الفصل 1 / 25

حب أبدي

عبق الياسمين وصرخة الفجر

بقلم فاطمة النجار

انبعث الفجر بخطاه الوئيدة، يرسم خيوط النور الذهبية على قمم جبال الأطلس التي تعانق سماء مراكش، وكأنها حجاب سماوي يستر أسرار المدينة القديمة. في تلك اللحظة الفارقة، حيث يتسلل النسيم العليل ليوقظ النائمين ويحمل معه عبق الياسمين المعتق من حدائق الروضة، كانت "ليلى" تستيقظ لا لترى بزوغ الشمس، بل لتودعها.

على شرفة قصرها المطل على ساحة جامع الفنا الصاخبة، وقفت "ليلى" وهي ترتدي جلباباً فضفاضاً بلون السماء، تغطي شعرها بحجاب من حرير أبيض ناصع. لم يكن منظر الشمس الصاعدة يسرّ ناظريها، بل كان بمثابة تذكير قاسي بوطأة الأيام التي تمضي، والليالي التي تنقضي دون أن تمنحها سكينة. عيناها، اللتان لطالما حملتا بريق الحياة والأمل، أصبحتا اليوم غائمتين، كأنهما تحملان ثقل العالم كله.

كانت "ليلى" ابنة "السيد هشام"، أحد كبار تجار البخور والعطور في مراكش. لم تكن حياتها مجرد رفاهية وترف، بل كانت مسؤولة عن إدارة قسم هام في تجارة والدها، فقد امتلكت فراسة لا مثيل لها في عالم الروائح، وقدرة فذة على تمييز أدق المكونات وابتكار أزكى العطور. لكن اليوم، لم يكن عبق الياسمين أو عطر العنبر الفاخر يشغل بالها. كان قلبها يخفق بضيق، وروحها تتلمس طريقها بين متاهات القلق.

"هل كل شيء جاهز، يا أمينة؟" سألت بصوت واهن، لم يخلُ من هيبة ورصانة، رغم الشحوب الذي كان يلف وجهها.

"نعم يا سيدتي، كل شيء كما طلبت. العربة تنتظر، والأمتعة قد رُتبت بعناية فائقة. خادماتك مستعدات لوداعك." أجابت "أمينة"، كبير الخدم في القصر، وهي تتقدم نحوها بخطوات هادئة، حاملة في يدها إبريقاً من الماء البارد وبعض حبوب اللقاح التي اعتادت "ليلى" تناولها في الصباح.

"الحمد لله." تمتمت "ليلى"، وهي تأخذ رشفة من الماء، ثم وضعت الإبريق جانباً. كان عليها أن تكون قوية. كان عليها أن تجعل نفسها قادرة على مواجهة ما ينتظرها. لم يكن الأمر مجرد سفر، بل كان رحلة إلى المجهول، رحلة فرضتها عليها تقاليد عائلية عريقة، وواجبات اجتماعية لا يمكن التخلي عنها.

قبل ساعات قليلة، كان والدها "السيد هشام" قد جلس معها في مكتبه الفاخر، الذي تفوح منه رائحة خشب الصندل الممزوجة بعبق العود. كان وجهه، الذي اعتاد أن يعكس هدوءاً وسكينة، مشوباً بحزن عميق.

"يا ابنتي العزيزة،" بدأ بكلمات بالكاد استطاع أن يخرجها، "الأمر أكبر منك، وأكبر مني. والدتك، رحمها الله، تركت لكِ وصية. وصية تتطلب منكِ أن تذهبي إلى مدينة فاس، وأن تبحثي عن شيء... شيء له علاقة بتاريخ عائلتنا. شيء ضاع مع الزمن."

كانت "ليلى" قد فقدت والدتها وهي صغيرة، ولم تكن تتذكر منها سوى ابتسامة حانية وصوت يغني أغاني قديمة. كانت تعلم أن والدتها كانت امرأة غامضة، تحمل في قلبها أسراراً كثيرة، لكنها لم تتخيل يوماً أن يكون لها تأثير بهذا الحجم على مستقبلها.

"ما هو هذا الشيء، أبي؟ ولماذا يجب أن أذهب أنا؟" سألت "ليلى"، وقلبها يرتجف.

"لا أعرف بالضبط ما هو، يا ابنتي. والدتك لم تترك تفاصيل، سوى هذا الصندوق الصغير، وهذا المفتاح." وأخرج والدها صندوقاً خشبياً قديماً، مزخرفاً بنقوش عربية دقيقة، ومفتاحاً نحاسياً صدئاً. "قالت لي إنه سيقودك إلى الطريق. وهناك رجل واحد فقط في فاس يمكنه مساعدتك، إنه "السيد يوسف"، صديق قديم لوالدتك، وهو رجل موثوق به، ذو علم واسع. لقد كتبت لكِ عنوانه."

كانت "ليلى" تشعر بأنها في دوامة. كيف يمكن لصندوق ومفتاح أن يقوداها إلى شيء مفقود؟ وكيف يمكن لرجل غريب أن يساعدها؟ لكنها لم تجرؤ على معارضة والدها، الذي بدا مكسوراً وحزيناً. كانت تعرف أن هذا هو آخر طلب لوالدتها، وأنها لا تستطيع أن تخيب أملها، حتى لو كانت لم تعرفها إلا من خلال الحكايات.

وبينما كانت الشمس ترتفع أكثر، وتكسر حاجز الظلام، كانت "ليلى" تقف الآن في مركبة فاخرة، يجرها حصانان أبيضان قويان. ودعت أمينة بالدموع، ثم ألقت نظرة أخيرة على قصرها، على مدينتها التي أحبتها، متمنية أن تعود إليها قريباً، حاملة معها سر عائلتها، وقلبها لا يزال سليماً.

"إلى فاس، يا سائق." قالت بصوت ثابت، وهي تجلس في المقعد الخلفي، والصندوق الصغير بين يديها، والمفتاح يتدفق في جيوبها. لم تكن تدري, أن هذه الرحلة لن تكون مجرد استعادة لسر مفقود، بل ستكون رحلة لاستعادة نفسها، لاكتشاف جوانب من شخصيتها لم تكن تعرفها، وللقاء أشخاص سيغيرون مسار حياتها، ويمنحونها معنى جديداً لمفهوم الحب، ليس الحب الذي تراه في القصص، بل الحب الذي تبحث عنه في رحاب الحلال، حب يتجذر في الاحترام، ويعلو في التقوى، ويزدهر في ظل السكينة.

أغمضت عينيها للحظة، وتخيلت والدتها. هل كانت تفكر بها وهي تترك لها هذا اللغز؟ هل كانت تعلم أن ابنتها ستجد نفسها في هذا الموقف؟ همست في صمت، "أمي، أرجوكِ، ساعديني. أرشديني."

انطلق الحصانان، والمركبة تبتعد عن مراكش، حاملة معها "ليلى" إلى مصيرها المجهول، تاركة وراءها عبق الياسمين، وصوت الفجر الذي كان يشهد بداية قصة جديدة، قصة حب قديمة، تبدأ من جديد في شوارع فاس العتيقة، حيث تنتظرها الأقدار، وربما... رجل.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%