قلب الأمير الجزء الثاني
ضوءٌ في عتمةِ الماضي
بقلم مريم الحسن
في قصرِ السلطانِ خالد، كانتْ الأجواءُ تسودها الفخامةُ والرقي، ولكنها أيضاً تحملُ في طياتها أعباءَ الحكمِ والمسؤولية. كانتْ قاعاتُ القصرِ الواسعةِ، المزينةُ بزخارفَ عربيةٍ إسلاميةٍ أصيلة، تشهدُ اجتماعاتٍ مستمرةٍ لمناقشةِ شؤونِ الولاية. السلطانُ خالد، رجلٌ في أواخرِ الخمسيناتِ من عمره، يتمتعُ بحكمةٍ ورزانةٍ لا مثيلَ لهما. كانتْ لحيتهُ البيضاءُ الناصعةُ تزيدُهُ هيبةً، وعيناهُ التي تحملانِ بريقَ الخبرةِ، ترصدانِ كلَ شيء.
كانَ يجلسُ في مكتبهِ الفخم، الذي تطلُ نوافذهُ على حدائقَ غناء، يتفحصُ تقاريرَ مهمةً وصلتهُ للتو. كانَ الخبرُ عن الأميرِ فهدٍ ومواجهتهِ الغامضةَ على الحدودِ، قد وصلَ إلى مسامعه. ابتسمَ السلطانُ ابتسامةً خفيفةً، فيها فخرٌ بابنهِ الشجاعِ، وفيها أيضاً قلقٌ مشروع. كانَ يعرفُ أنَ فهدًا ليسَ مجردَ أميرٍ، بل هوَ امتدادٌ لروحهِ، وسيفٌ يدافعُ عن أمنِ الولاية.
دفعَ بابَ المكتبِ بهدوءٍ، ودخلتْ سيدةٌ في منتصفِ العمر، ترتدي ملابسَ فاخرةً ومحتشمة. كانتْ السيدةُ فاطمة، زوجةُ السلطانِ ووالدةُ الأميرِ فهد. كانتْ وجهها يشعُ بالجمالِ والطيبة، وعلى الرغمِ من تقدمِ السن، إلا أنَ عينيها ظلتا تحتفظانِ ببريقِ الشباب.
"أبا فهد، هل من أخبارٍ جديدةٍ؟" سألتْ بصوتٍ هادئٍ، وقربتْ منهُ كوباً من الشايِ الأخضر.
وضعَ السلطانُ خالدُ التقاريرَ جانباً، وأخذَ الكوبَ بامتنان. "الأخبارُ عن فهدٍ جيدةٌ، والحمدُ لله. يبدو أنهُ تصدى لمجموعةٍ مشبوهةٍ على الحدود. ما زالَ التفاصيلُ غيرُ واضحةٍ تماماً، ولكنهُ يتعاملُ معَ الموقفِ بحكمةٍ وشجاعة."
تنهدتْ السيدةُ فاطمةُ بارتياح. "اللهمَ لكَ الحمد. طالما كانَ فهدٌ على قدرِ المسؤولية. ولكنْ، هل هذاَ يعني أنَ الخطرَ قد ازدادَ؟"
"لا يمكنُ الجزمُ بعد، يا فاطمة. ولكنَ الحذرَ واجبٌ دائماً. هذهِ المنطقةُ الحدوديةُ كانتْ دائماً عرضةً لبعضِ الاضطرابات، ولكنْ هذهِ المرةَ تبدو الأمورُ مختلفةً قليلاً."
"وهل تعلمَ شيئاً عن طبيعةِ هذهِ المجموعةِ المشبوهة؟"
"حسبَ التقاريرِ الأولية، يبدو أنهم ليسوا منَ القبائلِ المعروفةِ في المنطقة. لديهم أسلحةٌ غريبةٌ، ولا يبدو عليهم أنهم بدوٌ صحراويون. هناكَ شيءٌ غامضٌ في أمرهم."
سادَ صمتٌ قصيرٌ، كلٌ منهما يفكرُ فيما وراءَ الكلمات. فجأةً، فتحتْ السيدةُ فاطمةُ حقيبتها، وأخرجتْ منها صندوقاً صغيراً قديماً، مزيناً بنقوشٍ فضية. "أتذكرُ هذاَ الصندوق، يا خالد؟"
أخذَ السلطانُ الصندوقَ، وبدتْ على وجههِ علاماتُ الاسترجاع. "نعم، أتذكرُه. إنهُ صندوقُ جدتكَ، الأميرةِ عائشة. كانَ يحتفظُ بأشياءَ ثمينةٍ جداً بالنسبةِ لها."
