الفصل 20 / 25

حب أبدي

بحر من الظنون وعاصفة الحقيقة

بقلم فاطمة النجار

تسارعت نبضات قلب ليلى كطبول حربٍ مُعلنة. كانت تقف أمام والدها، الشيخ إبراهيم، والغرفة تضيق بها. في يده، تتلألأ رسالةٌ بلونٍ باهت، تكاد خطوطها المكتوبة بحبرٍ قديمٍ تختفي. لم تكن هذه مجرد رسالة؛ بل كانت خنجراً مغروساً في خاصرة الطمأنينة التي اعتادت أن تكسوها. "أبو نواف،" همس الشيخ إبراهيم بصوتٍ أشبه بنقيق غرابٍ في ليلٍ موحش، "هذه رسالةٌ عثرت عليها بين أوراق جدك. لم أكن أعلم بوجودها، ولا بما فيها."

كان أبو نواف، والد نواف، حاضراً، ووجهه يعكس دهشةً لم تشهدها ليلى في ملامحه قط. كانت عيناه الواسعتان تترقرق فيهما غيومٌ لا تعرف معناها. "رسالة؟ لمن؟ وماذا تقول؟" سأل أبو نواف، وصوته فيه رجفةٌ خفيفة.

تقدمت ليلى نحو والدها، قلبها يتأرجح بين الخوف والفضول. "ابي، من يرسل؟ ومن المرسل إليه؟"

مد الشيخ إبراهيم الرسالة إليها، وكانت يداه ترتجفان. "إنها من والدك، يا ليلى. إلى جدك."

استقبلت ليلى الرسالة، شعرت بقشعريرةٍ تسري في عروقها. بدأت عيناها تتنقلان بين السطور، كل كلمةٍ كأنها طعنةٌ جديدة. كان والدها، الذي لطالما عرفته بالصلاح والتقوى، يتحدث عن أمورٍ لم تخطر ببالها قط. عن لقاءاتٍ سرية، عن وعودٍ قطعت في الظلام، وعن رغبةٍ دفينةٍ في تجاوز كل ما هو مألوف. ولكن الجزء الأكثر إيلاماً، والأكثر صدمة، كان يتعلق بأم نواف.

"يا ابنتي،" قال الشيخ إبراهيم بصوتٍ يخنقه الأسى، "إن هذه الرسالة تكشف عن قصةٍ لم نعرفها. والدك، رحمه الله، كان على علاقةٍ بأختِ أم نواف، قبل أن يتزوج أم نواف نفسها. وكان هناك اتفاقٌ بينهما... اتفاقٌ... لم يتم."

اتسعت عينا ليلى، لم تستطع أن تستوعب الكلام. "ماذا تعني؟ علاقة؟ اتفاق؟"

أردف أبو نواف، وصوته يعلو قليلاً، "يعني أن والدك كان ينوي الزواج من أختِ زوجتي، ثم عدل عن رأيه وتزوج من أم نواف. ولكن الرسالة تتحدث عن أمرٍ آخر... عن حبٍ قديمٍ لم يمُت."

توقفت ليلى عن التنفس للحظة. هل يعقل هذا؟ والدها، الذي كان مثالاً للوفاء في نظرها، له ماضٍ كهذا؟ وما علاقة أم نواف بهذا؟ إنها والدة الرجل الذي أحبته، والذي وعدت نفسها بأن تكمل حياتها معه.

"ولكن،" تابع الشيخ إبراهيم، وعيناه تركزان في ليلى، "الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. إن الرسالة تكشف عن أن والدك لم يكن ينوي الزواج من أم نواف في البداية، بل كان يحب أختها. ثم، وبسبب ظروفٍ قاهرة، تزوج من أم نواف. ولكن في هذه الرسالة، يتحدث عن لقاءٍ أخيرٍ مع أختها، بعد زواجه من أم نواف، حيث تبادلا العهود، ووعدها بأن يعود إليها."

صمتٌ ثقيلٌ خيّم على الغرفة. كأن الهواء توقف عن الدوران. كانت ليلى تشعر بأن الأرض تهتز تحت قدميها. كل ما كانت تعتقده عن والدها، عن تاريخ عائلتها، بدأ يتهاوى.

"هل هذه الرسالة... مؤكدة؟" سألت ليلى، وصوتها بالكاد يُسمع.

"إنها بخط يد والدك، ولا شك في ذلك،" أجاب أبو نواف، ووجهه شاحب. "ولكن، لم يكن الأمر كذلك تماماً. والدك، بعد زواجه من أم نواف، عاد إلى رشدِه، وقطع كل علاقةٍ، وأخلص لزوجته. هذه الرسالة قديمةٌ جداً، ربما من فترةٍ قبل زواجه."

