الفصل 16 / 25

حب أبدي

صدى الماضي وسر الأمانة

بقلم فاطمة النجار

في جوف الليل، حيث لا تسمع إلا حفيف أوراق الشجر ووشوشة الريح، كان أحمد يقف أمام مرآةٍ عتيقة، يعكس وجهه صورته المتعبة. كانت عيناه تحملان ثقلًا لا يمكن للكلمات أن تصفه. كانت ملابسه الرسمية، التي ارتداها في إحدى جلسات العمل، قد تركت انطباعًا بأن كل شيء على ما يرام، لكن روحه كانت تمزقها خيوط القلق. كلما أقترب من نور، شعر بأن جزءًا من عالمه المظلم قد يتسلل إليها، وهذا ما كان يخشاه أشد الخوف.

حمل في يده خنجرًا صغيرًا، مزخرفًا بنقوشٍ عربية قديمة، كان هديةً من والده، ليس كسلاحٍ، بل كرمزٍ للأمانة. كان والده قد علمه في صغره أن هناك أشياء لا يمكن الاستغناء عنها، وأن هناك مسؤوليات لا يمكن تفاديها. كان هذا الخنجر يذكره دائمًا بتلك المسؤوليات.

"يا أماه، كيف لي أن أحميها، وأنا أحمل على كتفي هذا الإرث؟" تمتم أحمد لنفسه، وكأنما يتحدث إلى روح والدته الراحلة. والدته، السيدة أمينة، كانت نبع الحنان والقوة في حياته، وكانت دائمًا ما تنصحه بأن يكون قويًا، وأن يحمي من يحب. لكنها لم تخبره يومًا أن القوة قد تتطلب تضحياتٍ مؤلمة، وأن حماية من نحب قد تعني الابتعاد عنهم.

استدعى في ذهنه صوت والده، ذلك الصوت الذي كان يحمل مزيجًا من السلطة والحكمة، وأحيانًا من الندم. والده، السيد رياض، كان رجل أعمالٍ نافذًا، ولكن سمعته كانت ملطخةً ببعض الشكوك. كان يحاول دائمًا أن يغطّي على أخطائه، وأن يصلح ما فسد. لكن أحمد، الذي كان يرى أبعد من ذلك، كان يعلم أن هناك أسرارًا دفينة، وأن هناك صفقاتٍ مشبوهة كانت تشكل جزءًا من حياة والده.

تذكر أحمد اجتماعًا سريًا جمعه بوالده قبل وفاته بفترةٍ قصيرة. كان والده يبدو ضعيفًا، ولكنه كان يحمل في عينيه نظرةً مصممة. "أحمد، هناك أمانةٌ يجب أن تحملها. هذه الأمانة ليست مالًا، بل هي مسؤولية. مسؤوليةٌ تجاه أشخاصٍ لا تعرفهم، ومسؤوليةٌ تجاه مستقبلٍ لا تراه. حافظ على هذا المجلد، ولا تفتحه إلا إذا اضطررت. هناك أشياءٌ قد لا تفهمها الآن، ولكنها ستتضح مع الوقت."

هذا المجلد، الذي كان الآن أمامه على المكتب، كان مليئًا بالمستندات الغامضة، وعقودٍ تبدو أنها تحمل معاني لا يمكن تفسيرها. كان يعرف أن محتوياته قد تكون مفتاحًا لحل لغزٍ كبير، ولكنه كان يخشى أن يكون الحل مؤلمًا، وأن يؤدي إلى عواقب وخيمة.

في صباح اليوم التالي، بينما كانت شمس دمشق الذهبية ترسل خيوطها الدافئة عبر النوافذ، كانت نور تستعد للقاء أحمد. اختارت ثوبًا بسيطًا، لكنه أنيق، وزينت شعرها بحجابٍ أبيض، كأنها تخفي ورائه بحرًا من المشاعر. كانت تتطلع إلى أن يتحدث معها بصراحة، أن يكشف لها ما يدور في خاطره.

