حب أبدي
رياحُ الماضي العاصفة
بقلم فاطمة النجار
تعمّقَ الليلُ بسكونهِ المخمليِّ، وقد ارتدتْ سماءُ المدينةِ ثوبَها القاتمَ المرصعَ بنجومٍ باهتةٍ. في عيادةِ الطبِّ النفسيِّ الهادئةِ، حيثُ كانَ يتسللُ ضوءُ المصباحِ الوحيدُ ليرسمَ ظلالًا طويلةً على الجدرانِ، جلسَ "طارق" أمامَ طبيبتهِ، الدكتورةِ "نادية"، بملامحَ تبدو عليها علاماتُ الإرهاقِ العميقِ.
لم تكنْ زيارتُهُ هذهِ المرةَ لمجردِ الاستشارةِ الروتينيةِ، بل كانتْ مدفوعةً بقلقٍ متزايدٍ، وبأحداثٍ بدأتْ تُعيدُ إليهِ ذكرياتٍ مؤلمةً منْ ماضٍ حاولَ جاهدًا أنْ يدفنَهُ.
"يا دكتورة، أشعرُ بأنّ شيئًا ما يلاحقني." قالَ "طارق" بصوتٍ يحملُ بحةَ خوفٍ، وهوَ يفركُ جبهتَهُ. "منذُ أنْ بدأتْ الأمورُ تتجهُ نحو الخطبةِ، بدأتْ تأتيني بعضُ الرسائلِ المجهولةِ. تتضمنُ تهديداتٍ غامضةً، وتلميحاتٍ إلى أسرارٍ منْ ماضيّ."
أنصتتْ الدكتورةُ "نادية" بعنايةٍ، وعيناها تبعثانِ الراحةَ والطمأنينةَ. كانتْ تعرفُ "طارقًا" منذُ فترةٍ، وتدركُ عمقَ جروحهِ. "ما طبيعةُ هذهِ الرسائلِ؟ هل لديكَ فكرةٌ عمنْ قد يكونُ وراءَها؟"
"لا أعرفُ حقًا. ولكنّني أشعرُ بأنّها مرتبطةٌ بما حدثَ في الماضي. بخسارتي لعائلتي، وبكلّ الفوضى التي عشتُها." قالَ "طارق" وهوَ يتذكرُ أيامًا سوداءَ، حينَ فقدَ والديهِ في حادثٍ مأساويٍّ، وتركتْهُ هذهِ الخسارةُ وحيدًا في عالمٍ قاسٍ.
"تذكرُ يا "طارق"، أنّ هذهِ المشاعرَ طبيعيةٌ جدًا، خاصةً وأنّ حياتكَ على وشكِ أنْ تتغيرَ. أنتَ تتجهُ نحو حياةٍ جديدةٍ، وهذا قد يُثيرُ مخاوفَ الماضي. لكنّنا سنواجهُ هذهِ التحدياتِ معًا." قالتْ الدكتورةُ "نادية"، وحاولتْ أنْ تُهدّئَ منْ روعِهِ. "هل تعتقدُ أنّ هذهِ التهديداتِ قد تكونُ مرتبطةً بشخصٍ معينٍ يعرفُ عنْ ماضيكَ؟"
"لا أستبعدُ ذلك. في الأمسِ، جاءني رجلٌ يدعى "سعيد"، ابنُ عمٍّ بعيدٍ لـ"ليلى"، وحاولَ ابتزازي ببعضِ المعلوماتِ القديمةِ التي تخصّ "ليلى". كانَ يحاولُ أنْ يُقنعني بأنّها ليستْ الفتاةَ التي أظنّها. أعتقدُ أنّهُ هوَ منْ يقفُ وراءَ هذهِ الرسائلِ، أو أنّهُ يعملُ لصالحِ شخصٍ آخر." قالَ "طارق" وقد احتقنَ وجههُ بالغضبِ.
"يبدو أنّ هناكَ منْ يحاولُ العبثَ بمستقبلِكَ. هل تحدثتَ معَ "ليلى" عنْ هذا الأمرِ؟" سألتْ الدكتورةُ "نادية".
