قلب الأمير الجزء الثاني
سرٌّ يفتك بالقلوب
بقلم مريم الحسن
كانت نسمات المساء تهبّ على قصر الأمير ناظم، تحمل معها عبق الياسمين المتفتّح ورائحة الأرض الندية بعد ريّةٍ غزيرة. اجتمع الأهل في الديوان، وقد علا الوجوم على محيّا الأمير، واحتلّ القلق زوايا عينيّ الأميرة ليلى. لم يكن هذا التجمّع المألوف، فمنذ أيامٍ وهم يعيشون تحت وطأة خبرٍ مفاجئ، خبرٌ ألْقى بظلاله الداكنة على فرحتهم الوشيكة بزواج ابنهم الأمير فهد من ابنة الشيخ سالم، الأميرة ديما.
كان الخبر قد وصل إليهم كالصاعقة: الشيخ سالم، والد الأميرة ديما، قد عُثر عليه في حالةٍ صحيّةٍ متردّية، يتّهمه البعض بالخيانة والتآمر على المملكة، بينما يدافع عنه آخرون مؤكّدين أنّه ضحية مؤامرةٍ دنيئة. هذا الافتراء، إن صحّ، قد يهدّد بزعزعة استقرار المملكة بأسرها، ويضع زواج الأمير فهد في مهبّ الريح، بل وربّما يفتح أبواب الشقاق بين القبائل المتصاهرة.
وقف الأمير ناظم، وقد ارتسمت على وجهه علامات الأسى العميق، يحدّث أبناءه وأقرب المقربين إليه: "يا أبنائي، ويا من أثق بهم، لا يخفى عليكم ما ألمّ بنا. الشيخ سالم، صديق عمر، ورجلٌ عرفناه بالنزاهة والوفاء، بات اليوم يتّهمه القوم بما يدمي القلب. وقد أرسلتُ رجالي للتحقّق من الأمر، لكنّ المعلومات شحيحة، والأقاويل متضاربة."
كان الأمير فهد جالسًا في مقدّمة المجلس، شاحب الوجه، وعيناه تلاحق والده دون أن تفارقها. لقد تعلّق قلبه بالأميرة ديما، وبات يرى فيها مستقبله، شريكة حياته ورفيقة دربه. وفكرة أنّ والدها قد يتّهم بالخيانة، وأنّ هذا الاتهام قد يعكّر صفو علاقته بديما، كانت كالنار التي تلتهم روحه.
"يا أبي،" قال فهد بصوتٍ مختنق، "هل ثمة أيّ أخبارٍ مؤكّدة؟ هل تيقّنتم من صحّة هذه الاتهامات؟"
تنهّد الأمير ناظم بعمق، وقال: "ابني، الأمر معقّد. هناك شهاداتٌ تتّهم الشيخ سالم، وهناك شهاداتٌ تنفيها. البعض يقول إنّه تواصل مع أعداء المملكة، والبعض الآخر يؤكّد أنّه كان يكشف مؤامراتهم. الأمر كلّه غامض، يا بني، وغامضٌ جدًّا."
جلست الأميرة ليلى إلى جانب ابنها، وضعت يدها الحانية على كتفه، وقالت بنبرةٍ تحمل مزيجًا من القلق والحكمة: "يا فهد، إنّ الصعاب تظهر معادن الرجال، وتكشف عن حقيقة المعدن الذي صُنعوا منه. والدك، ووالد الأميرة ديما، كلاهما قدّمان للمملكة الكثير. وعلينا أن نتحلّى بالصبر، وأن نمنح الحقيقة فرصة لتكشف عن نفسها."
قاطعهم خادمٌ أتى مسرعًا، وقد بدا عليه أثر الارتباك. انحنى أمام الأمير ناظم وهمس في أذنه بكلماتٍ لم يسمعها أحدٌ سواه. ارتسمت على وجه الأمير علامات الذهول، ثمّ سرعان ما استعاد رباطة جأشه، لكنّ الشحوب عاد ليسيطر على ملامحه.
"ما الخبر يا والدي؟" سأل فهد بلهفة.
نظر إليه الأمير ناظم، وقال ببطءٍ شديد: "الخبر... الخبر جلل. لقد وصلني تقريرٌ من قائد حرّاس القصر، يتحدّث عن تغلغلٍ لبعض العناصر المشبوهة داخل القصر نفسه. وقد يكون للشيخ سالم دورٌ في هذا التغلغل، أو قد يكون هو نفسه ضحيّةً له."
