قلب الأمير الجزء الثاني
غياهب الهوى ودخان الشبهات
بقلم مريم الحسن
كانت الأيام تتسابق في سراب قصر الأمير، تحمل معها نسماتٍ باردةً تنبئ بعواصف قادمة. الأمير خالد، الشاب الذي طالما عُرف بحزمه ورزانته، وجد نفسه يتأرجح على حافةٍ سحيقة، يقذفه إليها طيفُ فتاةٍ أصبحت محورَ عالمه، وسببَ اضطرابه. لم يكن الحبُّ قطُّ ليلقي بظلاله بهذا الثقل على قلبه، فهو الذي تربى على أن يكون سيدَ نفسه، وأن يضع الواجبَ قبل الرغبة، والمصلحةَ قبل الهوى. لكنَّ زينب، بجمالها الساحر، وعقلها الوقاد، وحيائها المتجذّر، قد نسفت كلَّ قواعده، وأعادت صياغةَ قوانينه الخاصة.
كانت الساعات التي يقضيها بعيدًا عنها، أو حتى مجرد التفكير في أنها قد تكون بصحبة آخرين، تُشعِلُ في صدره نارًا لا تُطاق. لم يعد الطعامُ يشتهيه، ولا المجالسُ تُبهجه. كلُّ شيءٍ بدا باهتًا، فاقدًا لمعناه، إلا ما يتعلق بها. كان يجد نفسه يتسلل إلى أروقة القصر، فقط ليحظى بنظرةٍ خاطفةٍ من نافذتها، أو لسماعِ وقعِ خطواتها في الممرات. هذه الحالُ الجديدةُ أقلقته، بل أخافته. كان يخشى أن يكون قد وقعَ في شَرَكِ حبٍّ جامحٍ، قد يُفسد عليه مسيرته، ويهدّدُ استقرارَ مملكته.
في إحدى الليالي، بينما كان يجلسُ في مكتبه، يتصفحُ بعضَ الوثائق الملكية، ولم يكن فيها حرفٌ واحدٌ يدخلُ إلى وعيه، وجدَ بصرهُ يتجهُ نحو قطعةِ قماشٍ مزركشةٍ كانت قد سقطت سهوًا من يد زينب قبل أيام، وتَعَمَّدَ أن يحتفظَ بها. كان يشمُّ فيها رائحتها الزكية، ويتخيَّلُ وجهها الطاهر، وابتسامتها الرقيقة. فجأةً، استشعرَ في نفسه ضعفًا شديدًا، رغبةً عارمةً في أن يذهبَ إليها الآن، ليُخبرها بكلِّ ما يكنُّه. لكنَّ صوتَ المنطق، وصوتَ واجبِه، كانا يهتفانِ في أذنيه: "توقف! ما تفعلُه جنونٌ. أنتَ الأمير، وهي جاريةٌ. هناكَ فجوةٌ هائلةٌ بينكما."
لم يكن الأمرُ متعلقًا بالفجوةِ الاجتماعيةِ فحسب، بل كان هناكَ حاجزٌ آخرُ أكثرُ رسوخًا، وهو التزامُه بالزواجِ من ابنةِ ملكٍ مجاورٍ، لتعزيزِ التحالفاتِ السياسية. هذا الزواجُ كانَ قد دُبرَ بعنايةٍ فائقة، ولا يمكنُ التراجعُ عنه بسهولة. لقد أوشكَتِ الخطوبةُ الرسميةُ أن تُعلن. كيفَ لهُ أن يُفكرَ في أخرى، وهي زينب؟
ألقى بالقطعةِ القماشيةِ جانبًا، محاولًا استعادةَ تركيزه. ثمَّ رفعَ رأسهُ متنهدًا، ليجدَ نفسه في مواجهةِ وجهٍ مألوفٍ، وجهِ مستشارهِ الأمين، السيدَ يعقوب. كانَ يعقوبُ رجلًا حكيمًا، قضى سنواتٍ طويلةً في خدمةِ والدهِ، ثمَّ هو. كانَ يعرفُ خفايا القصرِ وكواليسه، ويدركُ جيدًا طبيعةَ الأمير.