"ولكنها تتحدث عن لقاءٍ بعد الزواج!" صرخت ليلى، والمشاعر المتضاربة تكاد تمزقها. "أبي، هل هذا يعني أن والد نواف... لم يكن وفياً لوالدتي؟"

تنهد الشيخ إبراهيم بعمق، "يا ابنتي، إن العواطف البشرية معقدة. ولكن ما هو مؤكد، أن والد نواف، رحمه الله، بعد ذلك، عاش حياته مع أم نواف، وأخلص لها، وأنجب منها نواف. هذه الرسالة تعبر عن لحظة ضعفٍ أو شوقٍ قديم، ولكنها لا تنفي ما حدث بعد ذلك."

"ولكن،" أردف أبو نواف، بصوتٍ حاول أن يبدو هادئاً، "هناك أمرٌ آخر في الرسالة، أمرٌ يخص والدتك، يا ليلى."

نظر الجميع إليه. ما الذي يمكن أن يكون في رسالةٍ كتبها والد نواف لوالده، ويتعلق بوالدة ليلى؟

"في هذه الرسالة،" تابع أبو نواف، "والدي يتحدث عن لقاءٍ جمع والدتكِ، السيدة فاطمة، بأختِ أم نواف، وأنهما كانتا تتآمران على والدته. بل ويتحدث عن تهديدٍ مباشرٍ لوالدته، وأن والدكِ، يا ليلى، كان على علمٍ بذلك."

اصدمت ليلى. هل هذا يعقل؟ والدتها، السيدة فاطمة، وأخت أم نواف؟ ومن ثم والدها؟ هذا جنون. "لا يمكن!" صرخت، "والدتي لم تكن ل تفعل ذلك أبداً! إنها أعقل الناس!"

"ولكن الرسالة تقول ذلك، يا ابنتي،" قال الشيخ إبراهيم، وعيناه مملوءتان بالأسف. "إنها تتحدث عن اتفاقٍ بين والدتكِ وأختِ أم نواف، على إبعاد والدة نواف، وإقناع والد نواف بالزواج من أختِها. ولكن الأمر لم ينجح، وتزوج والد نواف من أختِها، أي أم نواف، ثم حدث ما حدث."

كانت الصدمة تتوالى على ليلى. والدها، ووالد نواف، وأمه، وأم نواف، وأخت أم نواف. كل هؤلاء متشابكون في قصةٍ دراميةٍ مؤلمة، قصةٌ لم تكن لتتخيلها أبداً.

"ولكن كيف؟ ولماذا؟" تساءلت ليلى، وهي تشعر بأن خيوط الحقيقة تتشابك أمامها كعنكبوتٍ ينسج شبكته. "لماذا لم نتحدث عن هذا الأمر من قبل؟"

"لأننا لم نكن نعلم، يا ابنتي،" قال أبو نواف. "هذه الرسالة بقيت مخبأةً لسنوات. ولو لم نعثر عليها، لظلت الأسرار مدفونةً. ولكن الآن، وقد ظهرت، علينا أن نواجهها."

"ولكن نواف؟" سألت ليلى، وقلبها يرتجف خوفاً على علاقتهما. "هل يعلم نواف بهذا؟"

"لا،" أجاب أبو نواف. "لم أخبره قط. لم أكن أعلم بهذه التفاصيل. الآن، ومع ظهور هذه الرسالة، علينا أن نقرر كيف سنتصرف. وكيف سنواجه نواف."

شعرت ليلى بأنها تقف على حافة هاوية. الحقيقة ظهرت، ولكنها كانت مرةً وقاسية. هل ستستطيع أن تنظر إلى نواف بنفس العين بعد الآن؟ هل ستستطيع أن تتجاهل هذه القصة، وهذه الخيانة المزعومة، وهذا الألم القديم؟

"هذه القصة،" قال الشيخ إبراهيم، وهو ينظر إلى ليلى بعينين حزينتين، "تلقي بظلالها على مستقبلنا، يا ليلى. وعلينا أن نتعامل معها بحكمةٍ وروية. لقد أتى وقتُ الحقيقة، ولا مفر منها."

نظرت ليلى إلى الرسالة في يدها، ثم إلى وجه والدها، ثم إلى وجه أبو نواف. شعرت بأنها وحيدةٌ في مواجهة بحرٍ من الظنون، وعاصفةٍ من الحقائق التي بدأت تهب. كانت تعلم أن هذه اللحظة هي نقطة اللاعودة، وأن ما سيحدث بعد ذلك سيغير حياتها وحياة نواف إلى الأبد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%