قلب الأمير الجزء الثاني

همساتٌ في ليلِ المدينة

بقلم مريم الحسن

كانتْ مدينةُ [اسم المدينة]، عاصمةَ الولاية، تنبضُ بالحياةِ حتىَ في ساعاتِ الليلِ المتأخرة. كانتْ الشوارعُ المرصوفةُ بالحجارةِ القديمة، والمضاءةُ بفوانيسَ نحاسيةٍ متألقة، تحملُ في طياتها عبقَ التاريخِ وروائحَ التوابلِ والعطور. على الرغمِ منَ المشاغلِ السياسيةِ والأمنية، إلا أنَ المدينةَ حافظتْ على رونقها وهدوئها.

في أحدِ الأحياءِ الراقية، كانَ قصرُ الأميرِ عبدِ الرحمن، والدِ الأميرةِ ليلى، يقفُ شامخاً، مزيناً بالنقوشِ الإسلاميةِ الفنية. داخلَ إحدى الغرفِ المطلةِ على حديقةٍ عطرية، كانتْ الأميرةُ ليلى تجلسُ معَ والدتها، الأميرةِ زهرة. كانتْ الأميرةُ ليلى، شابةٌ في أوائلِ العشرينيات، تتمتعُ بجمالٍ لافتٍ، ولكنْ ما يميزها حقاً هوَ ذكاؤها وحسنُ خلقها. كانتْ عيناها الواسعتان، بلونِ السماءِ الصافية، تنمانِ عنِ عمقِ تفكيرٍ ورغبةٍ في فهمِ العالمِ من حولها.

"لمَ لمْ تتناولْ والدتكَ العشاءَ معنا الليلة، يا أمي؟" سألتْ ليلى، بينما كانتْ ترتشفُ منَ كوبِها.

ابتسمتْ الأميرةُ زهرة. "كانتْ لديها موعدةٌ مهمةٌ معَ إحدىَ القريباتِ في بيتِ جدتكِ. سمعتُ أنهم يتحدثونَ عنْ ترتيباتٍ لبعضِ المناسباتِ القادمة."

"المناسبات؟ هل تقصدينَ زواجَ ابنةِ عمي؟"

"نعم، ولكنْ يبدو أنهم يتحدثونَ أيضاً عنْ مناسباتٍ تخصُ ولايةَ [اسم الولاية]."

رفعتْ ليلى حاجبيها بفضول. "منَ المتوقعِ أنْ تكونَ خطبتي منَ الأميرِ فهدٍ قريباً. هل تعتقدينَ أنهم يخططونَ لإعلانِ الخبرِ رسمياً؟"

"ربما. فهدٌ أميرٌ واعدٌ، وابنكِ لهُ مستقبلٌ مشرقٌ. السلطانُ خالدٌ رجلٌ حكيمٌ، وفهدٌ ورثَ الكثيرَ منَ صفاتهِ. أتمنى أنْ يكونَ زواجكماَ سبباً في تعزيزِ العلاقاتِ بينَ الولايتين."

كانَ الحديثُ عنْ فهدٍ دائماً يجلبُ الدفءَ إلى قلبِ ليلى. كانتْ تتذكرهُ منَ اللقاءاتِ القليلةِ التي جمعتهما. رجلٌ قويٌ، ولكنْ فيهِ رقةٌ خاصة. كانَ يحترمها ويقدرها، ولمْ يشعرها يوماً بأنها مجردَ أداةٍ سياسية. كانَ يرى روحها، ويستمعُ إلى أفكارها.

"أتمنى ذلكَ أيضاً يا أمي." قالتْ ليلى. "ولكنْ، سمعتُ بعضَ الشائعاتِ المقلقةِ مؤخراً عنْ اضطراباتٍ على الحدودِ الغربيةِ لولايةِ [اسم الولاية]."

"الشائعاتُ كثيرةٌ في هذهِ الأيام، يا ابنتي. ولكنْ، السلطانُ خالدٌ أميرٌ قويٌ، ولا يسمحُ بأيِ تهديدٍ لأمنِ ولايته. فهدٌ أيضاً أثبتَ جدارتهُ في كثيرٍ منَ المواقف."

"نعم، ولكنْ، أناَ قلقةٌ قليلاً. أتمنى أنْ يكونَ كلُ شيءٍ على ما يرام."