"يا مولاي، أراكَ شاردَ الذهن." قالَ يعقوبُ بصوتٍ هادئٍ، ينمُّ عن قلقٍ عميق. "هل هناكَ ما يُكدرُ صفوَك؟"
تلعثمَ خالدٌ في إجابته. "لا شيءٌ يا يعقوب. مجردُ ثقلِ المسؤوليات."
لم يقتنع يعقوب. "المسؤولياتُ ثقيلةٌ دومًا، يا مولاي. لكنَّ هذا الشحوبَ وهذا السهادَ ليسا من طبيعتك. هل يتعلقُ الأمرُ بالأميرةِ ليلى؟ لقد اقتربَ موعدُ خطبتها."
كانَ ذكرُ اسمِ الأميرةِ ليلى بمثابةِ صدمةٍ لخالد. لقد نسيَ أمرَها تمامًا في دوامةِ مشاعرهِ نحو زينب. تراجعَ إلى الخلفِ قليلًا، وشعرَ بالذنبِ يخنقُه. "نعم، الأميرةُ ليلى." تمتمَ بصوتٍ مكتوم. "التحالفُ مع مملكتها ضروريٌّ لنا."
"بالطبع، يا مولاي. لكنَّ واجبَك تجاهَ شعبِك لا يُلغي واجبَ قلبِك. هل وجدتَ في الأميرةِ ليلى ما يُناسبُك؟" سألَ يعقوبُ بتروٍّ، وعيناهُ تبحثانِ في وجهِ الأمير عن إجابةٍ واضحة.
لم يستطع خالدُ أن يكذبَ. "أنا... لا أعرفُ يا يعقوب. لم أقضِ معها وقتًا كافيًا لأحكم."
"الوقتُ سيأتي، يا مولاي. وقد يكونُ زواجُك بها هو الحلُّ الأمثلُ لتجاوزِ هذهِ المرحلةِ الصعبة." قالَ يعقوبُ، وهو يحاولُ أن يُقنعهُ بوجهةِ نظرٍ عملية. "لكنَّني أخشى أن تكونَ هناكَ عوائقُ أخرى. لقد سمعتُ همساتٍ في القصرِ عن اهتمامِ بعضِ الأمراءِ الآخرين بجاريتكم زينب. هل هذا صحيحٌ؟"
تجمدَ خالدٌ في مكانه. اهتمامُ أمراءَ آخرين بزينب؟ هذا ما كانَ يخشاهُ أكثرَ من أيِّ شيء. لقد شعرَ بغيرةٍ لم يعرفها من قبل. "ماذا تقولُ يا يعقوب؟ من هؤلاءِ الأمراء؟" سألَ بنبرةٍ حادةٍ، تحملُ مزيجًا من الغضبِ والقلق.
"همساتٌ خافتةٌ، يا مولاي. ولكنَّها تتزايد. يُقالُ أنَّ الأميرَ سعودَ من مملكةِ الشمال، والذي يزورُنا هذهِ الأيام، قد أُعجبَ بها. وقد سمعتُه يسألُ عنها أكثرَ من مرة."
استشاطَ خالدٌ غضبًا. الأميرُ سعود؟ ذلكَ الرجلُ المعروفُ بفسادِه، وبحثِه عن متعِه الخاصة. كيفَ يجرؤُ على النظرِ إلى زينب، تلكَ الفتاةِ الطاهرة؟ "هذا غيرُ مقبولٍ أبدًا!" صرخَ خالدٌ، وضربَ بيدهِ على المكتبِ بقوة. "يجبُ أن أضعَ حدًّا لهذهِ الهمساتِ فورًا."
"وكيفَ ستفعلُ ذلكَ يا مولاي؟" سألَ يعقوبُ ببرودٍ، وهو يدركُ حجمَ المشكلة. "إذا كنتَ تهتمُّ بها حقًا، فقد تجعلُ من الأمورِ أكثرَ تعقيدًا. وإذا لم تفعل، فقد تقعُ في يدِ رجلٍ لا يُقدِّرُ قيمتها."
شعرَ خالدٌ بحصارٍ شديد. كانَ بينَ مطرقةِ الواجبِ وسندانِ الهوى. لقد غرقتْ مشاعرهُ بزينبِ حدَّ الهلاك، وأصبحَ يرى فيها كلَّ ما يتمناهُ في شريكةِ حياته. لكنَّ الظروفَ كانتْ تقفُ في وجهه، بل وتُهددُ مستقبلَها.
