قلب الأمير الجزء الثاني
ظلالٌ تتراقصُ على جدرانِ الماضي
بقلم مريم الحسن
معَ اقترابِ يومِ الزفاف، كانَ القصرُ يعيشُ في حالةٍ منَ النشاطِ المستمر. تبارى الحرفيونَ في تزيينِ القاعاتِ بالزخارفِ الإسلاميةِ البديعة، وتنافسَ الطهاةُ في إعدادِ أشهى المأكولاتِ التي تعكسُ كرمَ الضيافةِ العربية. لكنَّ خلفَ هذا البهاءِ الظاهري، كانتْ هناكَ همساتٌ خفيّةٌ تتسللُ منْ ثنايا الماضي، لتُلقي بظلالها على حاضرٍ كانَ يُفترضُ أنْ يكونَ مليئًا بالسكينة.
كانَ الأميرُ فوازُ يشعرُ بتزايدِ القلق. لمْ يكنْ الأمرُ مجردَ شعورٍ مبهم، بلْ كانَ يستندُ إلى دلائلَ صغيرةٍ تتراكمُ كقطعِ أحجيةٍ ناقصة. في أحدِ الأمسيات، وبينما كانَ يتصفحُ بعضَ الأوراقِ القديمةِ في مكتبته، وقعتْ عيناهُ على رسالةٍ قديمةٍ جدًا، لمْ يسبقْ لهُ رؤيتها. كانتْ بخطِّ والدتهِ الراحلة، وموجهةٌ إلى شخصٍ مجهول.
"إلى منْ يعنيهِ الأمر، لقدْ فعلتُ ما بوسعي، ولكنَّ القدرَ كانَ أقوى. أرجوكمْ، احموا ابني. لا تدعوهُ يقعُ في الفخ." كانتْ هذهِ بعضُ الكلماتِ التي قرأها فوازُ، وعقلهُ يكادُ ينفجر. منْ كانَ هذا الشخصُ؟ وما هوَ الفخُّ الذي تحدثتْ عنه؟
قررَ فوازُ استشارةَ الشيخِ طارق. "يا شيخَ طارق، لقدْ وجدتُ هذهِ الرسالة. هلْ لديكَ أيُّ فكرةٍ عمنْ قدْ تكونُ موجهةً إليه؟"
نظرَ الشيخُ طارقُ إلى الرسالةِ بعينينِ متفحّصتين. "هذهِ رسالةٌ قديمةٌ جدًا، يا سيدي. بخطِّ والدتكمْ رحمها الله. كانتْ امرأةً حكيمةً وقوية، ولكنها كانتْ دائمًا تخشى عليكَ منْ أعداءِ والدكمْ. ربما كانتْ تتحدثُ عنْ خطةٍ ما."
"ولكنْ خطةٍ تتعلقُ بي؟ وما هوَ هذا الفخُّ؟" سأل فوازُ، وشعورٌ منَ الغضبِ يختلطُ بقلقه.
"هناك احتمالٌ بأنَّ هذهِ الرسالةَ تتعلقُ بالتحالفِ الجديد. الأميرةُ زينبُ، قدْ تكونُ مجردَ واجهةٍ لشخصٍ آخر، أوْ أنَّ هناكَ منْ يستخدمُها لتحقيقِ أهدافه."
"ولكنْ ما هيَ مصلحةُ منْ يستخدمها؟"
"منْ لا يريدُ لهذا التحالفِ أنْ ينجح. ربما يكونُ هناكَ منْ يخشى قوةَ مملكتنا المتحدة، أوْ أنَّ هناكَ عدوًا قديمًا يحاولُ إشعالَ الفتنةِ منْ جديد."
"أشعرُ بأنَّ الأميرةَ زينبَ ليستْ هيَ المشكلة. المشكلةُ أعمقُ منْ ذلك." قال فوازُ، وتذكرَ بريقَ الغموضِ في عينيها. "هلْ هناكَ أيُّ تقاريرَ عنْ تحركاتٍ مشبوهةٍ في المنطقة؟"
"لقدْ رفعتُ مستوى المراقبةِ إلى أقصى حدٍّ، يا سيدي. الأميرُ ناصرٌ يبذلُ قصارى جهده. حتى الآن، كلُّ شيءٍ هادئ، ولكنهُ هدوءٌ يسبقُ العاصفة."
في هذهِ الأثناء، كانتْ ليلى تعيشُ لحظاتٍ منَ السعادةِ الهادئةِ معَ ناصر. كانا يلتقيانِ في حديقةِ القصرِ الخلفية، بعيدًا عنْ الأنظار.
"لقدْ رأيتُ الأميرَ فوازَ اليوم، وكانَ يبدو شاردَ الذهنِ للغاية." قالتْ ليلى، وهيَ تتبادلُ زهرةً صغيرةً معَ ناصر.
"الأميرُ فوازُ يواجهُ تحدياتٍ كبيرة. ولكنَّ ما يثيرُ قلقي هوَ الأميرةُ فاطمة. كيفَ حالها؟"
"إنها أفضلُ حالاً، ولكنَّ نظراتِ الحزنِ لا تزالُ تخالطُ عينيها. إنها تشتاقُ لبعضِ الاستقرارِ والهدوء."
