قلب الأمير الجزء الثاني
مواجهة الحقيقة المُرّة
بقلم مريم الحسن
في صباح اليوم التالي، وقبل أن تبدأ خيوط الشمس الذهبية في نسج لوحاتها على جدران القصر، كان الأمير فهد قد استعدّ لرحلته. ارتدى ملابسه الداكنة، ووضع سيفه المعتاد، وودّع والده ووالدته بعناقٍ طويل، يحمل في طياته دعواتٍ لا تُحصى بأن يحفظه الله في سفره. كانت الأميرة ليلى تغالب دموعها، وتهمس له بآياتٍ من القرآن الكريم، تطلب من الله أن يكون له عونًا وسندًا.
تجمّع حول فهد بعضٌ من حرّاسه المختارين، وهم نفرٌ قليلٌ من الرجال الأشدّاء، الذين أقسموا له بالولاء، وعُرف عنهم الشجاعة والصدق. امتطوا خيولهم، وانطلقوا نحو المكان الذي يُحتجز فيه الشيخ سالم، وهو سجنٌ معزولٌ في أطراف المملكة، لا يصل إليه إلا القليلون، وتُحاط جدرانه بالسرّية والغموض.
كان الطريق طويلًا، والمناظر الطبيعية تتغيّر ببطء. صحاري شاسعة، وجبالٌ صخرية، ووديانٌ سحيقة. كان فهد غارقًا في أفكاره، يتصوّر اللقاء المرتقب. هل سيجد الشيخ سالم صامدًا، أم محطّمًا؟ هل سيعترف بشيءٍ، أم سينكر؟ وماذا لو كانت الاتهامات صحيحة؟ كيف سيتعامل مع ديما إذا اكتشف أنّ والدها قد خان الأمانة؟ هذه الأسئلة كانت تتصارع في صدره، وتزيد من وطأة الهمّ.
بعد ساعاتٍ طويلة، وصلوا إلى وجهتهم. كان السجن بناءً حجريًا ضخمًا، يحيط به سورٌ عالٍ، وتُحرس بواباته بحرّاسٍ مدجّجين بالسلاح. كان الجوّ حول المكان يوحي بالرهبة والقسوة. سلّم فهد تعليماته لحرّاسه، وأنّهم يجب أن يبقوا على أهبة الاستعداد، وأنّهم لا يتدخلون إلا إذا استدعى الأمر.
دخل فهد، ومعه اثنان من حرّاسه، إلى قلب السجن. كان الممرّ مظلمًا، تفوح منه رائحة الرطوبة والعفن. استقبلهم مسؤول السجن، وهو رجلٌ قليل الكلام، تبدو على وجهه علامات القسوة وعدم الرحمة. وبعد بعض الإجراءات الرسمية، تمّ اصطحاب فهد إلى الزنزانة التي يُحتجز فيها الشيخ سالم.
عندما فُتح باب الزنزانة، رأى فهد الشيخ سالم جالسًا على الأرض، رأسه بين يديه. كان نحيلاً، ولحيته قد طالت، وثيابه رثة. بدا وكأنّ الزمن قد مرّ على وجهه، مخلفًا وراءه آثار الحزن والمعاناة. عندما رفع الشيخ سالم رأسه، ورأى الأمير فهد أمامه، تلاشت نظرات اليأس من عينيه، وحلّت محلّها دهشةٌ ممزوجةٌ ببعض الأمل.
"يا بني فهد،" قال الشيخ سالم بصوتٍ ضعيف، "ماذا جاء بك إلى هنا؟ هل تعرّض أحدٌ منكم لسوء؟"
تقدم فهد نحوه، واحتضنه بحرارة، رغم ما بدا عليه من ضعف. "لا يا عمّي، كلّنا بخير. ولكنّي أتيت لأطمئن عليك، ولأعرف منك ما الحقيقة."
جلس فهد بجانبه، وقال بصدق: "عمّي، تنتشر حولك الأقاويل، وتتّهمك بما يدمي القلب. وقد وصلتني أخبارٌ عن تغلغلٍ مشبوهٍ داخل القصر. جئت لأسمع منك، لأفهم ما يحدث."
نظر الشيخ سالم إلى فهد، بعينين فاضتا بالأسى. "يا بني، لو عرفت ما مررت به، لرقّ قلبك. إنّني أُتّهم بالخيانة، وأنا الذي أفنيت عمري في خدمة هذه المملكة. لقد أُلقي القبض عليّ ظلماً، وحُبست هنا بلا ذنب."
"ولكن، عمّي،" قال فهد بحذر، "هناك شهاداتٌ ضدّك. وهناك ما يشير إلى تواصلك مع جهاتٍ مشبوهة."
تنهّد الشيخ سالم بعمق. "تواصلٌ مشبوه؟ نعم، لقد تواصلت، ولكن ليس بالخيانة. بل بالدفاع. كنت أحاول كشف مؤامرةٍ كبيرة، مؤامرةٌ تهدف إلى زعزعة استقرار مملكتنا، وإثارة الفتنة بيننا وبين الدول المجاورة. لقد كشفتُ أسماءً، وكشفتُ خططًا، ولكنّهم سبقوني. استغلّوا نقاط ضعفي، ولفّقوا لي هذه التهمة."