في تلكَ اللحظة، دخلتْ الخادمةُ بابتسامةٍ متعجلة. "يا سيدتي، جلالةُ الأميرةِ زهرة، وصلَ رسولٌ منَ الأميرِ فهد. يقولُ أنهُ يريدُ رؤيةَ الأميرةِ ليلى في أقربِ وقتٍ ممكن، وأنَ الأمرَ عاجلٌ جداً."

تغيرَ وجهُ ليلى. بريقُ القلقِ حلَّ محلَّ بريقِ الهدوء. "فهد؟ هنا؟ في هذاَ الوقتِ المتأخر؟"

"نعم، يا سيدتي. ولكنهُ لمْ يذكرْ سبباً."

"قولي لهُ أنني قادمةٌ. ولتحضري ليَ عباءةً أنيقةً، وسريعةَ اللبس."

وقفتْ الأميرةُ زهرةُ. "هل أنتِ متأكدةٌ منَ هذا، ليلى؟ قد يكونُ الأمرُ خطيراً. لا يجبُ أنْ تذهبي وحدكِ."

"لا تقلقي يا أمي. سآخذُ معيَ اثنينِ منْ حارساتي. وسأكونُ حذرةً. ربما لديهِ أخبارٌ تخصُ زواجنا، ويريدُ أنْ يشاركني إياها شخصياً."

رغمَ محاولةِ ليلى لتبديدِ القلق، إلا أنَ إحساساً داخلياً بالتوترِ بدأَ يتسربُ إليها. لماذاَ هذاَ العجل؟ ولماذاَ لمْ يرسلْ رسالةً مكتوبة؟

عندما وصلتْ ليلى إلى المكانِ الذي حددهُ فهدٌ، وهوَ جناحٌ جانبيٌ بعيدٌ عنْ صالاتِ الاستقبالِ الرئيسية، وجدتهُ ينتظرها. كانَ يرتدي ملابسهُ العسكريةِ، وعلاماتُ الإرهاقِ واضحةٌ على وجههِ، ولكنْ عيناهُ كانتْ تلمعانِ بقوةٍ وثبات.

"فهد! ما الذي أتى بكَ إلى هناَ في هذاَ الوقت؟ هل كلُ شيءٍ على ما يرام؟" سألتْ ليلى، وهيَ تشعرُ بقلبها يخفقُ بقوة.

اقتربَ فهدٌ منها، وأمسكَ بيديها بلطف. "ليلى، معذرةً على هذاَ الإزعاجِ المفاجئ. ولكنْ، حدثَ أمرٌ مهمٌ على الحدودِ، وأردتُ أنْ أشارككِ بهِ بنفسي قبلَ أنْ ينتشرَ الخبرُ."

"ما هوَ؟ هل أنتَ بخير؟"

"أناَ بخيرٍ والحمدُ لله. لقد واجهنا مجموعةً منَ المتسللينَ الغرباء. لمْ يكونوا قطاعَ طرقٍ عاديين. لديهم نواياٌ غيرُ واضحة، وأسلحةٌ غريبة. اكتشفنا بعضَ الأدلةِ التي تشيرُ إلى أنهم ليسوا مجردَ مجرمينَ، بل ربما يحملونَ أجندةً أكبر."

"أجندة؟ ماذاَ تعني؟"

"هذاَ ما أحاولُ فهمهُ. لقد ألقينا القبضَ على قائدهم، وهوَ الآنَ قيدَ الاستجواب. ولكنهُ يصرُّ على أنهُ مجردُ تاجرٍ ضلَّ الطريق. ولكني أشعرُ أنهُ يكذب."

"هل لديهم أيُ ارتباطٍ بولايتنا، أو بولايتنا؟"

"هذاَ ما يثيرُ قلقي. المعلوماتُ شحيحةٌ جداً، ولكنْ ظهرَ أثناءَ التحقيقِ الأولِ ذكرٌ لأسماءَ وأماكنَ لا أستطيعُ تفسيرها. أسماءٌ تبدو قديمةً جداً، وكأنها منَ الأساطير."

"أسماءٌ قديمة؟ هل يمكنكَ أنْ تذكرَ ليَ بعضَها؟"

ترددَ فهدٌ للحظة. "هناك اسمٌ واحدٌ تكررَ كثيراً. اسمُ 'ظلالِ الصحراء'. لا أعرفُ ما الذي يعنيهِ، ولكنْ بداَ على قائدهم عندَ سماعِ هذاَ الاسمِ شيءٌ منَ الخوفِ أو ربما الاحترام."

