الفصل 12 / 25

حب أبدي

همسات الشك وتأثير الأقارب

بقلم فاطمة النجار

كانت نسمات الفجر الأولى تلفُّ حديقة القصر ببرودها الرقيق، حاملةً معها عبير الياسمين المتفتّح وعطر الورد البلدي الذي نسجتْ جدائلُه حول الأروقة الحجرية. جلستْ "ليلى" على الأريكة الحجرية تحت شجرة اللبخ العتيقة، تستقبل أشعة الشمس الأولى التي تسللتْ عبر الأغصان، تداعب وجهها الهادئ وارتسمتْ على ملامحها علاماتُ تفكيرٍ عميق. لم يكن هدوء الصباح يهدّئ من اضطراب روحها، بل كان يفاقمُه، يذكّرها بما يكتنف مستقبلها من غموضٍ وشكوكٍ نسجتها ألسنةٌ هنا وهناك.

لقد تغلغلتْ كلماتُ ابنة عمها "سارة" في أعماقها، وأخذتْ تنخرُ في صلابة قناعاتها. "سارة" التي لطالما اتّسمتْ بفطنةٍ شديدةٍ وقدرةٍ عجيبةٍ على قراءة ما بين السطور، لم تبخلْ عليها بنصائحها المشوبةِ بالقلق. "يا ليلى، لا أقولُ إلا ما أراهُ صوابًا. رجلٌ كـ"طارق" ذي النفوذ الواسع والماضي الغامض، قد يحملُ في طيّاته أمورًا لا ندركُها. هل سألتِ نفسَكِ عن سبب اهتمامه المفاجئِ بكِ؟ هل تأكّدتِ من صدقِ نواياه؟" كانت تلك العباراتُ تدوي في أذنيها، تزرعُ بذورَ الشكّ في أرضٍ كانتْ خصبةً بالثقة.

لم تكن "ليلى" تنكرُ أن "طارق" كان قد غيّر حياتها. لقد أدخلَ إلى عالمها البسيطِ ألوانًا لم تعرفْها من قبل، وشعرًا ورومانسيةً كانتْ تغفو في ثنايا قلبها. كان كريمًا، عطوفًا، وكان يُظهرُ لها الاحترامَ والتقديرَ الذي لم تعتدْهما. لكنّ "سارة" كانتْ تُذكّرها دائمًا بالواقع، بأنّ العالمَ ليسَ كتابًا مفتوحًا، وأنّ النوايا قد تتخفى خلفَ أقنعةٍ براقة.

وفي خضمّ هذه الأفكار، انفتحَ بابُ الحديقةِ وأطلّتْ منه "أمينة"، والدة "ليلى"، بوجهٍ بشوشٍ يحملُ آثارَ السهرِ الطويلِ تحضيرًا لوليمةٍ كبرى ستُقامُ لخطبةِ "طارق" لابنتها. "صباح الخير يا حبيبتي. ما الذي يشغلكِ في هذا الصباحِ الباكر؟ ألستِ سعيدةً؟" جاءتْ كلماتها دافئةً كاحتضانٍ أموميٍّ، لكنّ "ليلى" شعرتْ بثقلٍ غريبٍ في صدرها.

"صباح النور يا أمي. أفكّرُ فقط." أجابتْ بصوتٍ خافتٍ، ولم تستطعْ كتمانَ ما يجولُ في خاطرها. "أمي، هل أنتِ متأكدةٌ من كلّ شيء؟ من "طارق"؟"

توقفتْ "أمينة" قليلاً، ونظرتْ إلى ابنتها بعينينِ متسائلتين. "ماذا تقصدين يا ليلى؟ لقد سألنا عنهُ، وكلّ ما سمعناهُ عنه جيد. هو رجلٌ ذو أخلاقٍ كريمةٍ ومكانةٍ مرموقة. وهذا كلّ ما نتمناهُ لابنتنا."

"لكنّ "سارة" كانتْ تقولُ إنّ ماضيهُ قد يكونُ معقدًا..." بدأتْ "ليلى" بترددٍ، وشعرتْ بالخجلِ من نقلِ شكوكِ صديقتها.

