قلب الأمير الجزء الثاني
ظلالٌ تتشكل
بقلم مريم الحسن
في مكتبِ الأميرِ فهدٍ داخلَ قصرِ الولاية، سادَ جوٌ منَ التركيزِ الشديد. كانتْ الأضواءُ الخافتةُ تبرزُ معالمَ المكتبِ الفخم، الذي يضمُّ رفوفاً تعجُّ بالكتبِ والمخطوطاتِ القديمة. كانتْ الطاولةُ الخشبيةُ العريضةُ مشغولةً بالكاملِ بأوراقٍ متناثرة، وقطعٍ أثريةٍ غريبة، ورسوماتٍ للرموزِ التي تمَّ العثورُ عليها معَ المتسللين.
كانَ فهدٌ وليلى يجلسانِ جنباً إلى جنب، تتفحصانِ الأدلةَ بعنايةٍ فائقة. كانَ فهدٌ يشعرُ بضيقٍ متزايد، كلما تعمقَ في تحليلِ المعلومات. كانتْ كلُ معلومةٍ جديدةٍ تكشفُ عنْ طبقةٍ أعمقَ منَ الغموض، وتزيدُ منَ الشعورِ بأنهم يتعاملونَ معَ عدوٍ قديمٍ لهُ جذورٌ عميقة.
"هذهِ الرموز..." بدأتْ ليلى، وهيَ تشيرُ إلى رسمٍ على ورقة. "إنها تشبهُ إلى حدٍ كبيرٍ بعضَ النقوشِ التي وجدتها في كتبِ الأساطيرِ القديمة. ولكنْ، يبدو أنَّ هذهِ النسخَ أكثرَ تعقيداً. ربما تمَّ تعديلها، أو ربما تعودُ إلى فترةٍ أقدمَ منَ القصصِ التي أعرفها."
"وهذاَ الرسمُ على الصخرةِ التي وجدوها معهم..." قالَ فهدٌ، وهوَ يمسكُ بالقطعةِ الأثرية. "يبدو أنهُ نقشٌ لشعارٍ ما. شعارٌ لمْ أرَ مثلهُ منْ قبل."
"الشعارُ يبدو وكأنهُ يتكونُ منَ هلالٍ مقلوبٍ، ويحيطُ بهِ شكلٌ دائريٌ يشبهُ الشمسَ الغاربة." قالتْ ليلى. "هناك رمزٌ يشبهُ العينَ في وسطِ الهلال. هل يمكنُ أنْ يكونَ هذاَ هوَ شعارُ 'ظلالِ الصحراء'؟"
"منَ المحتمل. ولكنْ، منْ هم هؤلاءِ القوم؟ ولماذاَ يظهرونَ الآن؟" تساءلَ فهدٌ. "القائدُ الذي ألقينا القبضَ عليهِ، اسمهُ 'مالك'. أنكرَ معرفتهُ بأيِ شيءٍ حولَ 'ظلالِ الصحراء'. قالَ إنهم مجردُ مجموعةٍ مرتزقةٍ استأجرتهم جهةٌ مجهولةٌ لا يعرفُ اسمها. ووعدَ بمكافأةٍ ضخمةٍ عندَ إنجازِ المهمة."
"مرتزقة؟ هل تثقُ بكلامهِ؟"
"لا. عيناهُ تحملانِ علاماتِ خوفٍ لمْ أراها في مجرمٍ عادي. عندما سألتهُ عنْ اسمِ الجهةِ التي استأجرتهُ، تلعثمَ، وبداَ عليهِ الارتباك. أخبرني بأنهم يتواصلونَ عبرَ وسطاءَ سريين، ولا يعرفُ إلا القليلَ عنْ هويتهم الحقيقية."
"وهل أنتَ متأكدٌ أنهم لا يحملونَ أجندةً سياسيةً أو عسكريةً مباشرةً ضدَ ولايتنا؟"
"حسبَ المعلوماتِ التي حصلنا عليها، يبدو أنَ هدفهم الأساسيَ ليسَ احتلالَ الأرضِ أو إسقاطَ الحكمِ مباشرة. إنهم يبحثونَ عنْ شيءٍ ما. شيءٌ قديمٌ جداً."
"شيءٌ قديم؟ هل تقصدُ شيئاً مادياً، أمْ شيئاً رمزياً؟"
"هذاَ ما نحاولُ فهمهُ. بعضُ الأدلةِ تشيرُ إلى أنهم يبحثونَ عنْ قطعةٍ أثريةٍ ذاتِ قوةٍ خارقة، بينما تشيرُ أدلةٌ أخرى إلى أنهم يبحثونَ عنْ معرفةٍ أو سرٍ مفقود."
"والآن، يا فهد، دعنا نعدُ إلى رسالةِ جدتي." قالتْ ليلى، وهيَ تأخذُ الرسالةَ الصفراءَ منَ على الطاولة. "ذكرتْ رسالتها 'شبحَ الصحراء'، و'وعداً قديماً'، و'أمانةً يجبُ حفظها'. أليستْ هذهِ الكلماتُ تتطابقُ بشكلٍ غريبٍ معَ ما تصفهُ؟"
"بالفعل. ولكنْ، ما علاقةُ جدتكِ، الأميرةِ عائشة، بكلِ هذا؟ ولماذاَ لمْ تتحدثْ عنْ الأمرِ معَ والدي؟"
"ربما لأنها لمْ ترَ تهديداً مباشراً في وقتها. أو ربما لأنها كانتْ تحاولُ حمايةَ العائلةِ منْ معرفةِ سرٍ خطير."
"يجبُ أنْ نذهبَ إلى قصرِ جدتكِ، الأميرةِ زهرة، ونستكشفَ أغراضها القديمة. ربما نجدُ هناكَ المزيدَ منَ الأدلة. ولكنْ، علينا أنْ نفعلَ ذلكَ بحذرٍ شديد. لا نريدُ أنْ نثيرَ أيَ شكوك."
"ولكنْ، قبلَ ذلك، أريدُ أنْ أركزَ على هذهِ الرموز. هناكَ رمزٌ واحدٌ يثيرُ انتباهي بشكلٍ خاص. يبدو وكأنهُ مفتاحٌ، أو بوابةٌ."
شرحتْ ليلى لفهدٍ عنْ تحليلها الأوليِّ لهذهِ الرموز. بدأتْ كلماتُ فهدٍ تتشكلُ في ذهنهِ، تتداخلُ معَ رؤىً غيرِ واضحة، وخوفٍ دفين. هل كانَ والدهُ، السلطانُ خالد، على علمٍ بشيءٍ منَ هذا؟ هل كانَ هناكَ شيءٌ مخبأٌ في تاريخِ عائلتهِ، يتعلقُ بهذهِ "ظلالِ الصحراء"؟
"فهد، ما الذي يقلقكَ؟ أرى في عينيكَ قلقاً لمْ أرهُ منْ قبل."
"إنها مجردُ أفكارٍ تتصارعُ في رأسي، ليلى. كلما تعمقتُ في هذاَ الأمر، كلما شعرتُ بأنَ هناكَ شيئاً أكبرَ بكثيرَ مما نعتقد. شيءٌ يتعلقُ بتاريخِ الولايةِ بأكملها."
"وماذاَ