"ظلالِ الصحراء..." همستْ ليلى. "لمْ أسمعْ بهذاَ الاسمِ منْ قبل. ولكنْ... أشعرُ بأنني قد سمعتُ شيئاً مشابهاً في قصةٍ قديمةٍ قرأتها. قصةٌ عنْ قبائلَ بائدةٍ كانتْ تعيشُ في الصحراءِ قبلَ آلافِ السنين."

"قبائلَ بائدة؟ هل أنتِ متأكدةٌ منَ هذا، ليلى؟"

"نعم. كانتْ القصةُ تتحدثُ عنْ محاربينَ أقوياءَ، اشتهروا بمهاراتهم في القتالِ والتخفي. ولكنْ، اختفوا فجأةً، ولمْ يتركوا أثراً. كانتْ هناكَ أسطورةٌ تقولُ أنهم لمْ يختفوا، بل اختبأوا في مكانٍ ما، ينتظرونَ الوقتَ المناسبَ للظهورِ مرةً أخرى."

نظرَ فهدٌ إلى ليلى، وشعرَ بأنَ كلماتها تحملُ وزناً لا يُستهانُ به. هل كانتْ هذهِ مجردَ أساطيرَ قديمة، أمْ أنَ هناكَ رابطاً حقيقياً بينَ هذهِ الأساطيرِ وبينَ الرجالِ الذينَ واجههم؟

"ليلى، أحتاجُ لمساعدتكِ. أنتِ دائماً ما تكونينَ مصدرَ إلهامي وحكمتي. ما الذي تعتقدينَ أننا يجبُ أنْ نفعلهُ؟"

لمْ تردَّ ليلى على الفور. كانتْ تفكرُ بعمق. كانتْ لديها حدسٌ بأنَ الأمرَ أكبرُ مما يبدو. كانَ هناكَ شيءٌ ما في كلامِ فهدٍ، وفي قلقهِ، يذكرها بشيءٍ دفينٍ في ذاكرتها. ربما قصةٌ سمعتها منَ جدتها، قصةٌ لمْ تكنْ تفهمُ معناها الكاملَ آنذاك.

"علينا أنْ نبحثَ عنْ المزيدِ منَ المعلومات. وأنْ نكونَ مستعدينَ لأيِ شيء. ما الذي تملكونهُ منَ أدلةٍ حالياً؟"

"لدينا بعضُ القطعِ الأثريةِ الغريبةِ التي وجدوها معهم، وبعضُ الرموزِ التي لمْ نستطعْ فكَّها. كما أنَّ لديَّ القليلَ منَ المعلوماتِ التي استطعنا انتزاعها منَ القائد."

"أعتقدُ أننا يجبُ أنْ نلتقيَ قريباً، ونراجعَ كلَ شيءٍ معاً. ربما أستطيعُ أنْ أساعدكَ في فكَّ هذهِ الألغاز. لديَّ بعضُ الكتبِ القديمةِ في مكتبتي، التي قد تحتوي على معلوماتٍ مفيدة."

"هذاَ سيكونُ رائعاً، ليلى. إنَ وجودكِ إلى جانبيَ يمنحني القوة. أنتِ لستِ مجردَ خطيبة، بل شريكةٌ حقيقيةٌ في كلِ ما يتعلقُ بمستقبلِ هذهِ الولاية."

شعرَ فهدٌ بأنَ كلماته هذهِ صادقةٌ منَ القلب. في وسطِ كلِ هذاَ الغموضِ والخطر، كانتْ ليلى هيَ النقطةُ المضيئةُ الوحيدة، التي تمنحهُ الأملَ والقوة.

"وأنتَ أيضاً، يا فهد." قالتْ ليلى، وابتسامةٌ خفيفةٌ ارتسمتْ على شفتيها. "لستَ مجردَ أمير. أنتَ الأملُ الذي ننتظره."

تنهدَ فهدٌ بارتياح. كانتْ مجردُ دقائقَ قليلةٍ في حضرةِ ليلى، ولكنها كانتْ كفيلةً بتغييرِ مزاجهِ تماماً. شعرَ بأنَ غبارَ الصحراءِ الذي قد يلتفُ حولهم، لنْ يستطيعَ أبداً إطفاءَ نورِ الياسمينِ الذي يفوحُ منْ روحِ ليلى.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%