"لا. لم أفعلْ. لا أريدُ أنْ أُقلِقَها. خاصةً وأنّها تستعدُّ للخطبةِ. أريدُ أنْ أُظهرَ لها أنّني قويٌّ، وأنّني أستطيعُ حمايتَها." ردّ "طارق"، وعيناهُ تعكسانِ إصرارًا على حمايةِ منْ يحبُّ.
"قوتكَ يا "طارق" تكمنُ في شجاعتِكَ، وفي قدرتكَ على مواجهةِ الحقائقِ، حتى لو كانتْ مؤلمةً. ولكنّ إخفاءَ الأمورِ عنْ "ليلى" قد يُسبّبُ لها الأذى لاحقًا. الثقةُ المتبادلةُ هيَ أساسُ أيِّ علاقةٍ ناجحةٍ. أعتقدُ أنّهُ منْ الأفضلِ أنْ تتشاركوا هذهِ المخاوفَ." نصحتْ الدكتورةُ "نادية"، وشعرتْ بأنّ "طارق" بحاجةٍ إلى أنْ ينفتحَ على "ليلى" أكثرَ.
في مكانٍ آخرَ، كانتْ "ليلى" قد قررتْ أنْ تبدأَ بإجراءِ بعضِ التعديلاتِ في تصميمِ حديقةِ قصرِ جدتِها، بعدَ أنْ استلهمتْ بعضَ الأفكارِ منْ جولةٍ لها في مكتبةِ القصرِ، وبينَ أوراقِ جدتِها العتيقةِ. كانتْ جدتُها، السيدةُ "فاطمة"، قد تركتْ وراءَها مجموعةً منْ الرسوماتِ والتصاميمِ القديمةِ لحدائقَ فريدةٍ، وبدأتْ "ليلى" تشعرُ بحنينٍ قويٍّ لتراثِ عائلتِها.
بينما كانتْ تبحثُ في إحدى الصناديقِ القديمةِ، وقعَ نظرُها على دفترِ ملاحظاتٍ صغيرٍ، مُغلفٌ بجلدٍ بالٍ. فتحتْهُ بحذرٍ، لتجدَ فيهِ مذكراتٍ مكتوبةً بخطٍّ أنيقٍ، يعودُ تاريخُها إلى سنواتٍ طويلةٍ. كانَ الخطُّ مألوفًا، وشعرتْ بنبضةٍ مفاجئةٍ في قلبِها.
"هذا خطُّ أمي!" هتفتْ "ليلى" بصوتٍ خافتٍ، وقد غمرتْها موجةٌ منْ المشاعرِ. كانتْ والدتُها قد توفيتْ وهيَ لا تزالُ طفلةً صغيرةً، ولم تحتفظْ بالكثيرِ منْ ذكرياتها.
بدأتْ تقرأُ المذكراتِ، وشيئًا فشيئًا، بدأتْ تتكشفُ أمامَها قصةٌ لم تكنْ تعرفُها. كانتْ والدتُها، في شبابِها، قد عاشتْ قصةَ حبٍّ عميقةً معَ شابٍّ وسيمٍ، يدعى "أدهم". كانَ حبهما قويًا، لكنّهُ لم يكتملْ. كانتْ هناكَ عائلةٌ معارضةٌ، وظروفٌ قاسيةٌ، جعلتْهما يفترقانِ.
"لماذا لم تخبرني جدتي عنْ كلّ هذا؟" تساءلتْ "ليلى" بصوتٍ متهدجٍ، وهيَ تشعرُ بمرارةٍ تخالطُ حنينَها. لقد كانتْ تعتقدُ أنّ حياتَها كانتْ هادئةً، وأنّ والدتَها لم تعشْ سوى الهدوءِ.
بينما كانتْ "ليلى" غارقةً في قراءةِ المذكراتِ، دخلتْ جدتُها الغرفةَ. رأتْ "ليلى" تمسكُ الدفترَ بيدينِ مرتجفتينِ، وعيناها مليئتانِ بالدموعِ.
"ماذا وجدتِ يا ابنتي؟" سألتْ السيدةُ "فاطمة" بحنانٍ.
