قلب الأمير الجزء الثاني

لغة العيون ورهبة البوح

بقلم مريم الحسن

لم يكن القصرُ ليخلو من الحركةِ والترقب، مع اقترابِ موعدِ وصولِ الأميرةِ ليلى، ابنةِ ملكِ الشمالِ وصديقِ والدهِ الراحل. كانتْ التحضيراتُ على قدمٍ وساق، تُعبِّرُ عن مدى أهميةِ هذا الزواجِ بالنسبةِ لمستقبلِ المملكة. فستانُ الأميرِ خالد، وثيابهُ الفاخرة، والغرفةُ الملكيةُ التي جُهِّزتْ خصيصًا لاستقبالِها، كلُّها تفاصيلُ تَنِمُّ عن بروتوكولٍ صارمٍ وحفلٍ مهيب. لكنَّ خلفَ هذهِ الواجهةِ البراقة، كانَ الأميرُ خالدُ يعيشُ صراعًا داخليًا رهيبًا.

لقد قررَ، بناءً على نصيحةِ يعقوب، أن يُسرِّعَ في إتمامِ مراسمِ الخطوبة، وأن يُغلقَ الأبوابَ حولَ زينب. ولكنَّ هذا القرارَ لم يُخففْ من وطأةِ مشاعره، بل زادَها اشتعالًا. كانَ كلَّما رأى زينب، شعرَ بأنَّ قلبهُ يتمزقُ ألمًا. كانتْ عيناهُ تتبعانِها في كلِّ مكان، ترصدانِ كلَّ حركةٍ تقومُ بها، كلَّ ابتسامةٍ تُطلقُها. كانَ يخشى أن تقعَ عيناهُ على ابتسامةٍ موجهةٍ لأحدٍ آخر، كانَ يخشى أن يرى فيها أيَّ أثرٍ للاكتراثِ بغيره.

وفي أحدِ الأيام، بينما كانتْ زينبُ تقومُ بواجباتِها في حديقةِ القصر، تُرتِّبُ الأزهارَ وتُزيلُ الأعشابَ الضارة، وجدَ خالدٌ نفسه يتسللُ إليها، متذرعًا بالبحثِ عن بعضِ اللحظاتِ الهادئةِ بعيدًا عن صخبِ التحضيرات. كانتْ الشمسُ تداعبُ وجهَها، وشعرُها الداكنُ يتطايرُ معَ النسيم. كانتْ تبدو في غايةِ الجمالِ والبراءة.

اقتربَ منها ببطء، لم يُردْ أن يُفزعَها. "زينب." نادى بصوتٍ خافتٍ، اهتزَّتْ لهُ روحُها.

التفتتْ إليهِ زينبُ، وشعرُها يتطايرُ حولَ وجهِها. اتسعتْ عيناها بصدمةٍ وخجل. لم تكنْ تتوقعُ رؤيتهُ بهذا القرب، وبهذهِ الصورةِ الحميمة. كانتْ دائمًا تتجنبُ لقاءهُ، وتُحافظُ على مسافةٍ تُبعدُهما.

"سموَّ الأمير." قالتْ بصوتٍ مترددٍ، وانحنتْ رأسَها احترامًا.

"لا داعي لهذا الرسميات، زينب." قالَ خالدٌ، وهو يقتربُ منها أكثر. "أريدُ أن أتحدثَ معكِ."

ارتعشَ جسدُ زينب. لقد شعرتْ بالخوفِ والرجفةِ معًا. كانتْ تعرفُ أنَّ الأميرَ يُوليها اهتمامًا خاصًا، اهتمامًا لا تفهمُ مصدره، ولا تستطيعُ تفسيره. ولكنَّها كانتْ تتجنبُ النظرَ في عينيه، وتُفضلُ البقاءَ في الظل.

"ماذا تريدُ أن تقولَ لي يا سيدي؟" سألتْ، وعيناها لا تزالانِ مُثبّتتينِ على الأرض.

"أريدُ أن أسألَكِ سؤالًا." قالَ خالدٌ، وشعرَ بأنَّ كلماته تخرجُ بصعوبة. "هل... هل أنتِ سعيدةٌ هنا؟"

فاجأها السؤال. لم تتوقعْ أبدًا أن يسألها عن سعادتها. "أنا... أنا في خدمةِ القصر، يا سيدي. وأؤدي واجبي."

"لكنَّ الواجبَ لا يعني دائمًا السعادة." قالَ خالدٌ، وهو يحاولُ أن يُثيرَ اهتمامَها، وأن يجعلَها تنظرُ إليه. "هل لديكِ أحلامٌ؟ آمالٌ؟"

ترددتْ زينبُ، ثمَّ رفعتْ رأسَها ببطء، ونظرتْ إليهِ للمرةِ الأولى. كانتْ عيناهُ تحملانِ شيئًا لا تفهمهُ، شيئًا من الشوقِ والألم. "كلُّ إنسانٍ لديهِ أحلامٌ يا سيدي. ولكنَّ بعضَ الأحلامِ تبقى في القلب، لا تُقال."

"ولماذا لا تُقال؟" سألَ خالدٌ، وشعرَ بأنَّ قلبهُ ينبضُ بسرعة. "ربما لو قيلتْ، لُقيتْ آذانًا صاغيةً، وقلوبًا مُحبةً."

