًا كبيرًا لتحقيقِ السلامِ الداخلي، والآنَ حانَ وقتُ قطفِ الثمار."

"ولكنَّ ثمارَ بعضِ الأشجارِ قد تكونُ سامةً إذا لمْ نتحققْ منها جيدًا." ردَّ فواز، وشعورٌ من القلقِ يزدادُ عنده. "أميرةُ زينب، هلْ أنتَ واثقٌ من صدقِ نواياها؟"

"الأميرةُ زينبُ فتاةٌ ذكيةٌ، وقويةٌ، ولكنَّ مصلحةَ مملكتها هيَ الأهمُّ بالنسبةِ لها. إنَّ زواجها منْكَ هوَ ضمانةٌ لذلك. لقدْ رأيتُ فيها رغبةً حقيقيةً في بناءِ مستقبلٍ مشترك."

"أتمنى أنْ تكونَ على حق. ولكنَّ ثقتيَ في بعضِ الأشياءِ تهتزُّ حينَ أرى بريقَ الغموضِ في العيون." قال فواز، وهوَ ينظرُ إلى نافذةِ المكتب، حيثُ تتلألأُ النجومُ في سماءِ الليلِ الصافية. "سأطلبُ منكَ أنْ تظلَّ يقظًا، وأنْ تتأكدَ منْ سلامةِ جميعِ الإجراءاتِ دونَ استثناء."

"أمركَ مطاعُ يا سيدي." قال الشيخُ طارق، ثمَّ انحنى احترامًا وخرج.

بقيَ فوازُ وحيدًا، يراقبُ انعكاسَ وجههِ في الزجاجِ الداكن. كانَ يشعرُ بثقلِ المسؤوليةِ على كتفيه، وبقلقٍ خفيٍّ لا يستطيعُ أنْ يفسرهُ تمامًا. كانتْ رياضُ الياسمينِ الجميلةُ، التي كانتْ رمزًا للسلامِ والهدوء، تبدو لهُ الآنَ وكأنها تخفي في طياتها أسرارًا عميقة، وربما تهديداتٍ خفيّة.

في تلكَ الليلة، بينما كانَ الجميعُ يستعدُ للنوم، سارتْ ليلى بخطواتٍ خفيفةٍ في ممراتِ القصرِ المضاءةِ بضوءِ القمر. وصلتْ إلى بابِ غرفةِ فاطمة، وطرقتْ بلطف.

"ادخلي يا ليلى." صوتُ فاطمةَ كانَ متعبًا ولكنهُ هادئ.

دخلتْ ليلى، ورأتْ فاطمةَ جالسةً على سريرها، تحتضنُ وسادةً. "هلْ أنتِ بخيرٍ يا أميرة؟"

"نعم، الحمْدُ لله. مجردُ أرقٍ." قالتْ فاطمة، وحاولتْ أنْ ترسمَ ابتسامةً.

"أتمنى أنْ يطمئنَ قلبكِ قريبًا." قالتْ ليلى، وجلستْ بجانبها. "غدًا يومٌ جميل، يومٌ فيهِ تتحققُ الأحلام."

"ولكنَّ الأحلامَ ليستْ دائمًا سعيدة، أليسَ كذلك؟" همستْ فاطمة، وعيناها تبدوانِ زجاجيتين. "أتمنى فقطْ أنْ أجدَ السعادةَ التي تستحقها كلُّ نفسٍ مؤمنة."

"ستجدينها يا أميرة. اللهُ لا يضيعُ أجرَ منْ أحسنَ عملاً. وكلُّ ما يحدثُ هوَ بقدرٍ وحكمة." قالتْ ليلى، ووضعتْ يدها بلطفٍ على يدِ فاطمة. "واللهُ معكم."

لمْ تجدْ فاطمةُ إلا أنْ تحتضنَ ليلى، وتدفنَ وجهها في كتفها. شعرتْ ببعضِ الراحةِ في هذا العناقِ الصادق. كانتْ ليلى أكثرَ منْ مجردِ وصيفة، كانتْ صديقةً، وأختًا.

في الخارج، كانَ صوتُ صرصورِ الليلِ هوَ الوحيدُ الذي يكسرُ صمتَ الليلِ البهيم. كانتْ النجومُ تشهدُ على أحداثٍ تتكشفُ ببطء، وعلى مشاعرَ تتأرجحُ بينَ الرجاءِ والخوف، وعلى همساتٍ منْ القدرِ بدأتْ تُنَوِّمُ رياضَ الياسمينِ بعبقِها، وتُبَشِّرُ بفجرٍ جديدٍ قدْ يحملُ معه البشائرَ أوْ ينذرُ بما هوَ آتٍ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%