أرَتْ "ليلى" الدفترَ لجدتِها، وعيناها تسألانِ. "لماذا لم تخبريني عنْ "أدهم"؟ وعنْ قصةِ حبكِ؟"
تنهدتْ السيدةُ "فاطمة" وجلستْ بجانبِ "ليلى"، وربّتتْ على كتفِها. "يا حبيبتي، لم أردْ أنْ أُحملَكِ همومَ الماضي. كانتْ والدتُكِ تحبُّ "أدهم" حبًا جماً، لكنّ الظروفَ لم تسمحْ لهما بالاجتماعِ. وقد تخلّتْ عنهُ بقلبٍ مكسورٍ، لكنّها كانتْ دائمًا تقولُ إنّها سعيدةٌ لأنّها اختارتْ طريقَ الحلالِ."
"ولكنْ... لماذا لم أسمعْ عنه؟" سألتْ "ليلى" بفضولٍ.
"كانَ "أدهم" شابًا منْ عائلةٍ طيبةٍ، لكنّها كانتْ ذاتَ نفوذٍ كبيرٍ، وكانوا يخشونَ أنْ يقعَ ابنُهمْ في حبِّ فتاةٍ ليستْ منْ مستواهمْ. وقد فرضوا عليهِ الزواجَ منْ فتاةٍ أخرى. كانَ الأمرُ مؤلمًا جدًا لها." قالتْ السيدةُ "فاطمة"، وعيناها تلمعانِ بذكرى الأيامِ.
"وهل ما زالَ "أدهم" على قيدِ الحياةِ؟" سألتْ "ليلى" بترددٍ.
"نعم، ما زالَ على قيدِ الحياةِ. بل إنّ لهُ ابنًا... وهوَ "طارق"." قالتْ السيدةُ "فاطمة"، وكأنّها تكشفُ عنْ سرٍّ عظيمٍ.
توسعتْ عينا "ليلى" بصدمةٍ، وشعرتْ بأنّ الأرضَ تميدُ بها. "ماذا؟ "طارق"؟ هل تقصدينَ أنّهُ... ابنُ "أدهم"؟"
"نعم يا ابنتي. لقد عادَ "أدهم" بعدَ سنواتٍ طويلةٍ، وأصبحَ لهُ ابنٌ هوَ "طارق". لقد كانَ القدرُ يلعبُ لعبتَهُ معنا، ليجمعَ بينَ جيلينِ، وبينَ عائلتينِ كانتا تفصلُهما ظروفٌ قاسيةٌ." قالتْ السيدةُ "فاطمة" بهدوءٍ، وهيَ ترى وجهَ ابنتِها الشاحبَ.
"ولكنْ... وكيفَ عرفتِ أنتِ؟" سألتْ "ليلى" بصوتٍ بالكادِ يُسمع.
"لقد أخبرني "أدهم" بنفسِهِ حينَ التقينا بعدَ سنواتٍ. وأخبرني أنّهُ أرادَ أنْ يعرفَ عنْ "ليلى"، وعنْ حياتِها. ولكنهُ كانَ يخشى ردةَ فعلكِ، وأنْ تظني أنّ الأمرَ يتعلقُ بالماضي." قالتْ السيدةُ "فاطمة"، وقد بدتْ علاماتُ الحزنِ والأسى على وجهِها.
شعرتْ "ليلى" بدوارٍ شديدٍ. لقد انقلبَ عالمُها رأسًا على عقبٍ. لم تعدْ تفهمُ شيئًا. كيفَ يمكنُ لـ"طارق" أنْ يكونَ ابنَ الرجلِ الذي أحبّتْهُ والدتُها؟ وما هيَ علاقةُ هذهِ القصةِ بالرسائلِ التي يتلقاها "طارق"؟
في تلكَ اللحظة، أدركتْ "ليلى" أنّ الماضي لم ينتهِ، وأنّ لهُ رياحًا عاصفةً قد بدأتْ تهبُّ، حاملةً معها أسرارًا لم تكنْ تتوقعُها. وبدا لها أنّ حبّها لـ"طارق" أصبحَ أكثرَ تعقيدًا، وأنّ الأمورَ ستتجهُ نحو منحى خطيرٍ.