قلب الأمير الجزء الثاني
لقاء غير متوقع وأسرار تتكشف
بقلم مريم الحسن
كانت الأيام تمر كلمح البصر، وكل يوم يحمل معه مزيجاً من الترقب والاطمئنان بالنسبة للأمير عبد العزيز والأميرة ليلى. لقد أصبح لقاؤهما أمراً معتاداً، يتبادلان فيه الأحاديث الهادئة، ويتشاركان أحلامهما للمستقبل. كان عبد العزيز يحرص على أن تكون كل زيارة تحمل طابعاً مختلفاً، بين الترويح عن ليلى وبين مناقشة بعض أمور حياتهما المستقبلية، كل ذلك في إطار الاحترام والتقدير المتبادل.
في إحدى الأمسيات، وبعد عودته من جولة تفقدية سريعة على بعض المناطق الحدودية، قرر الأمير أن يزور ليلى. لم يكن قد رآها منذ يومين، واشتاق لصوتها وضحكتها. كان يتخيل وجهها وهي تستقبله، وكيف ستتلألأ عيناها فرحاً بقدومه.
ولكن عندما وصل إلى جناحهما المعتاد، وجد مفاجأة لم يكن يتوقعها. كانت ليلى تجلس مع رجلٍ غريب، رجلٌ يرتدي ملابس أنيقة، ولكن ملامحه تحمل شيئاً من الخبث. كان الرجل يتحدث إليها بنبرةٍ لا تبدو ودية على الإطلاق.
تجمد الأمير للحظة، وشعر ببرودة تسري في عروقه. لم يكن لديه فكرةٌ عن هوية هذا الرجل، ولكن غريزته أخبرته أن وجوده في هذا المكان، في هذا الوقت، أمرٌ مريب.
"ليلى،" قال بصوتٍ حاول أن يجعله طبيعياً، ولكنه بدا متوتراً بعض الشيء.
استدارت ليلى بسرعة، وقد ظهرت على وجهها علامات المفاجأة، ولكنها سرعان ما تبدلت إلى الابتسامة. "الأمير! لقد أتيت!"
ثم أشارت إلى الرجل الواقف بجانبها. "هذا هو السيد مراد، أحد أعيان المدينة المجاورة، وقد جاء لزيارتنا."
نظر الأمير إلى السيد مراد، الذي ابتسم له ابتسامةً متكلفة. "أهلاً بك يا مولاي. لقد كنت أتحدث مع الأميرة عن بعض الأمور الهامة التي تتعلق بتجارتنا المشتركة."
شعر الأمير بثقلٍ في صدره. لقد كانت الأحاديث التي تدور بين ليلى وهذا الرجل تبدو غامضة، ولا تخصه. "أهلاً بك يا سيد مراد. لم أكن أعلم بزيارتك."
"لقد كانت زيارة مفاجئة يا مولاي،" قال مراد وهو ينظر إلى ليلى بنظرةٍ خبيثة، "ولكن الأميرة كانت كريمةً جداً باستقبالي."
أدرك الأمير أن عليه أن يتعامل مع الوضع بحكمة. لم يكن يريد أن يخلق مشكلةً غير ضرورية، ولكنه أيضاً لم يكن يريد أن يشعر بأن خطيبته في وضعٍ غير مريح.
"يبدو أنني جئت في وقتٍ غير مناسب،" قال الأمير وهو يبتسم ببرود، "ولكنني أردت أن أطمئن على خطيبتي. هل كل شيءٍ على ما يرام؟"
"نعم يا مولاي، كل شيءٍ على ما يرام،" أجابت ليلى بسرعة، "ولكنني أعتقد أنني سأحتاج إلى بعض الوقت مع الأمير. تفضل أنت بالذهاب الآن يا سيد مراد."
ابتسم مراد مجدداً، وهو ينهض من مكانه. "بالتأكيد يا أميرة. ربما نلتقي قريباً يا مولاي." ثم غادر.