عندما التقت عيناهما في المقهى الهادئ، شعرت نور ببرودةٍ مفاجئة. كان أحمد يبدو شاردًا، وكأنما يدور في ذهنه شيءٌ آخر.

"أحمد، هل كل شيء على ما يرام؟" سألت نور بلهفة، محاولةً أن تخترق جدار الصمت الذي بدأ يحيط به.

نظر إليها أحمد، وبدا وكأنما يرى نورًا في عينيه، نورٌ سرعان ما خبا. "نور، هناك أمورٌ يجب أن تعرفيها. أمورٌ تتعلق بماضيّ، وماضي عائلتي."

ارتعش قلب نور. "ماضي؟ هل أنت بخير؟"

"أنا بخير، ولكن... هناك مسؤوليةٌ تقع على عاتقي. مسؤوليةٌ قد لا أستطيع أن أفلت منها." قال أحمد، وصوته يحمل بحةً غريبة. "لقد تركت عائلتي لي أمانةً، وأمانةٌ خطيرة."

بدأت نور تتساءل. أي نوعٍ من الأمانة هذه؟ وأي خطرٍ كان يهددها؟ هل كان أحمد في ورطة؟ هل كان يخفي عنها حقيقةً مؤلمة؟

"ما هذه الأمانة يا أحمد؟" سألت نور بقلبٍ يخفق بعنف.

تردد أحمد. كان ينظر إلى يده، وكأنما يتخيل الخنجر الذي يحمله. "كانت هناك صفقةٌ قديمة، صفقةٌ معقدة، تتعلق بأشخاصٍ... أشخاصٍ لهم نفوذٌ كبير. والدي، حاول أن ينهي هذه الصفقة، ولكنه لم يستطع. لقد ترك لي مهمةً، مهمةً يجب أن أنجزها."

"من هم هؤلاء الأشخاص؟ وما هي الصفقة؟" سألت نور، وشعرت بأن خيطًا رفيعًا من الخوف بدأ يتشابك مع حبها له.

"لا أستطيع أن أخبرك كل شيء الآن يا نور. ولكن أعلمي أن هذا الأمر قد يعرضنا للخطر." قال أحمد، ناظرًا إليها بنظرةٍ تحمل الكثير من الألم. "لقد رأيت في عينيكِ الصدق والنقاء، ولا أريد لهذا الظلام أن يلامسكِ."

شعرت نور بأن يديها باردتان. هل كان هذا هو السبب وراء ابتعاده؟ هل كان يحميها من عالمٍ لا تعرفه؟

"أحمد، أنت قلت لي أنك تحبني. وأنك تريد بناء مستقبلٍ معنا. هل هذه الأمانة ستمنعنا من ذلك؟" سألت نور، وعيناها تلمعان بالدموع.

"أنا أحبك يا نور. وهذا الحب هو ما يجعلني أقاتل. أقاتل ليس فقط من أجلي، بل من أجلكِ أيضًا." قال أحمد، ويده تمتد لتلامس يدها. كانت يدها باردة، لكن دفء يده بدأ يخفف من قلقها. "يجب أن أكون قويًا، وأن أنهي هذا الأمر. ثم... ثم يمكننا أن نبدأ من جديد."

كانت كلمات أحمد تحمل وعدًا، ووعدًا مؤجلًا. شعرت نور بأنها على وشك الدخول في متاهةٍ غامضة، متاهةٍ يحكمها الماضي، ويشكل مستقبلها. لم تعد تفهم ما يحدث، لكنها أدركت أن حبها لأحمد قد يضطرها لمواجهة أمورٍ لم تتوقعها أبدًا.

في تلك الليلة، بينما كانت نور تعود إلى منزلها، حملت معها ثقلًا جديدًا. لم يعد الأمر مجرد شكوكٍ بسيطة، بل أصبح لغزًا حقيقيًا، لغزًا يهدد بفصلها عن أحمد، أو بإدخالها عالمًا لم تكن مستعدة لمواجهته. كان وشاح القمر يضيء سماء دمشق، ولكنه لم يستطع أن يضيء ظلام الأسرار التي بدأت تتكشف.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%