شهقت الأميرة ليلى، وارتعشت يداها. فكرة وجود عملاءٍ داخل أسوار القصر كانت كابوسًا لا يجرؤون على تخيّله.
"لكنّ هذا يعني..." قال فهد، وصوته يكاد يكون همسًا، "أنّ والد ديما... قد يكون متورّطًا. أو ربّما... ربّما تمّ استغلاله."
"هذا هو ما يجعل الأمر أحلك، يا فهد،" قال الأمير ناظم. "لو كان متورّطًا بوعي، لكان الأمر أسهل، ولكن إن كان ضحيّةً، فهذا يعني أنّ الخونة أقرب ممّا نتصوّر، وأنّ ثقتنا قد انخدعت."
كان صمتٌ ثقيلٌ قد خيّم على المجلس. كلٌّ منهم يفكر في العواقب الوخيمة لهذا الاكتشاف. إنّ الخيانة داخل القصر تعني أنّ أمن المملكة في خطرٍ داهم. وإن كان الشيخ سالم متورّطًا، فإنّ زواج الأمير فهد لن يتمّ، بل قد يتحوّل إلى فتنةٍ تهدّد بتفكيك ما بنته الأجيال.
"علينا أن نتحرّك بسرعة،" قال فهد، وقد استعاد شيئًا من حزمه. "لا يمكننا الانتظار حتى تتّضح الأمور. إن كانت هناك عناصر مشبوهة داخل القصر، فيجب كشفها فورًا. وإن كان والد ديما متورّطًا، يجب معرفة مدى تورّطه، وهل هو مختارٌ أم مكرَه."
نظر الأمير ناظم إلى ابنه بعينين يعتصرها الألم والفخر. "صحيحٌ يا بني. ولكن كيف؟ الخيوط متشابكة، والعدوّ مخادع."
"لديّ فكرة،" قال فهد، وقد لمعت عيناه ببريقٍ جديد. "سأذهب بنفسي إلى حيث يُحتجز الشيخ سالم. أريد أن أتحدّث إليه، أن أرى بعينيّ، وأسمع بأذنيّ. لعلّي أستطيع أن أستشفّ الحقيقة بنفسي، وأن أفكّ هذه العقدة."
توسّعت عينا الأميرة ليلى، وقالت بذعر: "يا فهد، هذا خطرٌ عظيم! لا يمكنك الذهاب وحدك. إن كانت هناك مؤامرة، فربّما تكون هناك فخاخٌ تنتظرك."
"لا تقلقي يا أمي،" قال فهد بابتسامةٍ باهتة. "سآخذ معي بعضًا من حرّاسي المخلصين. ولن أتسرّع. فقط أريد أن أرى، وأن أتحدّث."
نظر الأمير ناظم إلى ابنه، وقد رأى فيه شجاعة الأجداد وصلابة الملوك. "إذا كان هذا قرارك، يا بني، فعليك أن تكون حذرًا غاية الحذر. لا تثق بأحدٍ إلا من تعرفه حقّ المعرفة. واعلم أنّ مصيرنا، ومصير ديما، قد يكون معلّقًا على هذه الخطوة."
شعر فهد بثقل المسؤولية يقع على عاتقه. لقد كانت هذه اللحظة نقطة اللاعودة. إما أن يكشف الحقيقة ويدفع الثمن، أو أن يترك الأمور تتدهور إلى ما هو أسوأ. نظر إلى والدته، وقال: "سأكون حذرًا، وأسأل الله أن يكلّل مسعانا بالنجاح."
في تلك الليلة، لم يغمض لفهد جفن. كانت صور ديما تتراقص أمام عينيه، صورٌ تجمعها بابتسامتها الهادئة، وعينيها اللتين تحملان بريق الذكاء والنقاء. هل سيتمكّن من إنقاذها من هذا المصير المظلم؟ هل ستظلّ الحقيقة قادرةً على انتزاعها من براثن الاتهامات الظالمة؟ ألقى نظرةً أخيرةً على سماء الليل المرصّعة بالنجوم، وشعر بأنّ مصيره، ومصير ديما، قد نسجاه يد السماء في هذه الليلة المشؤومة، وأنّ مهمّته باتت أثقل من أيّ وقتٍ مضى.