"بالفعل. لقد كنتُ أرتبُ بعضَ الأغراضِ القديمةِ في مخزنِ البيت، ووجدتهُ. وعندما فتحتهُ، وجدتُ بداخلهِ هذه."
أخرجتْ السيدةُ فاطمةُ من الصندوقِ رسالةً قديمةً، مكتوبةً بخطٍ عربيٍ أنيق، على ورقةٍ صفراءَ شاحبة. كانتْ الرسالةُ مختومةً بختمٍ قديمٍ باهت.
"هذهِ الرسالةُ، يا خالد، تحملُ تاريخَ ميلادِ فهدٍ تقريباً. أعتقدُ أنها تخصُ جدتهُ."
فتحَ السلطانُ خالدُ الرسالةَ بحذر، وبدأَ يقرأ. كانتْ كلماتٌ متناثرةٌ، تحملُ في طياتها ألغازاً. كانَ هناكَ ذكرٌ لـ "شبحِ الصحراء"، و"وعدٍ قديم"، و"أمانةٍ يجبُ حفظها".
"هذاَ غريبٌ جداً." قالَ السلطانُ وهوَ يطوي الرسالة. "أميرةُ عائشة لم تكنْ منَ النوعِ الذي يكتبُ رسائلَ غامضة. كانتْ امرأةً عمليةً جداً."
"ولكنْ، انظرْ هنا، يا خالد." قالتْ السيدةُ فاطمةُ، مشيرةً إلى جانبٍ من الورقة. "هذاَ الرسم. هل تعرفهُ؟"
كانَ هناكَ رسمٌ بسيطٌ، ولكنهُ معبر. رسمٌ لشجرةِ نخيلٍ وحيدةٍ، تقفُ شامخةً في صحراءَ واسعة، وتحتَها نجمةٌ ساطعة.
تأملَ السلطانُ الرسمَ، ثمَ هزَ رأسهُ. "لا، لم أرَ شيئاً كهذاَ من قبل. ولكنْ... هناكَ شيءٌ ما يذكرني به. ربما قصةً قديمةً سمعتها في صغري."
"يا خالد، أشعرُ أنَ هذهِ الرسالةَ قد تكونُ متعلقةً بما يحدثُ الآن. ربما هؤلاءِ القومُ الذينَ واجههم فهدٌ، لهم علاقةٌ بما كانتْ جدتي تحاولُ إخفاءه، أو ربما تحذيرٌ منْ خطرٍ قادمٍ منَ الماضي."
نظرَ السلطانُ إلى زوجتهِ، ورأى في عينيها القلقَ والحيرة. كانتْ لديهِ نفسُ المشاعر. كانَ هذاَ اللغزُ الجديدُ يزيدُ من تعقيدِ الوضعِ على الحدود.
"علينا أنْ نحافظَ على هذهِ الرسالةِ سراً، يا فاطمة. حتىَ نفهمَ معناها. وفهدٌ لا يجبُ أنْ يعرفَ بهذاَ الأمرِ الآن، حتىَ لا يشغلهُ عن مهمتهِ الأساسية."
"ولكنْ، ماذا لو كانتْ الرسالةُ مفتاحاً لفهمِ ما يحدث؟"
"سنحاولُ فكَّ رموزها بهدوءٍ. ولكنْ، الأولويةُ الآنَ هيَ التأكدُ منَ سلامةِ فهدٍ، ومنَ أمنِ الولاية."
استمرَ السلطانُ في تفحصِ الرسمِ، وفكرَ في كلِ القوى التي كانتْ تحومُ حولَ الولايةِ قديماً. هل كانتْ جدتهُ، الأميرةُ عائشة، تعرفُ عن وجودِ تهديدٍ كامنٍ طوالَ هذهِ السنوات؟ ولماذاَ لم تتحدثْ عنه؟
في تلكَ اللحظة، طرقَ بابُ المكتبِ، ودخلَ أحدُ حراسِ القصرِ الموثوقين. "يا صاحبَ السمو، وصلَ رسولٌ عاجلٌ منَ الأميرِ فهد. يبدو أنهُ يريدُ إبلاغكم بشيءٍ مهمٍ جداً."
تبادلَ السلطانُ وزوجتهُ نظرةً قلقة. هل تطورتْ الأمورُ على الحدود؟ هل اكتشفَ فهدٌ شيئاً خطيراً؟
"أدخلِ الرسولَ فوراً." أمرَ السلطانُ، وقلبهُ ينقبضُ منَ القلق. بدأتْ خيوطُ الماضي تتداخلُ معَ حاضرٍ غامض، وكانَ فهدٌ يقفُ في قلبِ العاصفة.