عندما غادر مراد، تنفس الأمير الصعداء. نظر إلى ليلى، ورأى فيها شيئاً من الارتباك.
"من هذا الرجل يا ليلى؟" سأل عبد العزيز بنبرةٍ جادة.
تنهدت ليلى، وجلست بجانبه. "إنه السيد مراد، كما قلت لك. ولكنه ليس مجرد رجل أعمال، يا الأمير. إنه يحاول أن يثير بعض المشاكل."
"مشاكل؟ وما نوع هذه المشاكل؟" سأل عبد العزيز، متذكراً ما قاله الشيخ منصور عن اهتمام السيد فهد بليلى. هل كان مراد مرتبطاً بفهد؟
"لقد جاء إليّ منذ فترة، يعرض عليّ المساعدة في بعض الأمور التجارية، ولكنه كان دائماً ما يلمح إلى أشياء أخرى. كان يحاول أن يبتزني، إن صح التعبير، بأسرارٍ قديمة تتعلق بأسرتي."
"أسرار؟" استغرب الأمير. "ما نوع الأسرار؟"
"لا أعرف تماماً،" قالت ليلى بقلق، "ولكنه يلمح إلى أن لديه أدلةً على بعض الأمور التي قد تضر بسمعة أسرتي. وقد أخبرني اليوم أنه وجد شيئاً جديداً، شيئاً سيغير كل شيء."
شعر الأمير بالغضب. كيف يجرؤ هذا الرجل على تهديد خطيبته؟ وكيف سمحت ليلى له بالبقاء كل هذه الفترة؟
"ليلى،" قال بصوتٍ قوي، "لماذا لم تخبريني بهذا من قبل؟ لماذا تركتِ هذا الرجل يهددك؟"
"لقد كنت خائفةً في البداية، يا الأمير. ولم أكن متأكدةً مما إذا كان الأمر خطيراً أم مجرد تهديدات فارغة. ولكني الآن، بعدما رأيتُ جرأته، أدركتُ أنني بحاجةٍ إلى مساعدتك."
"بالطبع يا ليلى،" قال عبد العزيز وهو يمسك بيديها. "لن أسمح لأحدٍ بأن يؤذيكِ أو يبتزك. ولكن عليكِ أن تكوني صريحةً معي دائماً. لا تخافي من أي شيء. نحن معاً في هذا."
"أعلم يا الأمير،" قالت ليلى وعيناها تلمعان بالدموع، "ولكنني أخشى أن تكون هذه الأسرار مرتبطةً ببعض الأمور التي لم أخبرك بها."
"ماذا تقصدين؟" سأل عبد العزيز.
"جدتي، قبل وفاتها، أخبرتني أن هناك بعض الأشياء التي يجب أن أنتبه إليها. وأن هناك أخطاءً ارتكبها أجدادي في الماضي، وقد تكون لها عواقب وخيمة. ولكنها لم تخبرني بالتفاصيل."
"وهل تعتقدين أن السيد مراد يعرف هذه الأسرار؟"
"ربما،" قالت ليلى، "ولكنني أعتقد أن هناك شخصاً آخر وراء هذا كله. شخصٌ يريد أن يستغل هذه الأسرار لإلحاق الضرر بنا."
فكر الأمير في السيد فهد. هل كان مراد يعمل لصالح فهد؟ هذا احتمالٌ واردٌ جداً.
"سنحقق في الأمر، يا ليلى،" قال عبد العزيز بثقة. "وسنكشف كل شيء. لا تقلقي. سنواجه هذا معاً."
في تلك الليلة، لم يستطع عبد العزيز أن ينام. كانت كلمات ليلى تدور في رأسه. أسرارٌ قديمة، أخطاءٌ ارتكبها الأجداد، تهديداتٌ مبطنة. هل كانت خطبته هذه مجرد بدايةٍ لمواجهةٍ أكبر؟
في صباح اليوم التالي، استدعى الأمير عبد العزيز الشيخ منصور، وطلب منه التحقيق في هوية السيد مراد وعلاقاته. كما طلب منه البحث عن أي معلومات تتعلق بخلافات قديمة بين أسرة ليلى وأي شخصيات نافذة في المنطقة.