احمرَّ وجهُ زينب. فهمتْ ما كانَ يقصدُه. لقد بدأَ يشعرُ بما تشعرُ به. هذا الشعورُ كانَ مُخيفًا، ولكنهُ أيضًا كانَ مُغريًا. "يا سيدي، نحنُ في عالمينِ مختلفين. أنتَ الأمير، وأنا مجردُ جارية. لا يمكنُ لِأحلامي أن تلتقيَ بأحلامِك."

"ولماذا لا؟" سألَ خالدٌ، بصوتٍ يكادُ يكونُ رجاءً. "ربما... ربما لم تكنِ الأقدارُ قد رسمتْ لنا هذا المصيرَ فقط. ربما هناكَ طريقٌ آخر."

تنهدتْ زينبُ، وقالتْ بمرارة: "الأقدارُ غالبًا ما تكونُ أقوى من رغباتِنا، يا سيدي. وقد عرفتُ أنَّك تخطبُ الأميرةَ ليلى. تهانيَّ لكَ."

كانَ ذكرُ الأميرةِ ليلى بمثابةِ وخزةٍ باردةٍ في قلبِ خالد. "هذا... هذا ما يجبُ أن يحدثَ لمصلحةِ المملكة." قالَ، وعيناهُ تنظرانِ إليها بشوقٍ ظاهر. "لكنَّ هذا لا يعني أنَّ قلبي... لم يعدْ... يشعر."

شعرَ خالدٌ بأنَّه تجاوزَ كلَّ الحدود. لقد كادَ أن يُفصحَ عن مشاعره، وهو يعلمُ أنَّ هذا سيُعقدُ الأمورَ أكثر.

"يا سيدي، أرجوكَ." قالتْ زينبُ، وعيناها امتلأتْ بالدموع. "لا تقلْ هذا. لا تجعلْ الأمورَ أصعبَ مما هي عليه. أرجوكَ، دعني أُكملُ واجبي بهدوء. حياتي بسيطةٌ، ولا أرغبُ في تعقيدِها."

"ولكنَّني لا أستطيعُ أن أراكِ بهذهِ البساطةِ وهذا الهدوء، وأنا أعرفُ ما في قلبِك." قالَ خالدٌ، وهو يمدُّ يدهُ ببطءٍ ليلمسَ خدَّها.

في تلكَ اللحظة، قاطعهم صوتٌ رفيعٌ، صوتُ خادمةٍ جاءتْ تُخبرُ زينبَ بضرورةِ العودةِ فورًا. انقبضَ قلبُ زينب. لقد اختفتْ لحظةُ الصفاءِ تلكَ، وعادتْ إلى واقعِها القاسي.

"أنا آسفةٌ يا سيدي." قالتْ، وهي تنسحبُ من أمامهِ بسرعة، وتُغطي وجهَها بعباءتِها.

نظرَ خالدٌ إلى زينبَ وهي تبتعد، وشعرَ بخيبةِ أملٍ مريرة. لقد أضاعَ فرصةً ثمينةً للبوح، ولعلَّ هذهِ الفرصةَ لن تتكرر. لقد أدركَ الآنَ حجمَ الإدمانِ الذي يشعرُ بهِ نحو زينب. كانَ يُحبُّ حتى طريقةَ صمتِها، وطريقةَ بكائها، وطريقةَ هربِها منه.

عادَ إلى مكتبهِ، وشعرَ بالوحدةِ تخنقه. لقد قررَ إتمامَ الخطوبة، ولكنهُ الآنَ يتساءلُ إن كانَ هذا القرارُ صحيحًا. هل يستطيعُ أن يعيشَ حياةً بلا زينب؟ هل يستطيعُ أن يُجبرَ قلبهُ على حبِّ أخرى؟

في هذهِ الأثناء، كانَ الأميرُ سعود، الذي سمعَ عن اهتمامِ الأميرِ خالدِ بزينب، يُخططُ بخبث. لقد رأى في هذهِ الفتاةِ فرصةً للانتقامِ من خالد، ولإحكامِ قبضتِهِ على المملكةِ بطريقةٍ أخرى. لقد كانَ يُحبُّ أن يزرعَ الشقاقَ بينَ آلِ الحكم.

"الأميرُ خالدُ يقعُ في حبِّ جارية؟" قالَ سعودٌ لنفسه، وهو يبتسمُ ابتسامةً ماكرة. "هذا أمرٌ مُضحك. وسأستغلُّ هذا الضعفَ لصالِحي. سأجعلُ الأميرَ خالدَ نادمًا على كلِّ لحظةٍ كانتْ فيها زينبُ بجانبه."

لقد بدأَ السباقُ الحقيقي. سباقٌ بينَ الحبِّ والواجب، وبينَ الحقيقةِ والخيال. و زينبُ، في وسطِ كلِّ هذا، لم تكنْ تعلمُ شيئًا. كانتْ تعيشُ في عالمِها الخاص، تحلمُ بأحلامٍ بسيطة، ولكنَّ القدرَ كانَ يُعدُّ لها مفاجآتٍ كبيرة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%