"من هم هؤلاء؟" سأل فهد بلهفة. "ومن استغلّ نقاط ضعفك؟"
"هؤلاء هم تجّار السموم،" قال الشيخ سالم، وارتعشت يداه. "أناسٌ لا يريدون لهذه المملكة إلا الدمار. أمّا من استغلّ نقاط ضعفي... فهو رجلٌ قريبٌ من السلطة، رجلٌ كنّا نظنّ فيه الخير، ولكنه خان الأمانة. لقد استغلّ حبّي لابنتي، ديما. أجبروني على التوقّف عن كشفهم، تحت تهديد إيذائها. وضعتُ نفسي في موقفٍ لا أحسد عليه، ولكنّني لم أجد مفراً. كنت أؤمن بأنّني سأجد طريقةً لتبرئة نفسي، ولحماية ديما."
شعر فهد بصدمةٍ تجتاجه. رجلٌ قريبٌ من السلطة؟ من هو هذا الرجل؟ وهل حقًا استغلّ حبّ الشيخ سالم لابنته؟
"ولماذا لم تخبر أحدًا؟" سأل فهد. "لماذا لم تطلب المساعدة؟"
"كنت أخشى، يا بني،" قال الشيخ سالم. "وكنت أحاول أن أجد دليلاً قاطعًا. ولكنّ الزمن لم يسعفني. لقد كشفوني قبل أن أكشفهم."
"وماذا عن التغلغل داخل القصر؟" سأل فهد. "هل له علاقةٌ بهذه المؤامرة؟"
"بالتأكيد،" قال الشيخ سالم. "هم يريدون إحداث فوضى، وإدخال جواسيسهم إلى قلب الحكم. لقد سعوا للتواصل مع بعض ضعاف النفوس داخل القصر، لتسهيل مهمّتهم. وقد كنت أحاول كشف هؤلاء أيضًا، ولكنّ الأمر كان أشدّ صعوبةً ممّا تصوّرت."
جلس فهد صامتًا، يستوعب كلّ ما سمعه. كانت القصة أعمق وأكثر تشابكًا ممّا كان يتوقّع. إنّها ليست مجرّد تهمةٍ لخيانة، بل مؤامرةٌ خطيرة تستهدف استقرار المملكة بأسرها. والرجل الذي يقف وراءها، رجلٌ قريبٌ من السلطة، استغلّ ضعف الشيخ سالم، وهو حبه لابنته.
"من هو هذا الرجل، عمّي؟" سأل فهد بجدّية. "يجب أن أعرف اسمه. يجب أن نكشفه."
تردّد الشيخ سالم قليلاً، ثمّ قال بصوتٍ خفيض: "إنّه... إنّه الوزير مراد. لقد كنت أشكّ فيه، ولكنّني لم أملك دليلاً دامغًا حتى حصلت عليه قبل أيّامٍ من القبض عليّ. لقد رأيته بنفسي، يتّفق مع شخصٍ مشبوهٍ في مكانٍ سريّ، وكانوا يتحدّثون عن خططٍ لزعزعة الأمن."
ارتعش جسد فهد. الوزير مراد! الرجل الذي لطالما وثق به والده، والرجل الذي يبدو عليه الوفاء والإخلاص. كيف يمكن أن يكون هذا صحيحًا؟
"وهل هناك أيّ دليلٍ على ما تقول؟" سأل فهد، وقد بدأ الشكّ يتسرّب إلى قلبه.
"نعم،" قال الشيخ سالم. "لقد استطعت في تلك الليلة، قبل أن أُقبض عليّ، أن أحصل على بعض الأوراق التي كانت بحوزته. إنّها هنا."
فتح الشيخ سالم ثوبه، وأخرج من مخبأ سريّ بعض الأوراق المطوية. قدمها إلى فهد، الذي بدأ يتفقّدها بعناية. كانت هذه الأوراق تحتوي على أسماء، وخطط، ومراسلاتٍ مشفّرة، كلّها تشير بوضوح إلى تورّط الوزير مراد في مؤامرةٍ كبرى.
"هذا... هذا مدمّر،" قال فهد، وهو يمسك بالأوراق. "إذا كان الوزير مراد متورّطًا، فهذا يعني أنّ الخونة ليسوا في الأطراف، بل في قلب الحكم."
"وهذا هو سبب تردّدي، يا بني،" قال الشيخ سالم. "كيف نثبت ذلك؟ وكيف نكشف رجلًا يتمتّع بهذه القوة وهذا النفوذ؟"
شعر فهد بثقلٍ هائل. لم يعد الأمر مجرّد إنقاذ سمعة شيخٍ بريء، بل أصبح معركةً لكشف مؤامرةٍ تهدد وجود المملكة. لقد وصل إلى نقطة اللاعودة. إما أن يكشف هذه الحقيقة المروّعة، أو أن يسمح للشرّ أن ينتصر. نظر إلى الشيخ سالم، وقال بجدّية: "لا تقلق يا عمّي. سوف نجد طريقة. سأحرص على أن تصل هذه الأوراق إلى والدي، وأن نحاسب كلّ من تلوّثت يداه. أمّا ديما، فسأطمئن عليها بنفسي."
نهض فهد، وقد عقد العزم. كان يعرف أنّ الطريق سيكون صعبًا، ومليئًا بالمخاطر. ولكنّ رؤية الأوراق في يديه، والصدق في عين شيخٍ ظلم، كانا كافيين ليمنحاه القوة والإصرار. كان يعلم أنّ هذه اللحظة هي بداية الكشف، وأنّ ما هو قادمٌ سيكون أشدّ وطأةً ممّا يتصوّر.