"أتمنى أنْ يتحققَ لها ذلكَ قريبًا. ولكنْ، هلْ تشعرينَ أنتِ بالهدوءِ يا ليلى؟" سأل ناصرُ، ويدهُ تلامسُ يدها بلطف.
شعرتْ ليلى بقلبها يخفقُ بسرعة. "أنا... أنا بخيرٍ يا سيدي. كلُّ ما يحدثُ هوَ قدرٌ."
"ولكنَّ القدرَ لا يمنعُ منْ وجودِ لحظاتٍ خاصةٍ بنا. لحظاتٍ نجدُ فيها السعادةَ الحقيقية." قال ناصرُ، وهوَ يضمُّ يدها. "لقدْ كنتُ أفكرُ كثيرًا في حديثنا الأخير. وما قلتِهِ عنْ أنَّ الواجبَ لا يمنعُ منْ إظهارِ المودة."
"وماذا في ذلكَ يا سيدي؟" سألت ليلى، وعيناها تلمعانِ بالترقب.
"أعتقدُ أنَّ هناكَ مودةً كبيرةً بيننا يا ليلى. مودةٌ لا يمكنُ إنكارها. وأنا... أنا أشعرُ بشيءٍ أعمق."
احمرَّ وجهُ ليلى. "أنا أيضًا أشعرُ بشيءٍ يا سيدي."
"هلْ يمكنُ أنْ يكونَ هذا الشعورُ مبنيًا على أسسٍ متينة؟ أسسٍ يرضاها اللهُ ورسولهُ؟" سأل ناصرُ، بنبرةٍ مليئةٍ بالأمل.
"أعتقدُ ذلك. إنَّ كلَّ ما في الأمرِ هوَ أنْ نحافظَ على احترامنا، وعلى نيتنا الطيبة."
"إذًا، هلْ تسمحينَ لي أنْ أخوضَ في هذا الأمرِ أكثر؟ ليسَ بالكلماتِ الآن، بلْ بطلبٍ رسميٍّ بعدَ أنْ تنتهيَ هذهِ الفترةُ العصيبة؟"
"إذا كانَ الأمرُ بالطريقةِ الصحيحة، فبالتأكيد." قالتْ ليلى، وشعرتْ بارتياحٍ كبير.
وبينما كانتْ مشاعرُ ليلى وناصرَ تتفتحُ كالزهر، كانَ الأميرُ فوازُ يزدادُ قلقًا. لقدْ اكتشفَ شيئًا آخر. أثناءَ تفتيشهِ المنهجيِّ لأحدِ السجلاتِ القديمةِ المتعلقةِ بحساباتِ القصر، وجدَ بندًا غريبًا يتعلقُ بتحويلاتٍ ماليةٍ ضخمةٍ إلى حسابٍ مجهولٍ في فترةٍ سابقةٍ كانتْ فيها والدتهُ تعاني منَ المرض. كانَ المبلغُ كبيرًا، وكانتْ العملياتُ تتمُّ في سريةٍ تامة.
"منْ كانَ يملكُ سلطةً كهذهِ في تلكَ الفترة؟" سأل فوازُ الشيخَ طارق، وقدْ بدأَ وجههُ يتجهم.
"كانتْ والدتكمْ تتمتعُ بسلطةٍ كبيرةٍ في إدارةِ شؤونِ القصرِ الماليةِ أثناءَ مرضها. ولكنْ، هذا المبلغُ ضخمٌ جدًا. هلْ تتذكرُ منْ كانَ مقربًا منها في تلكَ الفترة؟"
"كانتْ هناكَ وصيفةٌ قديمة، اسمها زينب. ولكنَّ والدتي لمْ تكنْ تثقُ بها تمامًا، وكانتْ تحاولُ إبعادها عنْ شؤونِ القصر."
"زينب؟ هلْ تقصدُ الأميرةَ زينب؟" سأل الشيخُ طارقُ بدهشة.
"نعم، أعتقدُ ذلك. ولكنَّ هذهِ الأميرةَ زينبَ التي ستتزوجني هيَ ابنةُ تلكَ الوصيفة؟"
"لا أعتقدُ ذلك، يا سيدي. الأميرةُ زينبُ هيَ ابنةُ أميرٍ كبير. ولكنَّ الاسمَ قدْ يكونُ مشتركًا. ولكنَّ هذا المبلغُ... يثيرُ الشكوك. هلْ يمكنُ أنْ تكونَ هناكَ يدٌ خفيةٌ تتلاعبُ بالأمورِ منذُ زمن؟"
"أتمنى ألا يكونَ الأمرُ كذلك." قال فوازُ، وعيناهُ مثبتتانِ على السجل. "يجبُ أنْ أتحققَ منْ هذا الأمر. بشدة."
كانتْ ظلالُ الماضي تتراقصُ على جدرانِ القصر، وتُلقي بأسئلةٍ مقلقةٍ على مستقبلٍ كانَ يُفترضُ أنْ يكونَ مشرقًا. بدا وكأنَّ هناكَ مؤامرةً تتكشفُ ببطء، مؤامرةٌ قدْ تمتدُ جذورها عميقًا في تاريخِ العائلة، وتهددُ بزعزعةِ استقرارِ كلِّ شيء.