الفصل 3 / 25

حب أبدي

همسات الكتب ومفارقات القدر

بقلم فاطمة النجار

تجاوزت الأيام الأولى من إقامة "ليلى" في فاس، واستقرت رويداً رويداً في أجواء بيت "السيد يوسف". لم يكن مجرد مضيف، بل أصبح مرشداً، ومعلماً، ومرآة تعكس لها جزءاً من حياة والدتها التي لم تعرفها. كان "السيد يوسف" يخصص جزءاً من وقته يومياً لمساعدتها في بحثها، يأخذها إلى المكتبات القديمة، والمحلات التي تبيع المخطوطات النادرة، ويشرح لها عن تاريخ المدينة وعن الرموز التي قد تكون مخفية في النقوش، أو في أسماء الأماكن.

كانت "ليلى" تشعر بالفضول يتزايد مع كل معلومة جديدة. كانت تجلس ساعات طويلة في مكتب "السيد يوسف"، الذي كان أشبه بكنز من الكتب والمخطوطات. رائحة الورق القديم، والحبر الباهت، والجلد المتهالك، كانت تملأ المكان، وتروي قصصاً صامتة. كانت والدتها، كما اكتشفت "ليلى"، كانت زائرة دائمة لهذا المكان، قبل سنوات طويلة.

"لاحظتِ يا ابنتي،" قال "السيد يوسف" ذات يوم، وهو يشير إلى كتاب سميك، مغلف بالجلد، "أن والدتكِ كانت مهتمة بشكل خاص بكتب التنجيم والفلك، بالإضافة إلى كتب التاريخ والعلوم القديمة. يبدو أن 'مخطوطات الأسرار' كانت تحتوي على خليط فريد من هذه المعارف."

"لكن كيف يمكنني العثور على مكان سري، بمجرد النظر إلى الكتب؟" سألت "ليلى"، وهي تشعر بالإحباط يتسلل إلى قلبها.

"الصبر هو مفتاح المعرفة، يا ابنتي." أجاب "السيد يوسف" بهدوء. "والدتكِ لم تترك لكِ لغزاً بلا حل. ربما يكون هناك رموز مخفية، أو إشارات في الكتب التي كانت تقرأها. القلادة التي معكِ، تحمل حجراً كريماً. في العصور القديمة، كان ينظر إلى بعض الأحجار الكريمة على أنها مفاتيح، أو رموز للطاقة. ربما يكون لها علاقة ببعض المواقع في المدينة."

بدأت "ليلى" تقضي وقتها في دراسة القلادة، وتحاول فهم العلاقة بينها وبين المعرفة التي تبحث عنها. كانت تتذكر وصف والدتها لها: "مفتاح روحي".

في أحد الأيام، وبينما كانت تتجول في سوق الحرفيين، حيث تتلاصق المحلات، وتفوح روائح العطور والأعشاب، لمح بصرها محلاً صغيراً، لا يكاد يرى، مخصصاً لبيع الخرائط القديمة. جذبتها الواجهة، ودخلت. كان المحل أشبه بمتحف صغير، مليء بالخرائط، بعضها مرسوم باليد، وبعضها مطبوع.

"تبحثين عن شيء معين، يا سيدتي؟" سأل رجل مسن، بعينين لامعتين، وهو يمسح الغبار عن خريطة كبيرة.

"أبحث عن خرائط قديمة لمدينة فاس، خصوصاً تلك التي تعود إلى القرون الماضية." قالت "ليلى".

بدأ الرجل يعرض عليها بعض الخرائط. وبينما كانت تتفحصها، وقع بصرها على خريطة قديمة جداً، رسمت بأسلوب مميز، تظهر تفاصيل دقيقة للمدينة. كانت الخريطة تبدو مختلفة عن الخرائط الأخرى، كأنها تحمل سراً.

"هذه الخريطة..." قالت "ليلى" بفضول، "هل تعرف عنها شيئاً؟"

"هذه تحفة يا سيدتي." قال الرجل بابتسامة. "هذه خريطة نادرة، رسمها فنان مغمور، يقال إنه كان يعمل على تصميمات غامضة. لم يفهم أحد الغرض الحقيقي من بعض الرسومات التي عليها."

نظرت "ليلى" إلى الخريطة. كانت هناك رموز غريبة، وخطوط لا تبدو عادية. وبينما كانت تتفحصها، لمحت بصرها شيئاً يشبه نجمة، مرسومة في مكان لم تكن تتوقعه، في قلب المدينة القديمة. وشعرت بأن هذا المكان له علاقة بالقلادة التي في عنقها.

"كم سعر هذه الخريطة؟" سألت.

"إنها كنز، سيدتي. لكنني لا أبيعها إلا لمن يقدر قيمتها الحقيقية. سأبيعها لكِ بمبلغ رمزي، إذا شعرتُ أنكِ تستحقينها."

دفعت "ليلى" المبلغ المطلوب، وأخذت الخريطة، وهي تشعر بأنها خطت خطوة هامة في رحلتها. عادت إلى بيت "السيد يوسف"، وهي تشع بالحماس.

"سيدي، أعتقد أنني وجدت شيئاً." قالت، وهي تفرد الخريطة أمامه.

نظر "السيد يوسف" إلى الخريطة، ثم إلى القلادة في عنق "ليلى". "نعم، هذه الخريطة مميزة. والرموز عليها... قد تكون دليلاً. لكن، هناك أمر آخر، يا ابنتي، ربما عليكِ أن تفكري فيه."

"ما هو، سيدي؟"

"والدتكِ، رحمها الله، كانت تسعى لإخفاء هذه المخطوطات، لحمايتها. وبعض الأشخاص، للأسف، قد يسعون للحصول عليها لأسباب غير مشروعة. لقد تحدثتُ مع بعض أصدقائي القدامى، الذين هم أيضاً من المهتمين بالتاريخ والمعرفة. يبدو أن هناك شخصاً آخر يسعى وراء 'مخطوطات الأسرار'. شخص معروف بقسوته، وبحثه الدائم عن القوة. يدعى 'المعلم زكي'."

تسارعت نبضات قلب "ليلى". "المعلم زكي؟"

"نعم. يقال إنه عالم، لكنه يستخدم علمه في أغراض مظلمة. إن كان يسعى وراء المخطوطات، فهذا يعني أن مهمتكِ ليست سهلة، وقد تكون خطيرة."

شعرت "ليلى" بخوف يتسلل إليها، لكنها لم تسمح له بالسيطرة عليها. كانت تعرف أن والدتها قد توقعت ذلك. "لكنني لن أتراجع، سيدي. هذه أمانة، ويجب أن أحميها."

"أعلم ذلك يا ابنتي. ولذلك سنكون حذرين. سنبحث عن 'بيت الحكمة'، أو المكان الذي يشير إليه هذا الرمز، لكن بحذر شديد."

في تلك الليلة، بينما كانت "ليلى" تنظر إلى الخريطة، والقلادة في يدها، شعرت بأنها ليست وحدها. كانت تشعر بحضور والدتها، وبدعم "السيد يوسف". وبينما كانت تغفو، تغلغل في أحلامها صوت خافت، يهمس بكلمات قديمة، كأنها مفاتيح لم تكتشفها بعد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%