تنهدتْ "أمينة" وتشاكستْ تجاعيدُ قلقٍ خفيفةٍ على جبينها. "يا ابنتي، "سارة" فتاةٌ حذرةٌ جدًا، وهذا جيدٌ في بعض الأحيان. لكنّها أحيانًا ما ترى الأمورَ بمنظارٍ سوداويٍّ. الثقةُ بينَ العروسينِ أساسُ الزواجِ السعيد. وهل هناكَ ما يمنعُكِ من الثقةِ بـ"طارق"؟"

نظرتْ "ليلى" إلى يديها المتشابكتينِ في حجرها. "لا، ليسَ هناكَ ما يمنعني صراحةً. لكنّني... أريدُ أن أتأكدَ."

"التأكيدُ يأتي معَ الوقتِ ومعَ المعرفةِ عن قرب. ولن تمنحكِ هذهِ المعرفةَ القلقُ والشكوكُ التي تزرعينها في نفسكِ. سيكونُ لنا لقاءٌ قريبٌ معَ عائلةِ "طارق" قبلَ الخطبةِ الرسميةِ، وستتاحُ لكِ الفرصةُ للحديثِ معهُ ومعرفةِ المزيد." قالتْ "أمينة" بحزمٍ ولطفٍ في آنٍ واحد، محاولةً إقناعَ ابنتها بضرورةِ تخفيفِ وطأةِ مخاوفها.

في نفسِ الوقتِ، كانَ "طارق" يستقبلُ ضيفًا لم يكنْ يتوقعُ قدومهُ. كانَ "سعيد"، ابنُ عمٍّ بعيدٍ لـ"ليلى"، رجلٌ يبدو عليهِ الثراءُ والترف، لكنّ عينيهِ تحملانِ بريقًا لا يُبشّرُ بالخير. دخلَ "سعيد" مكتبَ "طارق" بابتسامةٍ صفراءٍ، ولوّحَ بملفٍّ سميكٍ بينَ أصابعه.

"مساء الخير يا "طارق". لم أكنْ أعرفُ أنني سأجدُكَ في مكتبي هذهِ الساعة. جئتُ لأبارك لكَ، ولأتحدثَ معكَ في أمرٍ يخصّ مستقبلَكَ." قالَ "سعيد" وجلسَ دونَ دعوةٍ، ونظرَ حولهُ بتمعنٍ كمنْ يبحثُ عن شيءٍ.

"أهلاً بكَ يا "سعيد". تفضلْ بالجلوس. ما هوَ الأمرُ الذي يشغلُكَ؟" ردّ "طارق" بهدوءٍ، لكنّ عينيهِ لم تخفيا علاماتِ الحذر. كانَ يعرفُ "سعيدًا" جيدًا، ويعرفُ كيفَ يتلاعبُ بالكلماتِ لتحقيقِ مآربهِ.

"سمعتُ عن خطبتِكَ القادمةِ من "ليلى". تهانينا. إنها فتاةٌ طيبةٌ وأصيلٌ." قالَ "سعيد" ثمّ وضعَ الملفّ على الطاولةِ ودفعَهُ نحو "طارق". "لكنّ لديّ بعضَ المعلوماتِ التي قد تكونُ ذاتَ أهميةٍ لكَ قبلَ أنْ تتخذَ قراركَ النهائي."

فتحَ "طارق" الملفّ، فوجدَ فيهِ صورًا لـ"ليلى" معَ أصدقائِها، وبعضَ الرسائلِ الإلكترونيةِ التي كانتْ قد تبادلتْها معَ "أسامة" في الماضي. كانتْ المعلوماتُ قديمةً، لكنّها منتقاةٌ بعنايةٍ لتبدوَ مقلقةً.

"هذهِ... ما علاقةُ هذهِ الأمورِ بي؟" سألَ "طارق" بصوتٍ حادٍّ، وقد ارتسمتْ علاماتُ الاستياءِ على وجههِ.

"ببساطةٍ يا "طارق"، "ليلى" ليستْ الفتاةَ البريئةَ التي تظنّها. لقد كانتْ على علاقةٍ معَ هذا الشابِ، "أسامة"، بل إنّ هناكَ صورًا تُظهرُ علاقةً حميمةً بينهما." قالَ "سعيد" وهوَ يقرأُ من ورقةٍ داخلَ الملفّ. "بالطبعِ، هذهِ الأمورُ قد تؤثّرُ على سمعتِكَ وعلى نظرةِ المجتمعِ إليكَ. وأنا هنا لأقترحَ عليكَ صفقةً."