"لا يمكنُني أن أسمحَ للأميرِ سعودٍ بالاقترابِ منها." قالَ خالدٌ، وعيناهُ تلمعانِ بعزمٍ لا يُقاوم. "يجبُ أن أجدَ حلاً. حلاً يُنقذُ زينبَ من هذا الخطر، ويُعيدُ لي هدوئي."
"وهل الحلمُ الذي تلاحقُه هو الحلُّ يا مولاي؟" سألَ يعقوبُ، وهو يضعُ يدهُ على كتفِ الأمير. "أعلمُ أنَّ قلبَك يتألم، ولكنَّ العواطفَ الجامحةَ قد تُعمي البصيرة. عليكَ أن تفكرَ بعقلك، وأن تتذكرَ مسؤولياتِك تجاهَ شعبِك وبلدِك."
نظرَ خالدٌ إلى يعقوب، وشعرَ بصدقِ كلماته. لقد كانَ هذا الرجلُ دائمًا هو مرآتَه، التي تُظهرُ لهُ الحقائقَ كما هي. ولكنهُ الآن، لم يعدْ يرى إلا وجهَ زينب.
"لا أعلمُ ما يجبُ عليَّ فعلهُ يا يعقوب." اعترفَ خالدٌ بضعفٍ نادر. "أنا تائهٌ. أشعرُ بأنني أُسحبُ إلى دوامةٍ، لا أستطيعُ الخروجَ منها. وهناك قلقٌ عميقٌ على زينب."
"القلقُ عليكَ منها، يا مولاي، هو دليلٌ على اهتمامِك. وهذا الاهتمامُ قد يكونُ بدايةً لشيءٍ عظيم، ولكنَّه يجبُ أن يُدارَ بحكمةٍ وصبر. ربما... ربما علينا أن نُسرِّعَ في ترتيبِ أمرِ خطبتِك بالأميرةِ ليلى. وعندما تصبحُ الأمورُ مستقرةً، يمكنكَ حينها التفكيرُ فيما يتعلقُ بزينب. بهذهِ الطريقة، تضمنُ أمانَها، وتُحافظُ على سمعتِك، وتُحققُ مصلحةَ مملكتِك."
كلماتُ يعقوبِ كانتْ بمثابةِ قشةٍ تعلقَ بها خالد. هل هذهِ هي الطريقُ الوحيدة؟ أن يتزوجَ أميرةً لا يُحب، بينما قلبهُ معلقٌ بقلبِ جارية؟ لقد كانَ الأمرُ مؤلمًا، ولكنهُ قد يكونُ الحلَّ الوحيدَ لإنقاذِ الجميع.
"أعتقدُ أنَّك على حقٍ يا يعقوب." قالَ خالدٌ بصوتٍ مُتهدج، وعيناهُ تحملانِ ألمًا عميقًا. "علينا أن نُسرِّعَ في ترتيبِ أمورِ الخطوبة. ولنُحكمْ إغلاقَ الأبوابِ حولَ زينب. لا أريدُ أن أسمعَ همسةً أخرى عنها، لا من الأميرِ سعودٍ ولا من غيره."
رفعَ يعقوبُ حاجبيهِ بتعجبٍ ظاهر. "هل تقصدُ يا مولاي أنَّك...؟"
"أقصدُ أنَّني سأفعلُ ما يجبُ عليَّ فعله." قاطعهُ خالدٌ بحزمٍ مصطنع. "والآن، دعنا نُنهي هذهِ الأمور. يجبُ أن أكونَ مستعدًا لاستقبالِ الأميرةِ ليلى. لقد أتى وقتُ المسؤوليةِ الحقيقية."
لكنَّ قلبَ خالدٍ كانَ يعرفُ جيدًا أنَّ معركةً أشدَّ وأعنفَ قد بدأتْ لتوه، معركةٌ ليستْ معَ الأمراءِ أو السياسة، بل معَ نفسه، ومعَ ذلكَ الهوى الذي استوطنَ روحهُ، وأصبحَ يُلقي بهِ إلى غياهبِ المجهول. لقد كانَ مدمنًا عليها، مدمنًا على طيفِها، ومدمنًا على ذلكَ الشعورِ الذي يتجاوزُ كلَّ ما عرفه.