"يا شيخ منصور،" قال الأمير، "لقد علمتُ أن هناك من يحاول ابتزاز الأميرة ليلى، مستغلاً بعض الأسرار القديمة. أخشى أن يكون هذا مرتبطاً بشخصيات تسعى لزعزعة استقرارنا. أريدك أن تجد لي كل المعلومات الممكنة عن السيد مراد، وعن أي خلافات قديمة تخص أسرة الأميرة."
"أمرك يا مولاي،" قال الشيخ منصور باحترام، "وسأبذل قصارى جهدي للكشف عن الحقيقة."
في نفس الوقت، كانت ليلى تبحث في مكتبة القصر عن أي كتبٍ قديمة تتعلق بتاريخ أسرتها. كانت تشعر بأنها بحاجةٍ إلى فهم ماضيها لتستطيع مواجهة مستقبلها. وبينما كانت تقلب في إحدى المخطوطات القديمة، وجدت رسالةً قديمة، مخبأةً بين الأوراق. كانت الرسالة بخط يد جدتها، وتتحدث عن "وديعةٍ ثمينة" تركتها لأجيال قادمة، وعن "أمانةٍ" يجب الحفاظ عليها.
لم تفهم ليلى تماماً ما تعنيه الرسالة، ولكنها شعرت بأنها مفتاحٌ لفهم كل ما يجري. هل كانت هذه "الوديعة" هي ما يحاول مراد الحصول عليه؟
عندما عاد الأمير عبد العزيز إلى ليلى في ذلك اليوم، وجدها تبدو أكثر هدوءاً، ولكن بعينين تحملان عزيمةً قوية.
"لقد وجدت شيئاً مهماً يا الأمير،" قالت له وهي تظهر له الرسالة. "جدتي تركت لي هذا. يبدو أن هناك شيئاً ما يجب أن أعرفه."
قرأ الأمير الرسالة، وشعر بالإعجاب بقوة ليلى. "هذا رائع يا ليلى. إنها خطوةٌ مهمة. الآن، علينا أن نفهم ما تعنيه هذه الكلمات."
"أعتقد أننا بحاجةٍ إلى معرفة المزيد عن هذه الخلافات القديمة،" قالت ليلى. "ربما إذا عرفنا من كان أعداء أسرتنا في الماضي، سنعرف من هو عدونا اليوم."
"بالتأكيد،" وافق الأمير. "وهذا بالضبط ما أعمل عليه. الشيخ منصور يبحث في الأمر."
اجتمع الأبطال، يتشاركون المعلومات، ويحاولون ربط الخيوط المتناثرة. لقد بدأت الأسرار تتكشف، ولكن كلما اكتشفوا شيئاً، زاد غموض الموقف. كان السيد مراد مجرد أداة، والشخص الذي يقف خلفه كان أشد خطورةً مما كانوا يتخيلون.
نظر الأمير إلى ليلى، ورأى فيها الشريكة التي سيواجه بها المستقبل. "مهما حدث، يا ليلى، سنكون معاً. وحبنا سيكون أقوى من أي مكائد."
ابتسمت ليلى، وقد شعرت بأن قلبها يمتلئ بالطمأنينة. لقد كان الحب الذي يربطهما، مع قوة الحق، هو السلاح الأقوى الذي يمتلكانه.
ولكن بينما كانوا يتحدثان، كان في مكانٍ آخر، يتلقى السيد فهد تقريراً مفصلاً عن لقاء ليلى مع الأمير. كان يبتسم، فقد كان يعلم أن الأميرة ليلى لديها نقاط ضعف، وأن خطبتهما ما هي إلا فرصةٌ لتحقيق أهدافه. ولم يكن يعلم أن هذه الفتاة، التي يستهين بقدراتها، تمتلك روحاً قوية، وأنها على وشك أن تكتشف قوةً لا يستهان بها.