"صفقة؟" استنكرَ "طارق" هذهِ الكلمةَ.

"نعم. مقابلَ مبلغٍ من المالِ، سأتخلّى عنْ هذهِ المعلوماتِ، ولنْ تصلَ إلى أحد. بل وسأتأكّدُ منْ أنْ يظلّ كلّ شيءٍ سريًا. أنتَ رجلٌ حكيمٌ، وتعرفُ كيفَ تتعاملُ معَ الأمورِ الحساسة." أضافَ "سعيد" وهوَ يراقبُ ردودَ فعلِ "طارق" عن كثب.

نهضَ "طارق" منْ مقعدهِ، ووقفَ أمامَ "سعيد" كالجبلِ الشامخ. "يا "سعيد"، أتيتَ إلى هنا لتُهدّدني وتُبتزّني. لكنّكَ لم تعرفْني جيدًا. أنا رجلٌ أعرفُ الحقيقةَ، وأؤمنُ بالسترِ. أما بالنسبةِ لـ"ليلى"، فهيَ فتاةٌ طاهرةٌ، وما حدثَ في الماضي لا يُلغي نقاءَ روحها. وإنْ كنتَ تعتقدُ أنّ هذهِ الأوراقَ ستُغيّرُ رأيي، فأنتَ مخطئٌ تمامًا. بل إنّها جعلتني أتمسكُ بها أكثرَ."

"هذا غباءٌ منك. إنّ هذهِ المعلوماتَ ستُدمّرُ سمعتكَ، وسمعةَ عائلتِها." قالَ "سعيد" بغضبٍ ظاهر.

"سمعتي هيَ مسؤوليتي، ولستُ بحاجةٍ لدروسٍ منك. أما سمعةُ عائلةِ "ليلى"، فلا تقلقْ عليها، فهمْ أطهرُ منْ أنْ تمسّهمْ كلماتُ رجلٍ مثلكَ. الآن، أرجو أنْ تغادرَ مكتبي فورًا، قبلَ أنْ أضطرّ إلى استدعاءِ الأمن." قالَ "طارق" بصوتٍ جهوريٍّ، وعيناهُ تشتعلانِ بالغضب.

خرجَ "سعيد" وهوَ يتمتمُ بالشتائمِ، لكنّ "طارق" لم يعرْهُ اهتمامًا. لقد أدركَ حينها أنّ هناكَ منْ يسعى لإفشالِ زواجهِ، وأنّ هذهِ ليستْ سوى البداية. لكنّ إصرارَ "سعيد" على استخدامِ هذهِ المعلوماتِ القديمةِ، جعلهُ يتأكدُ منْ أنّ "ليلى" لم تفعلْ شيئًا سوى أنّها أحبتْ في وقتٍ سابق، وهذا لا يُعيبُها. بل إنّ رغبةَ "سعيد" في ابتزازهِ، كشفتْ لهُ عنْ وجهٍ قبيحٍ للعالمِ لم يكنْ يدركُه.

عادَ "طارق" إلى مكتبهِ، وأمسكَ صورةً صغيرةً لـ"ليلى" كانَ يحتفظُ بها في درجِ مكتبهِ. نظرَ إليها طويلاً، وابتسمَ ابتسامةً واثقة. "لا يهمّني ما يقولونَ، يا "ليلى". سأحميكِ، وسنواجهُ كلّ شيءٍ معًا."

وفي تلكَ اللحظة، كانتْ "ليلى" قد اتخذتْ قرارها. لقد استوعبتْ أقوالَ والدتِها، وأدركتْ أنّ الشكوكَ لا تبني مستقبلًا. ستحاولُ أنْ ترى "طارق" بعينٍ صافيةٍ، وأنْ تمنحهُ الثقةَ التي يستحقّها. فالقلوبُ النقيةُ لا تبني حواجزَ، بل تبني جسورًا منْ الودّ والتفاهم. لكنّها لم تكنْ تعلمُ أنّ الظلامَ قد بدأَ يلوحُ في الأفق، وأنّ المعركةَ الحقيقيةَ لم تبدأْ بعد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%